فالقضية أننا نجد سيرة سليمان عليه السلام مشبعة ومثقلة بتفكير الأحبار والرهبان، والذين جاءوا من بعدهم من كهان وأشباههم، وهو التشبع بالنفسية الجشعة التي لدى هؤلاء الأقوام من بني إسرائيل؛ نفسية متعطشة للدنيا، نفسية تعشق الملك, نفسية تعشق المال والذهب والتجارة والمراكب الفخمة والخيول والأبنية العظيمة وما أشبه ذلك، حتى أنهم شبهوه برمسيس الثاني؛ الذي هو فرعون في كثرة ما بنى, وتسخير آلاف العمال لبناء الفخامة والملك والمجد، دون أن نجد أي شيء يذكرنا بأنها سيرة نبي عظيم من أنبياء الله تبارك وتعالى، جعله الله تبارك وتعالى قدوة في تسخير الملك والمال والغنى والثروة والسلطان في طاعة الله عز وجل، كما جعل أنبياء آخرين وأعظمهم في ذلك محمد صلى الله عليه وسلم قدوة للخلق في الزهد والعزوف عن الدنيا والتواضع والرحمة والمسكنة؛ فـ(كان صلى الله عليه وسلم قد أثر الحصير في جنبه), و(كان صلوات الله وسلامه عليه يأكل كما يأكل العبد, وينام كما ينام العبد ). فكان عبداً رسولاً, بينما كان سليمان عليه السلام ملكاً رسولاً، وعلى هذين المحورين تدور دائماً النفوس الإيمانية، فالنفوس الإيمانية في البشر جميعاً من قديم الدهر وفي حديثه هم: إما غني شاكر, وإما فقير صابر، إما زاهد في الدنيا راغب عنها, ويتعبد الله تبارك وتعالى بذلك، وإما أوتي حظاً في الدنيا؛ لكن يسخره لطاعة الله تبارك وتعالى، فيجمع بين الطائفتين الطاعة والعبادة والتقوى, وكل منهما يأخذ بحظه من الدنيا كما كتبه الله تبارك وتعالى له، وكما اختار له.
هؤلاء الذين كتبوا هذه الأسفار وحرفوها لا يأتي في فقههم أو في نظرهم هذه المعاني العظيمة التي تحدث عنها على سبيل المثال والمقارنة فقهاء الإسلام، ولا نعني الفقه العملي؛ أي: فقه الأحكام.. فقه العبادات؛ لكن نعني: فقه أعمال القلوب، حتى أنهم ذكروا أيهما أفضل الخلافة أو الملك؟ وتقريباً لا يوجد خلاف في أن الخلافة أفضل من الملك؛ لكن تكلم بعضهم عن جواز الملك وعدم جوازه؟ والصحيح أن الملك جائز؛ لكن بشرط أن يكون ملكاً مسخراً لدين الله تبارك وتعالى، وبالتالي نجد أثر هذه الوراثة النبوية في الصحابة.. ونجدها في العباد.. ونجدها في أئمة الإسلام.
فمثلاً: نجد في حياة أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه كان زاهداً؛ لكن كان لديه مال؛ وفي المقابل عثمان رضي الله تعالى عنه و الزبير بن العوام و عبد الرحمن بن عوف وغيرهم كانوا ممن أنعم الله تبارك وتعالى عليهم وتوسعوا في الدنيا؛ بل نجد في عصر الزهد الذي تميزت فيه الصفات, وأصبحت الكتابة فيه عن الزهد, كما كتب وكيع وكما كتب الإمام أحمد وكما كتب عبد الله بن المبارك وغيره، نجد أن العلماء الأئمة -أئمة اليقين والتقوى والزهد- يشملون هذين النوعين، من أخذ جانب العبودية والزهد بمعنى: الاقتداء بالنبي العبد, ومن أخذ -مع أنه زاهد- جانب الاقتداء بالنبي الملك، وكلاهما كانوا على درجة من اليقين والتقوى, والخير والصلاح.
فنجد مثلاً: عبد الله بن المبارك رضي الله تعالى عنه كان يشبّه بالملوك في حياته, ونجد الليث بن سعد وكذلك أيوب السختياني وغيرهم من الأئمة في العباد والعلم والجهاد؛ لكن كانت حياتهم حياة توسع مما أعطاهم الله, وينفقون على إخوانهم أيضاً، وفي الوقت نفسه نجد مثل: الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه والأئمة الآخرين -طبعاً وهم الأكثر في هذا الشأن- من أئمة الإسلام كانوا يتقللون من الدنيا بقدر الإمكان.
المقصود: أن هذا المعنى العظيم الذي لا يفقهه هؤلاء القوم لا نجد له ذكراً لديهم؛ بل تنحى كتاباتهم في القديم والحديث عندما حرفوا الأسفار والكلام -كما في سفر الملوك وغيره عن سليمان عليه السلام, أو عندما كتبوا ويكبتون الآن- تنحى منحى الملك والأبهة والعظمة والفخامة البعيدة عن التقوى والمجردة عنها, كما سننقل بعض كلامهم.
إلى حد أن إحدى الروايات الأدبية المشهورة في اللغة الانجليزية عنوانها: كنوز الملك سليمان -هذه من العصر الكلاسيكي- وأصبحت مثلاً عاماً لمن يريد أن يكتب؛ فيتكلم عن كنوز الملك سليمان, يتكلمون عن زوجات الملك سليمان, ويتكلمون عما هو أشنع مما سنذكره الآن إن شاء الله تبارك وتعالى.
أضف تعليقا
 
تنويه: يتم نشر التعليقات بعد مراجعتها من قبل إدارة الموقع