الذي يهمنا في هذا الباب -ولا يهمنا كثيراً في تاريخ العقيدة أو الدين غيره- هو أن إبراهيم الخليل عليه السلام اصطفاه الله سبحانه وتعالى واختاره من هذه الأمة، وإمكانية أن يكون هو الذي تتفرع منه هذه الشعوب والقبائل -حقيقة مشتركة- وأن يكون قد تكلم باللغة التي تكلم بها أهل جزيرة العرب هذا يشهد به الواقع، فقبل إبراهيم عليه السلام بمئات السنين أو أكثر يمكن فكُّ كل الرموز التي عُثر عليها -في الألواح والنقوش والأختام وغير ذلك- جميعاً باللغة العربية المستعملة اليوم أو من المعاجم.
إذاً: ليس هناك أي إشكال في هذا الأمر والحمد الله, وبالتالي فدعوى أنه كان يهودياً أو نصرانياً أو إسرائيلياً أو أي اسم من هذه الأسماء هي دعوى باطلة ليس فقط من ناحية الدين؛ بل أيضاً من ناحية النسب، ومن ناحية اللغة.
فمن المؤكد -وهذا نكرره لأهميته- أن شعوب ما بين النهرين بلاد الرافدين وشعوب الهلال الخصيب في بلاد الشام أيضا -الهلال كله منه بلاد الشام- و مصر، وهذه الشعوب أنها انطلقت أصلاً من جزيرة العرب، وبالتالي تفرعت وتعددت اللهجات -كنعانية أو عمونية أو موآبية .. إلى آخره- ولكنها كانت كلها تنطلق من هذه الجزيرة التي يمكن بدون مبالغة في القول؛ بل بكل يقين -إن شاء الله- أنها هي: مهد البشرية ومهد الإنسانية الأول.
وبالتالي فلا معنى لما يجادل ويناقش فيه المستشرقون الحاقدون؛ و اليهود بالذات ثم من تبعهم من غيرهم في مسألة: إلى من ينتسب الخليل عليه السلام؟ وكيف يكون له صلة بـ مكة؟! ويتجاهلون ذلك؛ بل ينكرونه؛ بل وصل الأمر ببعضهم أن ينكر وجوده عليه السلام تماماً.
وتعجبنا هنا كلمة للعقاد في كتابه إبراهيم أبو الأنبياء يقول: إن هؤلاء يكتبون لإثبات دين وإنكار دين, وليس لإثبات الحقائق التاريخية.
وحقيقة هم يهمهم إثبات الدين التوراتي اليهودي, وإنكار الدين الإسلامي, هذا الذي يهم هؤلاء المستشرقين جميعاً! أما الباحث التاريخي المتجرد فسوف نرى أن هناك نقاط التقاء كثيرة معه يمكن أن نصل إليها إن شاء الله؛ لأنه ليس هناك إشكال ولا تعارض بين الحق الذي يأتي بطريق الوحي والحق الذي يأتي بطريق التواتر والحق الذي يأتي بطريق النقوش والآثار؛ الحق دائماً بعضه يشهد لبعض، وبعضه يصدق بعضاً، وإنما يكون بين الاختلاق وبين التأويل وبين محاولة أن يُنكر دين بجملته وحضارة برمتها ونبوة بأكملها لإثبات نبوة أخرى وحضارة أخرى.
أضف تعليقا
 
تنويه: يتم نشر التعليقات بعد مراجعتها من قبل إدارة الموقع