السؤال: فضيلة الشيخ! هناك بعض الأخوات بدأن يتأثرن بما يطرح في وسائل الإعلام المرئية والمقروءة من ضرورة التغيير ومواكبة الواقع, وإن الناس سينفرون من الدين إذا لم ييسر ويسهل عليهم, وإن التيسير من مقاصد الشريعة, فما تعليق فضيلتكم على هذا؟
الجواب: للجواب على هذا نضع بعض الحقائق وفقنا الله وإياكم! وهي: أن هناك حلالاً واضحاً, أو حقاً واضحاً, وهناك خطأ واضحاً أيضاً، ونادراً ما نختلف في هذه الأمور؛ لكن الإشكال والمعمعة الفكرية تقع فيما كان يحتمل الحق والباطل معاً أو يتداخل فيه، وقول علي رضي الله عنه: [كلمة حق أريد بها باطل], هي جانب من هذا، فممكن أن تطالب بشيء لنفسك وأنت محق في أهدافك, وممكن الآخر يطالب بنفس الأمر، وفعلاً المثال الذي ذكره الأخ أو الأخت السائلة هو نموذج لهذا.
"التيسير" يمكن أن يقوله المربي الفاضل أو الأخت المربية الداعية الحكيمة؛ التي تريد أن ترتقي بإيمان الأخوات وترفعهن إلى درجة الإحسان والتقوى واليقين بإذن الله تعالى، فتأتي بالتيسير, كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم: ( ليعلم اليهود أن في ديننا فسحة )، لكي لا نصدم مشاعر أناس جدد في الدعوة إلى الله نثقلهم بأنواع لا نقول: تكاليف؛ بل عبادات فينفرون منها؛ ولكن مع الأسف ممكن أن يستخدم هذا وخاصة في مرحلة الهزيمة، أي فكر ينشأ بعد مرحلة هزيمة تأنى فيه, ولا تأخذ به؛ لأن الهزيمة تولد داخلياً إشكالات، وقد درست هذه الظاهرة في جميع كتب الرجال تقريباً، كيف نشأ الإرجاء؟!
كيف يأتي من يقول: العمل ليس من الإيمان؟!!
لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أحد لا يعمل أبداً، حتى المنافقين كانوا يجاهدون ويخرجون معه صلى الله عليه وسلم للجهاد, وهم منافقون وليسوا مسلمين.
لكن ما ظهر الإرجاء إلا بعد هزيمة ابن الأشعث ومعه مجموعة كبيرة جداً من العلماء, حتى قيل: لم يتخلف عنه أحد، قاموا من ظلم الحجاج فخرجوا وقاتلوا في أكثر من معركة ضد الدولة الأموية وضد الحجاج فهزموا، فلما هزموا قالوا: إن العمل ليس من الإيمان, والمفروض ألا نقاوم ولا نتحرك ولا نغير، وبدأت فلسفة.
وأيضاً من أعظم ما يحتجون به ما قاله أنس في مواجهة الحجاج حينما شكوا إليه الحجاج، كما في صحيح البخاري قال: ( لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم ).
الكلام هذا لو كان لما قاله أنس رضي الله عنه لم يعملوا ما فعلوا، لقالوا: إذاً نصبر على الفتنة، لازم القول هذا "أن تصبر" تقاوم بقدر ما تستطيع المقاومة الدعوية والإيمانية, حتى يستريح بر, ويستراح من فاجر، فلما قاموا مقاومة غير متوقعة وغير مطلوبة، وتعدت المقاومة نتج عن ذلك هزيمة على يد الحجاج وجنوده، ونتج عنها تبرير أنك لا تنكر, ولا تتحرك, ولا تخرج.
وبدأت فلسفة ما يسميه شيخ الإسلام ابن تيمية "الطاعة الشامية"؛ أنه إذا ولى الله عبداً كتب له حسناته ولم يكتب علي سيئاته. وليس لها أصل, ولذلك الزهري رحمه الله واجه بها هشام أو الوليد قال له: أصحيح أنه إذا ولى الله عبداً - يعني: على الأمة- كتب له الحسنات ولم يكتب عليه السيئات؟ فقال له الزهري: يا أمير المؤمنين! أخليفة نبي أفضل أم خليفة غير نبي؟ قال: خليفة نبي. فقال: (( يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ))[ص:26], فإذا كان الله تعالى قال ذلك لداود وآخذ داود فكيف بغير ذلك؟!
الشاهد: أن التيسير على الناس إن كان من باب رد الناس إلى السنة النبوية -وليس التشدد؛ لأن التشدد الذي ينشأ على الخوف من المتغير؛ إذا زاد عن حد السنة المعقولة ينبغي لنا أن نخفف منه, ونرد الناس إلى الحنفية السمحة هذا نعم وحق؛ إذا كان من هذا الباب فجيد، ولا بد منه، ولا ينفعنا أنه جديد أو متغير جديد أننا نعمل ثورة ضده.
ولعلي أضرب لكم مثلاً -عفواً الأمثلة قد توضح وتنشط أحياناً- كنا في الرياض -ودرست بعض الابتدائية في الرياض- وكان أحد الوعاظ غفر الله له ورحمه يعظ في المسجد ويقول: "السَّحَّاب الخلفي"، لا تعرفونه؛ لكن أمهاتنا يعرفنه, ويقول: إن واحدة ماتت تضع سحاب من وراءها كلما أتوا لدفنها وجدوا ثعبان أسود في القبر، ويحذرنا من "السَّحَّاب الخلفي".
الشاهد: أن هذا التشدد غير المعقول قد يؤدي إلى أن يأتي جيل يكفر بالمواعظ كلها والعياذ بالله، فينبغي أن ننظر إلى هذه الأمور بمنظار الشرع.
نقول إذاً: إن التيسير في الدين هو الاستقامة على سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم من غير زيادة ولا نقصان، والآن موجودة نغمة أخرى -مع الأسف- وهي أن التيسير مدخل للتفلَّت من القيم، ومجتمعنا والحمد لله لا يزال محافظاً, فإذا ضخمنا وبالغنا قضية التيسير إلى حد التخلي عن هذه القيم لم يعد بيننا وبين غيرنا أي فرق، وعلى سبيل المثال: نحن هنا عندما ننظر إلى انتشار ظاهرة كشف الوجه، إذا قارنتها بـتركيا ترجع المرأة فتغطي جسمها إلا الوجه، وتعتبر أنه هناك صورة وسط، هنا طيب وهنا طيب, الحقيقة غير صحيح أبداً والنظرة هذه خطأ؛ لأن الفتاة هناك تدينت وغطت إلا الوجه, وقد تغطي الوجه, وموجود الغطاء في تركيا وغيرها والحمد لله.
أخواتنا الصوماليات نشرن الحجاب الكامل في أمريكا والحمد لله, وإن الله ينصر هذا الدين بمن شاء سبحانه حتى بأضعف الضعفاء.
الشاهد: إذا كنا نحن في هذا المجتمع على قيم راسخة وثابتة بأن غطاء الوجه هو الحجاب، وهذا هو الصحيح, وهذا هو المفهوم الشرعي الصحيح، ولا يمكن أن نقول قبل الحجاب عندما كانت الصدور مكشوفة والأعناق, وبعد الحجاب أصبح الوجه مكشوفاً فقط، لا أعتقد أن هذا منطق وليس هذا مجال التفصيل فيها، ولكن مجرد توضيح أن بعض الناس يظن أن الجامع المشترك هو أن هذا وهذا سواء، فالأخت التي تكشف وجهها في بيئة محافظة مثل بيئتنا وتخرج تخاطب أي أحد كاشفة الوجه، تعتبر مثل الأخت التي في إسطنبول بقوة وباحتجاجات شديدة استطاعت أن تغطي شعرها وجسدها!! هذا غير صحيح، انظر الدافع الإيماني الموجود, لا شك أن هذه لديها ضعف في الإيمان أو ضعف في الجانب العلمي الفقهي؛ لكن تلك لديها إيمان قوي دفعها إلى هذا, ولكن اتقوا الله ما استطعتم.
فلا نقول: إنه من التيسير أن نترك المرأة تكشف وجهها، بالعكس نحن نقول القول الذي يعتقده الإنسان, ونعتقد أنه الصح والحق: أنه لا يجوز لك أن تتراجع عن ضغوط الواقع, وتقول: ما دامت خلافية ففيها قولان.
أضف تعليقا
 
تنويه: يتم نشر التعليقات بعد مراجعتها من قبل إدارة الموقع