السؤال: فضيلة الشيخ! مع الانفتاح كثر نشر الشبه, وبعض الداعيات تقف حائرة في بعض المحاضرات فلا تستطيع ردها, فما هو الحل؟
الجواب: عصرنا هو عصر شبهات وشهوات وفتن، ومع بالغ الأسف الشديد الذي أقوله: إن المحاضر الذي يقلي المحاضرة في مئات -ولنقل: في ألوف- يحتاج أن يرتب لها شهوراً -فالمحاضرة تذهب ثم تقر ثم ترجع ثم يوافق عليها ثم يلقيها في المسجد- لكن الضخ المستمر يومياً وفي كل ساعة وفي كل حين من مختلف وسائل الإعلام لا يتوقف على الإطلاق، بما فيه من شهوات وشبهات، وهذا يجعل العمدة والقاعدة التي يجب أن نقوم بها ونتأملها جميعاً هو دائماً "تقوية الإيمان", فلابد من تقوية الإيمان, وعوامل الإيمان, وحماية وصيانة المجتمع والأسرة والأبناء من هذا الشرور ومن هذه الشبهات وهذه الفتن، ومن هذا الباب كره العلماء -علماء السلف- مناظرة أهل البدع، فيخشى أن يقع في قبلك شيء, وأن تكون سبباً في نشر البدعة.
وأنا أقول شخصياً: بعض ما ينشر في مواقع الإنترنت - التي لا ترتبط بإشراف دعوي- أو الإعلام، قد يكون مما يعين على نشر الشبهة، وإن كان في صورة من يغار أو يتحدث بها من باب الغيرة أو أن هذه الظاهرة انتشرت، لكن قد يؤدي إلى كأنه يسهم ويعين -بدون قصد طبعاً- ويحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا أو تشيع البدعة في الذين آمنوا، فلنتنبه لهذا.
فمن صيانة النفس والأسرة والمجتمع الحماية من مجرد إلقاء الشبهة, أما إذا ألقيت فيجب الرد، والذي يعجز في هذه الحال لا شيء عليه, ولا ينبغي لمن لا يستطيع الرد العلمي القوي أن يتصدر فيرد؛ لأن كثيراً من البدع ما فتن الناس إلا ضعف الردود عليها، ولو أنها تُركت ولم يرد عليها لكان أهون بكثير، لكن عندما يرد عليها ضعفاء بمنطق ضعيف وبحجة واهية فهذا يؤدي إلا أنها تتأصل.
الحمد الله الصحوة في خير كبير جداً, وأنا أذكَّر بشيء مهم: لو أردنا مقاومة كل هذا المتغيرات وهذه المشكلات كما ينبغي -أنا أخشى أننا نستعجل، والعجلة لا تؤدي إلى نتائج طيبة- فلنأخذ القضايا المهمات الأولويات ونرتبها ونبدأ بها ونستمر في التربية، حتى يتهيأ الجيل للرد على هذا الشبه والإشكالات -وسوف يتهيأ بإذن الله-، إذا نحن بقينا كما عملتم من تطوير المهارات والتدريب, وزيادة العلم الشرعي, وتعميم الفائدة.
لا تجعلنا كثرة الشبهات الواردة ننسى أنه لابد من مقاومتها بأسلوب حكيم وبخطة مدروسة، كل أنواع المقاومة وأنا أركز الآن على المقاومة؛ لأن الأمة في حالة استنفار يجب أن يكون شاملاً في جميع الميادين، كل أنواع المقاومة الآن أبشركم أنها مباركة، وأنها تسير في خطى جيدة؛ بل تقطع وتحقق ما لم يمكن أن يحقق.
لكن لا نستعجل!! فسواء كانت مقاومة شبهات أو شهوات أو مقاومة في الميدان الجهادي.. لا بد من الحكمة.
بطبيعتنا البشرية نحن نستعجل, وهذه من أكبر الآفات في طريق الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ونتألم من المنكر ومن الشر أن ينتشر، لكن قد لا نوفق في معالجته بالطريقة المثلى، حتى الظواهر البسيطة التي لا يمكن لأحد أن يتوقعها.
التدخين قبل أربعين سنة أو ثلاثين سنة كانوا يعظون الناس ويذكرونهم, وينهون عنه, ويكررون الكلام فيه, ويكرهون من يدخن، أساليب معينة كانت عجلة, وفيها جهد كبير؛ لكنه لم ينتج، الآن بدأنا نجد أنواعاً ووسائل كثيرة جداً في مقاومته، وهو داء مكشوف ومعروف نطاقه وإطاره كله تحت المجهر.
الاستعجال من غير خطة راشدة واضحة ينبغي أن يتوقف الدعاة ذكوراً وإناثاً عنه، لكي تكون الخطة المحكمة الناجعة وفي نفس الوقت -الموضوع له علاقة بهذا- أن نصبر، فالله تبارك وتعالى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر: ((فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ))[الأحقاف:35], فالصبر دائماً مأمور به في أكثر من تسعين موضعاً في كتاب الله؛ لأنه لا بد من الصبر، ولا يعني الصبر: ترك العمل كما يظن بعض الناس، لكن تصبر على تحمل الثبات.. على تحمل مشقة الاستقامة والمواجهة، ولعلي أضرب لكم مثلاً حياً؛ لأن هذه الأمة تتفرد بميزات عظيمة جداً لكنها لا تدركها، وهذه من مشاكلنا: أننا لا ندرك الميزات التي أعطانا إياها الله تبارك وتعالى، وهذا يؤدي إلى ضعف الإيمان, ونحن كما قال الله تعالى: ((وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ))[آل عمران:139].
المقاومة في العراق حتى الآن لم تكمل عامين في مقاومة أعتى قوة في العالم، والتي جندت أكثر من ثلاثين أو أربعين دولة؛ لم تكمل عامين، ولو نقرأ تاريخ الحروب الصليبية، وحروب التتار، وقبل ذلك السيرة النبوية، فالسنتان لا تعتبر مدة كافية، لكن ما حدث في المقاومة العراقية لو أبعدنا عاطفتنا الأخوية والإسلامية وقرأنا التحليلات وماذا يقول هؤلاء؛ فسنجد تحليلات عالمية تؤكد أن المقاومة الجهادية في العراق مقاومة فريدة ولا نظير لها، لا غابات ولا جبال ولا وديان ولا غير ذلك, شعب مجاهد يحتمي بالشعب. مجاهد ضمن الأمة ومنغمس في الأمة, ويقاوم أعتى قوة.
لم تستطع أمريكا على الإطلاق أن تحقق أي هدف من أهدافها، لا الاستراتيجية ولا العسكرية ولا الاقتصادية ولا أي شيء, وإخفاق كبير جداً، وأصبح من يفرض إرادته الآن هم المجاهدون، بل قال أحد المحليلين الأمريكيين: أنا رأيتهم في الليل الأمر بأيديهم, وفي النهار دباباتنا تتجول، لكن في الليل كل الموضوع بيد المقاومة.
أنا أقول والله أعلم وإن شاء الله أن أكون مصيباً في هذا: إن من رحمة الله بنا وعلم الله ضعف إيماننا في هذا الزمان؛ أنه يعطينا براهين قوية على أنه معنا سبحانه وتعالى بشرط أن نتوكل عليه، ولكن أيضاً أن نعمل بخطة محكمة سواء في مجال الشبهات والشهوات أو في مجال الجهاد البدني.
لاحظ مثلاً: لماذا نحن في هذه المسألة نفرق بين من يذهب من الشباب والصغار والمراهقين ومن لا يفقه إلى هناك، ونقول: لا تذهبوا؛ وبين أنه يجب دعم المقاومة هناك بكل أنواع الدعم، فرق بين هذا وذاك, هذا من الخطة وليس لأنه اعتراض.
لكن قد يقول البعض والعياذ بالله: إنه لا مقاومة ولا جهاد، وهذا لا نقول: إنه مجرد تخذيل؛ بل أسوأ أنواع التخذيل يمكن أن يمارس ضد هذه الأمة؛ ألا تدافع عن حقها في الحياة, وحقها في الوجود ومقاومة المحتل!!
لا نقول: الشرائع السماوية فقط؛ بل الشرائع الأرضية؛ بل الغرائز الحيوانية!! فالطير يرفض أن يدخل أحد على عشه ويأخذ فراخه وبيضه ولا يقاوم، ولا يتحرك بأي شكل من أشكال الحركة، فهذا غير معقول!!.
لكن نحن نقول: مشكلتنا -ولهذا أوردت هذا الكلام- "الاستعجال"، فبعض الإخوان يسأل: بشروا كيف الأخبار؟ كم هي سنتان ليست شيء، مع أنك لو تقرأ فإنك تجد أن الحروب الصليبية بقيت حوالي قرن.. وكذلك لو تقرأ عن التتار.. الآن بالعكس الحمد لله في فلسطين وفي العراق وفي الشيشان وفي كشمير وفي أي مكان التوازن الآن بدأ، وهذه إن شاء الله مرحلة سنعيشها بإذن الله, ويشهدها من يمد الله في عمره، أما الأجيال بعدنا إن شاء الله فستراها.
يبدأ الانتصار بالتوازن نوعاً ما، كان يوم بدر ثم يوم أحد ثم الأحزاب.. ثم اليوم نغزوهم ولا يغزونا بدأت، انقلب من حال الدفاع إلى حال الهجوم، وليس فقط الهجوم بمفهوم المعارك فقط الحقيقة: أننا نجد أن الإسلام ينتصر, أن الإيمان ينتصر, أن القرآن ينتصر، إذا كان بعد سنتين سيكون عندي خمسمائة ألف حافظ في العراق فهذا انتصار كبير جداً، وتأكدوا تماماً أن آثاره ستبقى لقرون.
وهذه الأمة يا إخوان! ونقول هذا الكلام على سبيل التثبيت لا يقال: شهوات.. شبهات.. كلها ستمر وتبقى هذه الأمة خالدة بإذن الله، فقط نحتاج إلى إيمان ويقين وتوكل، الأمة دائماً تثبت، وعندما تصاب وتمتحن وترجع إلى الدين؛ فتذهب المحنة وتزول والرجوع إلى الدين باق، حين جاء التتار كانت الأمة في تردي وضعف وانشقاقات وانقسامات فنهضت، ولندع الآن النهضة الجهادية التي قاومت الصليبين والتتار، نهضت أيضاً نهضة علمية، النهضة العملية اليوم والصحوة الآن وكل الجهود العلمية أو أكثرها على تراث ما بعد الحروب الصليبية، انظر لـابن تيمية وابن القيم و ابن حجر و ابن كثير و ابن رجب و الذهبي وغيرهم، لكن انظر ما أُلف قبل قرنين.. لا تحب قراءته إلا قليل. الجيل الذي نشأ بعد الهزيمة, ونشأ في رحم المقاومة وفي إطار المقاومة الشاملة للأمة هو الذي نقله، كان ابن قدامة صاحب المغني على الميمنة مع صلاح الدين، ولذلك كتاب المغني غير الكتب الأخرى خاصة ما يتعلق بالجهاد والأحكام، وكلام شيخ الإسلام وجهاده أشهر من أن يعرف, وهكذا.
أنا أبشركم بهذا؛ لأنه دائماً نجد أنه -مثلما تفضل الأخ أو الأخت السائلة- تكثر الشبهات والإشكالات، بينما أسوأ هذه الشبهات ما يتعلق بفرض الهزيمة النفسية علينا.
أضف تعليقا
 
تنويه: يتم نشر التعليقات بعد مراجعتها من قبل إدارة الموقع