تحدثت مقدمة الكتاب عن التقليد الأعمى الذي أصاب الأمة الإسلامية، والذي تمثل في الانبهار القاتل بالأمم الأخرى والاستمداد غير الواعي من مناهجها ونظمها وقيمها، ومن خلالها تبين سبب اختيار موضوع العلمانية؛ مع ذكر المباحث التي اشتملت عليها هذه الرسالة، وجاء في ختام هذه المقدمة بيان معنى العلمانية ومدلولاتها وموقف الإسلام من هذا الغزو الوافد على بلاد المسلمين. ثم ورد الحديث عن التحريف والابتداع في الدين النصراني، وابتدئ بالحديث عن تحريف العقيدة سواء كان في قضية الألوهية أو تحريف الأناجيل وتأليف الأناجيل الكاذبة، ثم انتقل إلى الحديث عن تحريف الشريعة متمثلاً في فصل الدين عن الدولة، مدعين نسبتها إلى المسيح عليه السلام، ثم تحدث عن البدع المستحدثة في الدين النصراني كالرهبانية والغلو في الدين والأسرار المقدسة وعبادة الصور والتماثيل والمعجزات والخوارق وصكوك الغفران، التي جعلت النصرانية توصم بأنها ديانة تركيبية انصهرت فيها عقائد وخرافات وآراء متباينة شكلت ديناً غير متسق ولا متجانس. تلا ذلك ذكر الأسباب التي أدت إلى ظهور العلمانية في المجتمع الأوروبي، وبيان الصراع بين الكنيسة والعلم في القرن السابع عشر والثامن عشر ومطلع العصر الحديث، والذي يعتبر من أعمق وأعقد المشكلات في التاريخ الفكري الأوروبي. ثم ورد الكلام عن الثورة الفرنسية التي كانت فاتحة عصر جديد ضد الكنيسة والملاك الإقطاعيين، وقد جرى الحديث بعده عن الفكر اللاديني ومدارسه الإلحادية التي سعت إلى تقويض الدين واجتثاث مبادئه من النفوس، واختتم هذا الباب بالكلام عن نظرية التطور الداروينية. وقد تطرق الكتاب إلى الحديث عن العلمانية في الحكم بعد ذلك، فبيّن أن عملية الفصل بين السياسة وبين الدين والأخلاق بمفهومها المعاصر لم تكن معروفة لدى سياسيي القرون الوسطى، ثم تكلم عن العلمانية في الاقتصاد، وبين أن للكنيسة أثراً فعالاً في اقتصاد القرون الوسطى، موضحاً أثر المذاهب اللادينية على الاقتصاد، ثم تحدث عن علمانية العلم الناتجة عن الصراع بين الكنيسة والعلم. وعقب هذا انتقل إلى الحديث عن العلمانية في الاجتماع والأخلاق وأثرها على المجتمعات اللادينية في القرون الوسطى والعصور الحديثة، مع بيان أثر العلمانية في الأدب والفن والذي أدى إلى ضياع المجتمعات الغربية اللادينية. وبعدها تكلم عن أسباب العلمانية في الحياة الإسلامية، فبين أن انحراف الأمة الإسلامية في مفهوم الألوهية والإيمان بالقدر من أسباب تقبل المسلمين الذاتي للأفكار العلمانية، وكذلك التخطيط اليهودي الصليبي وتنفيذه في الحملات الصليبية على العالم الإسلامي كان له الأثر الكبير في انتشار العلمانية في البلاد الإسلامية، ثم انتقل إلى بيان مظاهر العلمانية في الحياة الإسلامية، وأكد أن هذه المظاهر العلمانية قد أدت إلى إنشاء جيل أكثر مسخاً وانحلالاً، مما أدى إلى انتشار الفوضى الأخلاقية في جميع أرجاء العالم الإسلامي. واختتم الكتاب ببيان حكم العلمانية في الإسلام، ثم ورد توضيح بعض النواحي التي تتنافى فيها العلمانية مع الإسلام، مع ذكر النتائج السيئة التي يجنيها الإنسان بسبب اعتناقه لنظام العلمانية.

  1. تمهيد

    ((وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ))[النحل:51-52]

    ((قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)) [الأنعام:162-163]

    ((أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)) [المائدة:50]
  2. مقدمة الكتاب

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
    أما بعد: فقد أعظم الله تعالى المنة على هذه الأمة بأن بعث فيها أفضل رسول، وأنزل إليها أكمل دين وأقوم شريعة، فكانت الأمة التي استحقت أن تسمى "المسلمين" لتحقق معاني الإسلام فيها؛ إسلام القلب والجوارح، إسلام الفرد والمجتمع، إسلام الحياة كلها لله تعالى وحده لا شريك له.
    وهو الإسلام الذي تضمنته تلك الكلمة العظيمة التي تعدل الكون كله؛ بل ترجح به (لا إله إلا الله) وظلت الأمة الإسلامية قروناً تقود الجماعة البشرية، وتسيطر على العالم المتحضر إلا قليلاً، وتتبوأ مركز الأمة الوسط بين العالمين؛ كل ذلك بفضل إدراكها لتلك الكلمة العظيمة، والعمل بمقتضاها، وتحقيق مدلولها في واقع الحياة، ثم أخذ شأن الأمة الإسلامية في الانحطاط، وحضارتها في الذبول، وفقدت شيئاً فشيئاً، مركزها المرموق ومنزلتها السامية، ولم يكن لذلك من سبب إلا أن نور (لا إله إلا الله) قد خفت، ومقتضياتها قد أهملت، ومدلولاتها قد انحسرت.
    ولما كانت كلمة (لا إله إلا الله) هي روح هذه الأمة وسر وجودها ومنبع حياتها، فإنها ظلت تفقد من ذاتيتها وأصالتها بمقدار ما تفقد من نور هذه الكلمة العظيمة، حتى آل الأمر في العصور الأخيرة إلى الفقدان الكامل أو شبه الكامل.
    وعندما تصاب أمة من الأمم بهذا المرض المدمر "فقدان الذات" فإن أبرز أعراضه يتمثل في الانبهار القاتل بالأمم الأخرى والاستمداد غير الواعي من مناهجها ونظمها وقيمها .
    وقد وقع ذلك في حياة الأمة الإسلامية تأويلاً لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لتركبن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلتم، وحتى لو أن أحدهم جامع امرأته بالطريق لفعلتموه}.
    ولم يكن أخطر من هذا المرض إلا الجهل بحقيقته وعدم إدراك أسبابه، فكان التشخيص الخاطئ سبباً في العلاج الخاطئ، الذي جاء بمضاعفات جديدة.
    لقد خُيِّل للأمة أن هذا الداء العضال يمكن مداواته باستعارات ساذجة، ومظاهر جوفاء، وترقيعات صفيقة، تتلقاها جميعها من الكفار الذين أصبحت تخجل من أن تسميهم بهذا الاسم؛ بل أسمتهم "العالم المتحضر" و"الأمم الراقية"!!
    وكان استعدادنا الذاتي وقابليتنا للذوبان هما المبرر الأكبر للحرب النفسية الشرسة التي نسميها "الغزو الفكري" تلك التي استهدفت مقومات وجودنا وأسس أصالتنا.
    وجاءت طلائع الغزو الفكري -كما هو الحال في سبل الشيطان- متعددة الشعارات، متباينة الاتجاهات، عليها من البهرجة والبريق ما يكفي لتضليل وإغراء أمة منبهرة مهزوزة.
    جاءت الاشتراكية والقومية والوطنية والديمقراطية والحرية وفلسفة التطور واللادينية، وغيرها من المسميات والشعارات، وسرت عدوى هذه الأوبئة سريان النار في الهشيم، وتغلغلت في العقول والقلوب التي فقدت رصيدها من (لا إله إلا الله) أو كادت، وتربت على ذلك أجيال ممسوخة هزيلة، أخذت على عاتقها مهمة تعبيد أمتها للغرب والإجهاز على منابع الحياة الكامنة فيها.
    ومرت في مطلع هذا القرن حقبة مظلمة، راجت فيها سوق الأفكار الموبوءة والمذاهب المنحرفة، حتى أظهر أعداء الإسلام تفاؤلهم بأن هذه الأمة ستلفظ أنفاسها عما قليل.
    ولكن الله تعالى رد كيدهم في نحورهم، وأنبت في وسط الركام والظلام رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فانفجرت في كل بلد إسلامي حركة جهادية، وانبثق من تلك الحركات فكر أصيل يستمد من الكتاب والسنة مباشرة، مهتدياً بالوثبات التجديدية التي لم يخل منها عصر من عصور الإسلام، وتكمن قوة هذا الفكر -بل حياته- في سر واحد فقط، هو إدراك أن سبب انحطاط هذه الأمة هو انحرافها عن حقيقة "لا إله إلا الله" وأن الطريق إلى بعثها يبتدئ من تصحيح مفهوم هذه الكلمة وما تفرع منها، وإزالة ما علق في ذهن الأمة حولها من غبش واضطراب .
    وكان مقتضى هذا الإدراك -من الوجهة المنهجية العلمية- أن ما يسمى "علم الكلام" الذي شغل علماء العقائد الماضون به أنفسهم أصبح مسألة تاريخية، وأن العودة إلى صفاء العقيدة الإسلامية ووضوح تصوراتها ومفهوماتها تستدعي منهجية أصيلة نقية كل النقاء من التأثيرات الإغريقية القديمة، ومن إيحاءات وسموم الغزو الفكري الحديث.
    ولم يكن الإيمان بهذه الحقيقة سهل المنال؛ بل إن الرجال الذين اكتشفوها عانوا بأنفسهم مرارة التجربة وهم يحاولون دراسة الإسلام وفق منهجية غريبة عنه، ورأوا أن من حق دينهم ومن حقنا نحن الأجيال التالية ألا تتكرر المأساة، وأن ينيروا الطريق باختطاط منهج علمي أصيل، وتأسيس دراسات إسلامية تخصصية تدرس العقيدة الإسلامية، بل تدرس الأفكار والمذاهب غير الإسلامية على ضوء ذلك المنهج الأصيل.
    وكان من هؤلاء الرجال: الشيخ الفاضل محمد أمين المصري رحمه الله (الرئيس السابق لقسم الدراسات العليا بكيلة الشريعة بـمكة المكرمة) الذي بذل جهده لإدخال مادة "المذاهب الفكرية" ضمن برنامج الدراسات العليا لفرع العقيدة.
    وكان من توفيق الله -تعالى- أن عهد بتدريس هذه المادة إلى علم من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر، هو الأستاذ "محمد قطب" حفظه الله .
    وكان من توفيقه سبحانه لكاتب هذا البحث أن يلتحق بفرع العقيدة، وأن يختار رسالته لنيل درجة التخصص الأولى "الماجستير" في هذه المادة وعلى يد ذلك الأستاذ.
    1. أسباب اختيار المؤلف لموضوع العلمانية

      وإذ كان عليَّ أن أختار مذهباً فكرياً ليكون موضوعاً لرسالتي، فقد هداني الله لاختيار مذهب العلمانية وآثرته على غيره لأسباب، منها:
      1- غموض المدلول الحقيقي لهذا الاصطلاح الخادع بالنسبة لكثير من المثقفين فضلاً عن العامة، فبالرغم من الكساد الذي بدأت المذاهب الأخرى كـالشيوعية والاشتراكية تمنى به بعد اكتشاف الجماهير لحقيقتها، ما تزال أسهم العلمانية مرتفعة، سواء باسمها الصريح، أو تحت شعار الديمقراطية، أو شعار "الدين لله والوطن للجميع" أو شعار "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين".
      2- التوافق بين ذات العلمانية بوصفها فكرة غربـية واعية وبين موضوعها المتمثل في عزل الدين عن توجيه الحياة، وهو ما يعاني منه الواقع الإسلامي المعاصر، فـ العلمانية -موضوعياً- موجودة في كل نواحي الحياة الإسلامية المعاصرة، وإن لم يكن لها وجود ذاتي متكامل، كما هو الحال في أوروبا.. هذا التوافق يجعل تقبلها -ذاتياً- أمراً سهلاً، ومن ثم يحتم على ذوي الاختصاص دراستها وكشف زيفها وإيضاح تعارضها مع المفهوم الصحيح للإسلام ومقتضيات "لا إله إلا الله" .
      وقد عرفت منذ اللحظة الأولى أن مهمتي ليست بيسيرة، وأن عليَّ أن أخوض في ميادين بعيدة عن مجال دراستي الشرعية البحتة، جاعلاً كل قراءاتي السابقة في الفكر الغربي بمثابة التمهيد فقط لما يجب علي أن أنهض به.
      وفعلاً خصصت نصف المدة المحددة للرسالة -تقريباً- في اطلاع دائب وقراءة متواصلة، مسترشداً بالتوجيهات القيمة والآراء السديدة التي كان أُستاذي الفاضل يزودني بها باستمرار، فاطلعت على أمهات النظريات والاتجاهات في السياسة والاقتصاد والعلم والاجتماع والأدب والفن، وكنت كلما ازددت إيغالاً في الاطلاع ازدادت ثقتي، وقوي عزمي على إكمال الطريق، ومع أن المراجع المذكورة آخر الرسالة لا تساوي إلا جزءاً مما قرأت، فإنني لا أشعر بشيء من الخسارة، بل أحمد الله تعالى الذي أراني الفكر الجاهلي الأوروبي على حقيقته.. والحق أنني علمت علم اليقين أن هذا الفكر ليس باطلاً فحسب، بل هو أيضاً تافه هزيل، وتمنيت من أعماقي أن يهب الله كل شباب أمتي ما وهب لي من معرفة تفاهته وهزاله.
    2. المباحث التي اشتملت عليها الرسالة

      ثم ابتدأت الكتابة مقسماً الموضوع خمسة أبواب:
      - الباب الأول: موضوعه دين أوروبا الذي انحرفت عنه إلى اللادينية، أثبت فيه تحريف الدين النصراني، وأنه لا يمثل دين الله الحق، لا في العقيدة ولا في الشريعة، وتعرضت بالنقد للتحريفات والبدع والخرافات النصرانية، ورغم اتفاقي مع دعاة اللادينية في نقد النصرانية، فقد كنت مخالفاً لهم في منهجهم، وفي بعض الأحيان أعرض وجهة نظرهم وأنقدها.
      وسيلحظ القارئ في هذا الباب الإفاضة وعدم التساهل، وما ذاك إلا نتيجة اقتناعي بأن السبب الأكبر في انحراف أوروبا من صنع الكنيسة، وأن الإسلام يحارب الخرافة كما يحارب الإلحاد.
      - الباب الثاني: موضوعه أسباب العلمانية.
      مع أن تحريف النصرانية في الحقيقة هو السبب الممهد للعلمانية، فقد خصصت هذا الباب للأسباب المباشرة لها، وهي:
      1- الطغيان الكنسي: دينياً وسياسياً ومالياً، مؤيداً بالشواهد التاريخية.
      2- الصراع بين الكنيسة والعلم، عرضت فيه الصراع النكد عرضاً تاريخياً منذ نظرية كوبرنيك إلى نظرية نيوتن مروراً بمدرسة النقد التاريخي، ومذهب الربوبيين والملحدين الأوائل.
      3- الثورة الفرنسية: التي نجحت في إقامة أول دولة اللادينية في أوروبا النصرانية، أضحت أسبابها وآثارها واستغلال القوى الهدامة لها.
      4- نظرية التطور: التي كانت إيذاناً بانتهاء وصاية الكنيسة الفكرية على أوروبا، وانسحابها من الميدان إلى الأبد.. وقد تحدثت عن الآثار المدمرة للنظرية في الفكر والحياة وتطبيقها المريب في حقول المعرفة وميادين السلوك.
      والحق أن هناك أسباباً قد لا تقل عن هذه، غير أنني آثرت ألا أعرضها، بصفتها أسباباً مستقلة، فالقوى الهدامة "اليهود" يمكن اعتبارها سبباً مستقلاً، لكنني لم أعرضها بهذا الاعتبار، لأن اليهود كما سيتضح من ثنايا البحث - يستغلون الأحداث ولا يصنعونها، فاكتفيت بعرض نماذج من استغلالاتهم في مواطنها، مثل:
      استغلال الثورة الفرنسية لتحطيم الرابطة الدينية والخروج من (الجيتو).. واستغلال الداروينية لنشر الإلحاد والإباحية..واستغلال الثورة الصناعية للسيطرة على اقتصاد العالم.. واستغلال الديمقراطية لتوجيه السياسة الدولية.
      على أنني قد عرضت نظريات اليهود مستقلة في مواطنها، مثل: ريكاردو، وماركس في الاقتصاد، ودوركايم وفرويد في الاجتماع والأخلاق، وذلك لضمان وحدة الموضوعات وتماسكها، ومثل هذا يقال في حركة الإصلاح الديني التي هزت الكنيسة وحطمت الوحدة الشكلية للعالم المسيحي.
      - الباب الثالث: العلمانية في الحياة الأوروبية:
      وهو الباب الرئيسي في الموضوع، وقد قسمته حسب التقسيم التقليدي ستة فصول:
      - الأول: في الحكم والسياسة، تعرضت فيه للفكر السياسي اللاديني وأشهر نظرياته، مثل: النظرية الخيالية، نظرية العقد الاجتماعي، نظرية الحق الإلهي، ثم النظريات الحديثة التي تقوم على "الميكافيللية، فلسفة التطور، الديمقراطية" بتفسيريها الليبرالي والشيوعي.
      وقد انتهجت أسلوب النقد بطريق العرض، فقد كنت أعرض أية نظرية كما يراها أصحابها عرضاً يوحي للقارئ بنقدها دون أن أتقول عليهم، وهكذا في بقية الفصول.
      وقد رأيت أن أفضل أسلوبٍ لرد هذه النظريات هو عرض آثارها الواقعية ونتائجها التطبيقية، مستشهداً بشهود من أهلها، وذلك لسببين:
      1- أن تطبيق أية نظرية هو المحك الحقيقي لنجاحها أو إخفاقها.
      2- أن مناقشة تفصيلات النظريات اللادينية المختلفة فوق كونها تستهلك جهداً كبيراً لا تتفق مع حكم الإسلام فيها، الذي يرفض تلك التصورات جملة رفضاً أساسيا، كما سيتضح في الباب الخامس.
      - الثاني: في الاقتصاد، تحدثت فيه عن النظام الإقطاعي، ثم عن المذاهب اللادينية الاقتصادية: المذهب الطبيعي الفيزيوقراطي، المذهب الكلاسيكي الرأسمالي، المذهب الشيوعي، عارضاً نظريات كل مذهب، ثم عقبت على ذلك بعرض الواقع المعاصر والنتائج الفظيعة التي نجمت عن فصل الاقتصاد عن الدين، مؤيداً كل ذلك بالشواهد الواقعية، سواء في الغرب الرأسمالي أو الشرق الشيوعي.
      - الثالث: علمانية العلم، تحدثت فيه عن الأسس والملابسات التي قامت عليها لادينية العلم، مثل: موقف الكنيسة، والإرث الديني والوثني في النفسية الأوروبية، الذي يصور الإله عدواً للإنسان، يتعمد تجهيله كما في سفر التكوين وأساطير الإغريق.. ومظاهر لادينية العلم مثل: استبعاد الغائية والاكتفاء بالعلل الصورية، حذف اسم الله من أي بحث علمي، والاستعاضة بتعبيرات ملتوية كما في مسألة أصل الحياة، وتعميم التفسيرات الميكانيكية للكون والحياة، ورفع شعار العلم للعلم في الغرب، والعلم للمذهب في الدول الشيوعية .
      وعقبت -كالمعتاد- بالحديث عن أثر الفصل بين العلم والدين في المجتمع المعاصر ونتائجه السيئة، مثل: انتشار الإلحاد، وظهور الفوضى العقائدية والقلق على الأجيال المثقفة، واستحالة العلم نفسه إلى خطر يهدد البشرية جمعاء.
      - الرابع: علمانية الاجتماع والأخلاق، مهدت له بالحديث عن مجتمع وأخلاق القرون الوسطى في ظل الكنيسة، ثم فصلت القول في النظريات والمدارس الاجتماعية اللادينية -مبتدئاً بالحديث عن أصول وولادة علم الاجتماع - وهي: نظرية العقد الاجتماعي- المدرسة الطبيعية، المدرسة الوضعية العقلية (كونت، دوركايم) النظرية الاجتماعية الشيوعية، النظرية العضوية والنفعيون، الدراسات النفسية الحديثة (السلوكية - التحليل النفسي)"، ثم أردفت لذلك بالحديث عن الواقع الاجتماعي والأخلاقي المعاصر مكتفياً بنموذج واحد، هو قضية المرأة وما نجم عنها من الشرور الاجتماعية المستطيرة.. وقدمت نماذج واقعية للهبوط الخلقي الشائن الذي تعاني منه المجتمعات اللادينية المعاصرة، شرقاً وغرباً .
      - الخامس: في الأدب والفن، تحدثت فيها عن الاتجاهات الأدبية الأوروبية:
      1- عصر النهضة "الكلاسيكية الجديدة" وما هدفت إليه من بعث التراث الوثني الإغريقي وإنماء النزعة الإنسانية.
      2- العصر الحديث:
      أ- الرومانسية: تصويرها للهروب، مثاليتها، تأليه الطبيعة.
      ب- الواقعية: نشأتها، أهدافها، ميزاتها الفنية.
      3- الأدب المعاصر "من الواقعية إلى اللامعقول" المؤثرات الفكرية والاجتماعية فيه، اتجاهاته الكبرى:
      أ- الإباحية، مع سرد نماذج لها.
      ب- الضياع "اللاانتماء" مع أمثلة أدبية له.
      وفي مقابل الواقع المعاصر في كل مجال عرضت هنا نماذج موجزة لمدارس الضياع المعاصرة "الوجودية، الرمزية، السوريالية، العلمية... إلخ".
      وكان من أبرز العقبات التي واجهتني في هذا الباب محاولة عرض النظريات المعقدة بأسلوب موجز سهل الإدراك.. وأحمد الله إذ أعانني على ذلك .
      - السادس: ماذا بقى للدين، وهو تكملة عامة للباب مع التركيز على يوم الدين أو ساعته، وبيان الإفلاس الذي منيت به الكنائس، وكيف أصبحت مباءات للمفاسد العصرية.
      - الباب الرابع: العلمانية في الحياة الإسلامية:
      لقد رأيت منذ وضع خطة الموضوع، أنه لا ينبغي بحث العلمانية بصفتها مذهباً فكرياً غربياً دون التعرض لآثارها في الحياة الإسلامية.
      والحق أن العلمانية في العالم الإسلامي جديرة برسالة مستقلة، لكنني أرجو أن أكون قد وفقت لعرض أسبابها ومظاهرها عرضاً شافياً.. مع مراعاة حجم الرسالة ومدتها، هذا مع أن الحديث عن العلمانية ونتائجها في أوروبا هو في الحقيقة شامل لمظاهرها في كل مكان على سبيل الإجمال.
      وقد قسمت هذا الباب إلى فصلين كبيرين:
      الأول: أسباب العلمانية في العالم الإسلامي، وقد أوجزتها في سببين بارزين:
      انحراف المسلمين الذي يقابل تحريف النصرانية في أوروبا، أوضحت فيه صور ذلك الانحراف، لاسيما ما يتعلق منها بالتوحيد والعقيدة، وانحسار مفهومات الإسلام في مجال الشعائر التعبدية بتأثير الأفكار الصوفية والركود الحضاري العام، واختتمته بنماذج لتقبل المسلمين الذاتي للعلمانية.
      2- التخطيط اليهودي الصليبي: تحدثت فيه عن جذور العداوة التاريخية للمسلمين من قبل اليهود والنصارى، وأبديتها، والخطة الجديدة للغزو، وإفادتها من الواقع الإسلامي المنحرف، وقسمت المؤامرة إلى أربعة أجنحة كبرى (قوى الاحتلال المباشر، المستشرقون، المبشرون، الطوائف اليهودية والنصرانية والباطنية).. وفصلت القول في جهود وأعمال كل جناح في سبيل تحقيق الهدف المشترك: إخراج المسلمين من دينهم وصبغهم بالصبغة الغربية اللادينية .
      الثاني: مظاهر العلمانية في الحياة الإسلامية: وهو فصل كبير قسمته إلى ثلاثة أقسام:
      1- في الحكم والتشريع: تحدثت فيه عن بداية الانحراف المتمثلة في تخلف المسلمين الحضاري، وجمود الاستنباط الفقهي، وتوهم دعاة اليقظة بأن سبب تأخر المسلمين هو عجزهم التنظيمي والإداري وما أدى ذلك إليه من تبلور فكرة (الإصلاح).. واستيراد التنظيمات ثم التشريعات الكافرة، وكيف انتهى الأمر بالحركة الإصلاحية إلى العلمانية الكاملة في تركيا، وإلى إقصاء الشريعة في البلاد العربية، ومصر خاصة، بالتعاون بين الاستعمار ودعاة الإصلاح، وأثر ذلك في ظهور الأفكار السياسية اللادينية والأحزاب المتعددة الانتماءات.
      2- في التربية والثقافة: تحدثت فيه عن المستوى التربوي والثقافي للعالم الإسلامي قبل احتكاكه بالحضارة الغربية اللادينية، وكيف تمت الازدواجية الخطرة في التعليم، وحركة التغريب الأولى، ثم عن الدعوات الهادفة إلى لادينية التربية والثقافة، مثل " الدعوة إلى اقتباس الحضارة الغربية خيرها وشرها، واحتقار الماضي الإسلامي تربوياً وتاريخياً، وتطوير الأزهر، وتطبيق المناهج التعليمية الغربية، واستيراد المذاهب اللادينية في الفكر والأدب".
      3- في الاجتماع والأخلاق: ابتدأته بالحديث عن سوء تمثيل المجتمع الإسلامي لحقيقة الإسلام، والتقبل الذاتي لتقليد الغرب، ثم فصلت القول فيما أًسْمِي (قضية تحرير المرأة)، ابتداءً من جمال الدين الأفغاني ورفاعة الطهطاوى، وانتهاءً بـقاسم أمين وحركة النهضة النسائية، مع إيضاح دور العلماء والزعماء والأدباء الذين أسهموا في المؤامرة، وسريان الفكرة إلى بلاد الشام والمغرب فضلاً عن تركيا، والنتائج الواقعية لها.
      - الباب الخامس: حكم العلمانية في الإسلام:
      وقد رأيت أن يكون هو خاتمة أبواب الرسالة، وقسمته إلى فصلين:
      الأول: فصل تمهيدي بعنوان: هل للعلمانية في العالم الإسلامي مبرر؟
      أوضحت فيه الفروق الجوهرية بين الإسلام والنصرانية المحرفة عقيدةً وشريعةًَ وتاريخاً وواقعاً، مما ينفي أي مبرر عقلي لاستيراد هذا المذهب المنحرف.
      الثاني: حكم العلمانية في الإسلام:
      بينت فيه حكم العلمانية على ضوء أصول العقيدة الإسلامية والمدلول الحقيقي لكلمة " لا إله إلا الله " ومفهومي " الطاغوت والعبادة "، وخرجت من ذلك بنتيجة هي أن العلمانية تتنافى مع الإسلام من جهتين:
      1- كونها حكماً بغير ما أنزل الله.
      2- كونها شركاً في عبادة الله، وفصلت القول في ذلك مورداً الأدلة من الآيات والأحاديث ومستشهداً بأقوال علماء السلف.
      ومن خلال ذلك ناقشت شبهة التعلل بحرية أداء الشعائر التي تسمح بها بعض الأنظمة العلمانية، وشبهة قصور الشريعة عن مجاراة التطور الإنساني والإحاطة بجوانب الحياة المعاصرة.
      والحق أن تضخم حجم الرسالة مع انتهاء المدة المقررة لها قد حالا دون الإفاضة والتفصيل في بعض الموضوعات -لاسيما ما يتعلق بالواقع الإسلامي المعاصر- كما حالا دون وضع فهارس تفصيلية للأعلام والموضوعات تعين القارئ على الإفادة من الرسالة بصورة أوفى، أما التعريف بالأعلام فعلَّه يتضح من خلال عرض نظرياتهم وآرائهم بالإضافة إلى الإشارة إلى سنة الوفاة، وقد أعرف العلم في الحاشية إذا اقتضى الأمر ذلك.
      وكل ما أرجوه هو أن يتقبل الله مني هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع بهذه المحاولة المتواضعة من يسلك هذا الطريق من بعد، لنصل إلى فكر إسلامي أصيل متكامل.
      وإنني إذ أشكر الله تعالى على توفيقه ومَنِّه، لأشكر من بعده فضيلة نائب رئيس الجامعة الإسلامية بـالمدينة المنورة، وسعادة عميد كلية الشريعة بـمكة المكرمة، وفضيلة المشرف على هذه الرسالة.. وكل من أسهم بجهده المشكور في شيء منها، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
  3. تعريف العلمانية

    لفظ العلمانية ترجمة خاطئة لكلمة (secularism) في الإنجليزية، أو (secularity) بالفرنسية وهي كلمة لا صلة لها بلفظ "العلم" ومشتقاته على الإطلاق .
    فالعلم في الإنجليزية والفرنسية معناه (science)، والمذهب العلمي نطلق عليه كلمة (scientism) والنسبة إلى العلم هي (scientific) أو (scientifique) في الفرنسية .
    ثم إن زيادة الألف والنون غير قياسية في اللغة العربية، أي في الاسم المنسوب، وإنما جاءت سماعاً ثم كثرت في كلام المتأخرين كقولهم: (روحاني، وجسماني، ونوراني... ).
    والترجمة الصحيحة للكلمة هي (اللادينية) أو (الدنيوية) لا بمعنى ما يقابل الأخروية فحسب، بل بمعنى أخص هو ما لا صلة له بالدين، أو ما كانت علاقته بالدين علاقة تضاد.
    وتتضح الترجمة الصحيحة من التعريف الذي تورده المعاجم ودوائر المعارف الأجنبية للكلمة:
    تقول دائرة المعارف البريطانية مادة (secularism): (هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها).
    ذلك أنه كان لدى الناس في العصور الوسطى رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا والتأمل في الله واليوم الآخر، وفي مقاومة هذه الرغبة طفقت الـ(secularism) تعرض نفسها من خلال تنمية النـزعة الإنسانية، حيث بدأ الناس في عصر النهضة يظهرون تعلقهم الشديد بالإنجازات الثقافية والبشرية وبإمكانية تحقيق مطامحهم في هذه الدنيا القريبة.
    وظل الاتجاه إلى الـ(secularism) يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله، باعتبارها حركة مضادة للدين ومضادة للمسيحية .
    ويقول قاموس العالم الجديد لوبستر، شرحاً للمادة نفسها:
    1- الروح الدنيوية، أو الاتجاهات الدنيوية، ونحو ذلك، وعلى الخصوص: نظام من المبادئ والتطبيقات (practices) يرفض أي شكل من أشكال الإيمان والعبادة .
    2- الاعتقاد بأن الدين والشئون الكنسية لا دخل لها في شئون الدولة وخاصة التربية العامة.
    ويقول معجم أكسفورد شرحاً لكلمة (secular):
    1- دنيوي، أو مادي، ليس دينيا ولا روحياً: مثل التربية اللادينية، الفن أو الموسيقى اللادينية، السلطة اللادينية، الحكومة المناقضة للكنيسة.
    2- الرأي الذي يقول: إنه لا ينبغي أن يكون الدين أساساً للأخلاق والتربية .
    ويقول "المعجم الدولي الثالث الجديد" مادة: (secularism).
    "اتجاه في الحياة أو في أي شأن خاص يقوم على مبدأ أن الدين أو الاعتبارات الدينية يجب ألاَّ تتدخل في الحكومة، أو استبعاد هذه الاعتبارات استبعاداً مقصوداً، فهي تعني مثلاً السياسة اللادينية البحتة في الحكومة .
    وهي نظام اجتماعي في الأخلاق مؤسس على فكرة وجوب قيام القيم السلوكية والخلقية على اعتبارات الحياة المعاصرة والتضامن الاجتماعي دون النظر إلى الدين" .
    ويقول المستشرق أربري في كتابه "الدين في الشرق الأوسط" عن الكلمة نفسها:
    "إن المادية العلمية والإنسانية والمذهب الطبيعي والوضعية كلها أشكال للادينية، واللادينية صفة مميزة لـأوروبا وأمريكا، ومع أن مظاهرها موجودة في الشرق الأوسط، فإنها لم تتخذ أي صيغة فلسفية أو أدبية محددة، والنموذج الرئيسي لها هو فصل الدين على الدولة في الجمهورية التركية .
    والتعبير الشائع في الكتب الإسلامية المعاصرة هو "فصل الدين عن الدولة" وهو في الحقيقة لا يعطي المدلول الكامل للعلمانية الذي ينطبق على الأفراد وعلى السلوك الذي قد لا يكون له صلة بالدولة، ولو قيل: إنها فصل الدين عن الحياة لكان أصوب، ولذلك فإن المدلول الصحيح للعلمانية إقامة الحياة على غير الدين، سواء بالنسبة للأمة أو للفرد، ثم تختلف الدول أو الأفراد في موقفها من الدين بمفهومه الضيق المحدود، فبعضها تسمح به، كالمجتمعات الديمقراطية الليبرالية، وتسمي منهجها (العلمانية المعتدلة -non religious) أي: أنها مجتمعات لادينية ولكنها غير معادية للدين وذلك مقابل ما يسمى (العلمانية المتطرفة-antireligious)، أي: المضادة للدين، ويعنون بها المجتمعات الشيوعية وما شاكلها.
    وبديهي أنه بالنسبة للإسلام لا فرق بين المسميين، فكل ما ليس دينياً من المبادئ والتطبيقات فهو في حقيقته مضاد للدين، فالإسلام واللادينية نقيضان لا يجتمعان ولا واسطة بينهما .
  4. الباب الأول: دين أوروبا أو النصرانية بين التحريف والإبداع

    الفصل الأول: التحريف: أولاً: تحريف العقيدة. ثانيا: تحريف الشريعة. الفصل الثاني: البدعة المستحدثة في الدين النصراني: توطئة. أولاً: رجال الدين الأكليروس. ثانياً: الرهبانية. ثالثاً: الأسرار المقدسة. رابعاً: عبادة الصور والتماثيل. المعجزات والخرافات. صكوك الغفران.
  5. الفصل الأول: التحريف

    1. مقدمة

      عرفت أوروبا الوثنية الدين النصراني منذ القرن الأول للميلاد بوصفه عقيدة شرقية سامية، كتلك العقائد التي ينظر إليها العالم الروماني الأبيقوري على أنها تعاليم مثالية صارمة، ولم يأل أباطرة الرومان جهداً في القضاء على هذه النحلة التي تفشت في مستعمراتهم، واستخدموا لتحقيق ذلك صنوف الاضطهاد والتنكيل طيلة القرون الثلاثة الأولى، ولكن أسباباً تاريخية -لا مجال لبحثها الآن- أدت إلى اعتناق الامبراطور "قسطنطين" للدين الجديد، ودعوته لعقد أول مجمع مسكوني مسيحي هو مجمع نيقية سنة (325)، الذي أعلنت المسيحية على أثره عقيدة رسمية للامبراطورية الرومانية.
      وقد حظي الدين الجديد بإقبال فائق وجاذبية شديدة من قبل شعوب الامبراطورية، مما حدا بالمؤرخين إلى تعليل ذلك بأسباب شتى نختار منها ما ذهب إليه باحث أميركي معاصر:
      1- العنصر التوفيقي: فإنك قد تجد في روايات الألغاز الإغريقية، وفي قصة إيزيس، وقصة مترا، وفي اليهودية وفي العقائد الأخرى آنذاك: نماذج لكل ما اعتقد فيه المسيحيون كطقوس الطهارة، والإله الذي يموت ثم يبعث، والعذراء التي تحمل ويوم الحساب وحفلات الربيع وحفلات الانقلاب الشتوي والشياطين والقديسين والملائكة.
      2- إن المسيحية بما وعدت من خلاص في عالم آخر لتعويض ما في هذه الدنيا من فقر وظلم وآلام، أثبتت أنها عقيدة شديدة الجاذبية للعامة في الامبراطورية المتداعية، إذ يرون فيها طريقاً خلاَّباً للهروب من عالم لا يحبونه، وإذن فقولنا: إن المسيحية ديانة الضعفاء والبسطاء والمظلومين قول صادق والأناجيل مصرحة بذلك.
      3- إن القواعد الدينية للمسيحية بلغت درجة من التعقيد، تكفي لأن تجتذب رجالاً من ذوي الميول الفلسفية، وإذن فإن عوامل النصر النهائي للمسيحية قواعدها الدينية التي اتحدت في نهاية القرن الثاني اتحاداً قوياً بالتقاليد الفكرية الإغريقية.
      4- رد الفعل الذي نشأ عن الاضطهاد المستمر في عصور المسيحية الأولى، والاضطهاد عندما يبلغ درجة معينة يقوي الفئة المضطهدة، ويدفع المضطهدين إلى وحدة أشد تماسكاً وأكثر نظاماً .
      5- يضاف إلى ذلك عامل سياسي مهم وهو حاجة الدولة الرومانية إلى عقيدة موحدة تخلصها من الصراعات العقائدية المزمنة.
      وعلى أية حال، فقد دانت أوروبا بـالمسيحية منذ سنة (325) وما زال العالم الغربي إلى اليوم يعتقد أنه عالم مسيحي، أو على الأقل كان كذلك يوماً من الأيام، لكن السؤال المهم هنا هو: هل هذه الديانة المعتنقة هي الوحي الإلهي الذي أنزله الله تعالى على عبده المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام؟
      وبتعبير آخر: هل دانت أوروبا بالدين الحق لله تعالى، وعبدته حق عبادته، وعرفته معرفة صحيحة في أي مرحلة من مراحل تاريخها؟
      إن أي مؤرخ أو باحث يلقي نظرة سريعة فاحصة على الحقبة التي شهدت ميلاد الدين النصراني، سيرى أن منطقة حوض البحر الأبيض كانت تموج بعقائد وأفكار متباينة نذكر منها:
      1- الديانة اليهودية: وهي ديانة مغلقة خاصة بأسباط بني إسرائيل، لكنها تتميز بأنها ديانة سماوية لها كتاب مقدس، وموطنها فلسطين، حيث ولد المسيح وأرسل.
      2- العقيدة المترائية: وهي عقيدة وثنية قديمة، قوامها الكاهن والمذبح، ترى أنه لا خلاص للإنسان إلا بافتداء نفسه عن طريق تقديم القرابين للآلهة بواسطة الكهان .
      3- الأفلاطونية الحديثة:، وهي عقيدة فلسفية تتلخص في أن العالم في تكوينه وتدبيره صدر عن ثلاثة عناصر:
      - المنشئ الأزلي الأول.
      - العقل الذي تولد منه كما يتولد الابن من أبيه.
      - الروح الذي يتكون منه جميع الأرواح، والذي يتصل بالمنشئ الأول عن طريق العقل ، وكان موطنها الإسكندرية.
      4- الوثنية المصرية: ومن معتقداتها أن الآلهة ثلاثة:
      - حورس، الذي كان ابناً لسيراييس.
      - سيراييس، الذي هو في الوقت نفسه حورس.
      -إيزيس، والدة حورس.
      .
      5- الوثنية الرومانية: ديانة الامبراطورية الرسمية، ومن مبادئها:
      - التثليث: (جوبيتر، مارس، كورنيوس).
      - عبادة الامبراطور، إذ كان الأباطرة يدعون الربوبية، و"كان تأليه الحاكم تقليداً هلنستياً" .
      - تقديس الصور والتماثيل وعبادتها .
      6- أفكار فلسفية: من أهمها: الفلسفة الرواقية، التي تعني من الوجهة العملية: الانقطاع عن الدنيا، وتعد إنكار الذات أسمى الغايات النبيلة، مناقضة بذلك الفلسفة الإباحية الأبيقورية التي كانت فاشية في المجتمع الروماني .
      ولو أننا حاولنا أن نستنبط من مجموع هذه العقائد عقيدة واحدة مشتركة لخرجنا بعقيدة تقوم على ست دعائم:
      1- الإيمان بالتوراة اليهودية.
      2- اعتقاد الفداء والخلاص والوساطة بين الله والناس.
      3- التثليث.
      4- الحلول (تجسد الإله في شكل بشري).
      5- تقديس الصور والتماثيل.
      6- الهروب من الحياة (الرهبانية).
      ومن أول نظرة نلقيها على هذه الدعائم الست نرى أنها هي بعينها دعائم الدين النصراني الكنسي ولب تعاليمه التي سيطرت على الفكر الأوروبي ردحاً طويلاً من الزمن، وقد يدهش المرء لهذه النتيجة- رغم تسليمه بصحتها- ويتساءل: أيمكن أن يتحول دين سماوي خالص إلى مزيج مركب من خرافات ووثنيات متضاربة؟ وإذ أمكن ذلك فمن الذي قام بعملية التحول هذه؟ وأعجب منه: كيف احتفظت المسيحية باسمها ونسبتها وهي على هذه الحال؟
      إن الكثير من مؤرخي الفكر الغربي قد تخلصوا من الإجابة على مثل هذه التساؤلات، بتقسيمهم الدين النصراني قسمين متباينين لا رابط بينهما سوى النسبة للمسيح:
      1- المسيحية الأصلية، أو "مسيحية يسوع".
      2- المسيحية الرسمية، أو "مسيحية بولس".
      ويعنون بهذه العقيدة التي نشرتها الكنيسة ابتداء من سنة (325) وهي المزيج المشار إلى مركباته آنفاً.
      يقول برنتن: ''إن المسيحية الظافرة في مجلس نيقية -العقيدة الرسمية- في أعظم إمبراطورية في العالم مخالفة كل المخالفة لمسيحية المسيحيين في الجليل، ولو أن المرء اعتبر العهد الجديد التعبير النهائي عن العقيدة المسيحية لخرج من ذلك قطعاً لا بأن مسيحية القرن الرابع تختلف عن المسيحية الأولى فحسب، بل بأن مسيحية القرن الرابع لم تكن مسيحية بتاتاً''.
      أما المؤرخ الإنجليزي ويلز، فيقول: ''من الضروري أن نستلفت نظر القارئ إلى الفروق العميقة بين مسيحية نيقية التامة التطور وبين تعاليم يسوع الناصري، فمن الواضح تماماً أن تعاليم يسوع الناصري تعاليم نبوية من الطراز الجديد الذي ابتدأ بظهور الأنبياء العبرانيين، وهي لم تكن كهنوتية ولم يكن لها معبد مقدس حبساً عليها ولا هيكل، ولم يكن لديها شعائر ولا طقوس، وكان قربانها قلباً كسيراً خاشعاً، وكانت الهيئة الوحيدة فيها هيئة من الوعاظ، وكان رأس ما لديها من عمل هو الموعظة، بيد أن مسيحية القرن الرابع الكاملة التكوين، وإن احتفظت بتعاليم يسوع في الأناجيل -كنواة لها- كانت في صلبها ديانة كهنوتية من طراز مألوف للناس من قبل منذ آلاف السنين، وكان المذبح مركز طقوسها المنمقة، والعمل الجوهري في العبادة فيها هو القربان الذي يقربه قديس متكرس للقداس، ولها هيئة تتطور بسرعة مكونة من الشمامسة والقساوسة والأساقفة، ولئن اتشحت المسيحية بأردية خارجية تشابه نحل سيراييس أو آمون أو بعل مردك مشابهة غير عادية، فلا بد لنا أن نذكر أنه حتى كهانتها نفسها كانت مظاهر جديدة بأعيانها" "ولقد بلغ من جرأة الكتاب المتشككين أن أنكروا إمكان أن يسمى يسوع مسيحياً على الإطلاق'' .
      وإذا كان هذا هو رأي العلماء الباحثين، فإن من المفيد أن نعرف رأي رجال الكنيسة في هذا الأمر، وحسبنا أن نقرأ ما كتبه الدكتور "وليام تامبل " أسقف كنيسة كنتربري وحبر أحبار إنجلترا، حيث يقول: ''إن من الخطأ الفاحش أن نظن أن الله وحده هو الذي يقدم الديانة أو القسط الأكبر منها'' .
      وليس هذا الكلام فلتة من الحبر الكبير، أو سهواً غير مقصود، وإنما هو تعبير صريح صادق عن عقيدة الكنيسة وواقع تاريخها.
      وعلى ضوء هذه الآراء نستطيع أن نعرف ما إذا كانت أوروبا قد اعتنقت النصرانية الحقة الموحاة من الله، أو اعتنقت المركب الذي صنعه أجداد الدكتور تامبل من آباء الكنيسة الأولين، واستخرجوه من العقائد السائدة في عصرهم آنذاك.
      إن من الحقائق المقررة أن الكنيسة قد ارتكبت سلسلة من الأخطاء الشنيعة، يكفي أحدها لنزع الثقة منها بصفة نهائية، وإن أحداً من أعداء المسيح -عليه السلام- لم يسئ إليه وإلى تعاليمه النبوية كما أساءت الكنيسة التي تتبجح بالانتساب إليه، وتزعم أنها الحارس الأمين على مبادئه والممثل الشرعي له، ولقد كان "ليكونت دي نوي " صادقاً عندما قال: ''إن ما أضافه الإنسان إلى الديانة المسيحية، والتفسيرات التي قدمها، والتي ابتدأت منذ القرن الثالث بالإضافة إلى عدم الاكتراث بالحقائق العلمية، كل ذلك قدم للماديين والملحدين أقوى الدلائل المعاضدة في كفاحهم ضد الدين''.
      هذا، وليس من أهدافنا في هذا البحث التهجم على الكنيسة وفضح تصرفاتها، ولا كذلك تبرير التمرد الذي أعلنته أوروبا على خالقها في أثناء ثورتها على طغيان الكنيسة، لكن هدفنا هو الحقيقة التي هي ضالة المؤمن، لا سيما وأن القضية قضية إنسانية عامة، تعدت نطاق أوروبا إلى العالم كله، وصَلَيْنَا -نحن المسلمين خاصة- نيران آثارها السيئة منذ الحروب الصليبية، بل منذ ظهور الإسلام إلى اليوم.
      وعلى هذا الأساس سنستعرض موضوع تحريف المسيحية عقيدةً وشريعةً معتمدين أساساً على الباحثين النصارى أنفسهم وعلى المصادر الكنسية.
    2. أولاً: تحريف العقيدة

      أ- قضية الألوهية:
      إن قضية الألوهية لتأتي في طليعة المعضلات الفلسفية العريضة التي شغلت أذهان الفلاسفة والمفكرين قروناً طويلة، لا سيما ما يتعلق بتصور الإله وصفاته، حيث تفاوتت التصورات المنحرفة، فأوغل بعضها في التجريد حتى وصل إلى درجة المعميات والألغاز المبهمة، وسفل بعضها في التجسيم حتى هبط إلى مستوى الجمادات والمخلوقات التافهة، وقد كانت البشرية في غنى عن هذا التخبط والضلال، لولا أنها ضيقت على نفسها، وحاولت بلوغ الحقيقة من غير طريقها، ولم تكن بحاجة إلى الخوض في هذه القضية بتاتاً لو أنها استلهمت الفطرة الكامنة في أعماقها، واستقت معرفتها بالله من طريق الوحي الإلهي نفسه، واستبدلت بتخرصات الفلاسفة وتحريفات الكهان تعاليم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
      ولو جاز أن نتلمس عذراً لأحد من التائهين في هذه القضية، لالتمسناه للأمم التي انقطع عنها الوحي فترات طويلة، أو للذين لم تقع أعينهم على شيء من آثار الأنبياء، أما إذا كان المتخبطون ممن يستطيعون أن ينعموا بنور الحقيقة، لكنهم آثروا عليه الإدلاج في الظلمات، فما عذرهم حينئذٍ؟!
      لكم تكون الخسارة فادحة لو أن عالماً من جهابذة الطب كتب أروع بحث علمي في فنه، وأوصى خادمه بحفظه، لكن الخادم عبث به، فقدم وأخر، وشطب وأضاف، حتى حوله إلى خزعبلات سخيفة..فكيف إذا كان موضوع العبث هو الوحي الإلهي الذي لا تستقيم بغيره حياة ولا تصلح بسواه دنيا ولا آخره؟!
      إن المسيح-عليه السلام- قد بعث في بيئة تعج بركام هائل من الخرافات والوثنيات - ذكرنا بعضها قريباً - وجاء كأي نبي مرسل لينقذ قومه من هذا الركام، ويهديهم إلى التوحيد الذي دعا إليه سلفه من الأنبياء، ولا شك أنه قام بمهمته خير قيام، وكان عليهم شهيداً ما دام فيهم، فلما توفاه الله حدث من أتباعه ما لم يكن في الحسبان من تحريف ونكوص.
      وعملية التحريف التي استغرقت زهاء عشرة قرون -بل نستطيع أن نقول: إنها لم تتوقف حتى الآن- بدأت مبكرة حين كان الحواريون لا يزالون على قيد الحياة، كما أنها ابتدأت بموضوع ليس بالهين، وهو القول بأن للمسيح طبيعة إلهية، مع أن سيدنا عيسى عليه السلام- كما تعترف دائرة المعارف البريطانية-'' لم تصدر عنه أي دعوى تفيد أنه من عنصر إلهي أو من عنصر أعلى من العنصر الإنساني المشترك'' .
      وتتفق المصادر التاريخية -فيما نعلم- على أن اليد الطولى في التحريف كانت لمبشر من أتباع الحواريين، تسميه المسيحية المحرفة "بولس الرسول "، وهو الذي أثار موضوع ألوهية المسيح لأول مرة، مدعياً أنه"ابن الله" تعالى الله عن ذلك، وكانت هذه الدعوى البذرة الأولى للتثليث.
      بولس :
      الاسم الأصلي لـبولس هو "شاؤل" وهو كما يبدو من سيرته شخصية تآمرية ذات عبقرية عقائدية، ويظهر أنه كان ينفذ تعاليم المحكمة اليهودية العليا "سانهدرين "، حيث كان أستاذه عمانوئيل أحد أعضائها .
      وقد اشتهر أول حياته باضطهاد المسيحيين ، ثم تحول فجأة ليصبح الشخصية المسيحية الأولى والقطب الكنسي الأعظم، ومنذ ظهوره إلى الآن لم يحظ أحد في تاريخ الكنيسة بمثل ما حظي به من التقديس والإجلال، إلا أن "أحرار المفكرين" الأوروبيين لم يخفوا عداوتهم له، حتى أن الكاتب الإنجليزي "بنتام" ألف كتاباً أسماه "يسوع لا بولس"، ومثله "غوستاف لوبون" في "حياة الحقائق". أما المؤرخ "ويلز " وهو من المعتدلين - فقد عقد فصلاً بعنوان "مبادئ أضيفت إلى تعاليم يسوع "، قال فيه: ''وظهر للوقت معلم آخر عظيم يعده كثير من النقاد العصريين المؤسس الحقيقي للمسيحية، وهو شاؤل الطرسوسي، أو بولس، والراجح أنه كان يهودي المولد، وإن كان بعض الكتاب اليهود ينكرون ذلك! ولا مراء في أنه تعلم على أساتذة من اليهود، بيد أنه كان متبحراً في لاهوتيات الإسكندرية الهلينية، وهو متأثر بطرائق التعبير الفلسفي للمدارس الهيلنستية، وبأساليب الرواقيين، كان صاحب نظرية دينية ومعلماً يعلم الناس قبل أن يسمع بيسوع الناصري بزمن طويل..
      ومن الراجح جداً أنه تأثر بـالمثرائية، إذ هو يستعمل عبارات عجيبة الشبه بالعبارات المثرائية، ويتضح لكل من يقرأ رسائله المتنوعة جنباً إلى جنب مع الأناجيل أن ذهنه كان مشبعاً بفكرة لا تبدو قط بارزة قوية فيما نقل عن يسوع من أقوال وتعليم، ألا وهي فكرة الشخص الضحية الذي يقدم قرباناً لله كفاره عن الخطيئة، فما بشر به يسوع كان ميلاداً جديداً للروح الإنسانية، أما ما علمه بولس فهو الديانة القديمة، ديانة الكاهن والمذبح وسفك الدماء طلباً لاسترضاء الإله'' . ''. ولم ير بولس يسوع قط، ولا بد أنه استقى معرفته بيسوع وتعاليمه سماعاً من التلاميذ الأصليين، ومن الجلي أنه أدرك الشيء الكثير من روح يسوع ومبدأه الخاص بالميلاد الجديد، بيد أنه أدخل هذه الفكرة في صرح نظام لاهوتي، ذلك بأنه وجد الناصريين ولهم روح ورجاء، وتركهم مسيحيين لديهم بداية عقيدة'' .
      ولندع الآن كل التأثيرات والثقافات التي عرفها بولس، باستثناء واحدة منها هي "لاهوتيات الإسكندرية" التي كان متبحراً فيها، ومعلوم أن هذه اللاهوتيات هي المدرسة الفلسفية المسماة "الأفلاطونية الحديثة " التي أشرنا سابقاً إلى عقيدتها الثالوثية، وعنها نقل بولس فكرة التثليث "(( يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ))[التوبة:30]" والتعديل الذي أدخله على الأفلاطونية شكلي فقط، فالمنشئ الأزلي الأول فيها يقابله عنده الله "الأب" والعقل المتولد عن المنشئ الأول يقابله عنده يسوع "الابن "، والروح الكلي يقابله "روح القدس"، ثم إنه سار شوطاً أبعد من ذلك، فاستعار من المثرائية فكرة الخلاص، وجعل القربان الضحية هو الأقنوم الثاني "الابن". ثم إن الكنيسة أكملت المسيرة فأضافت إلى فكرة الخلاص فكرة تقديس الخشبة التي صلب عليه المخلص، وهكذا تتابعت البدع واحدة في إثر الأخرى، وكان نتيجة ذلك أن دفنت التعاليم الأصلية بطريقة تكاد تكون غير محسوسة تحت تلك الإضافات المألوفة .
      بهذه الطريقة، وبغض النظر عن الأهداف والدوافع الخفية، هدم بولس عقيدة التوحيد، وأوقع أتباع المسيح فيما كان قد حذرهم منه أبلغ تحذير، واكتسبت تعاليم بولس الصفة الشرعية المطلقة بقيام أحد أتباعه بكتابة الإنجيل الرابع المنسوب إلى يوحنا الحواري، والذي قال عنه جيبون: ''أنه فسر نظرية الكون الأفلاطونية تفسيراً مسيحياً، وأظهر أن يسوع المسيح هو الكيان الذي تجسد فيه الكلمة أو العقل (logos) الذي تحدث عنه أفلاطون والذي كان مع الله منذ البدء''.
      على أنه من الإنصاف أن نذكر أن الثلاثة القرون الأولى التي تسميها الكنيسة عصر الهرطقة شهدت صراعاً محتدماً بين أتباع بولس وأثانسيوس، وبين منكرة التثليث وعلى رأسهم "آريوس"، ولم يكتب النصر النهائي للثالوثيين إلا في مجمع نيقية، مع أنهم كانوا أقلية فيه.
      يقول برنتن: ''وقد امتدت هذه الهرطقات فشملت الجانب الأكبر من السلوك والعقائد، ونستطيع أن نأخذ الجدل النهائي الذي ثار حول العلاقة بين يسوع والإله الواحد -الإله الأب- مثلاً لعصر الهرطقة كله، وأخيراً قبلت المسيحية الرسمية في عام (325) في مجلس نيقية بالقرب من القسطنطينية عقيدة التثليث أو ما نادى به أثانسيوس، والثالوث "الله الأب، ويسوع الابن، والروح القدس"، طبقاً لهذه العقيدة: أشخاص حقيقيين، عددهم ثلاثة لكنهم واحد أيضا، وبقيت المسيحية وحدانية تثليثها يسمو على الرياضيات. .
      وهنا، عند هذه النقطة خاصة تصطدم آراء بولس وكنيسته بالفطرة والعقل اصطداماً مباشراً، فمهما حاول أي عقل بشري أن يتصور أن الثلاثة واحد والواحد ثلاثة، فإنه لا يستطيع إطلاقاً، مع أن الملايين من أتباع الكنيسة يقولون في كل صلاة: باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد...
      لقد ظل العقل البشري يلح على الكنيسة أن تعطيه إجابة مقنعة يتخلص بها من سؤال داخلي قاتل وهو: كيف أصدق أن 1 + 1 + 1 = 1؟
      فكان رد الكنيسة المتكرر دائما هو أن ذلك سر لا يستطيع العقل إدراكه.
      هكذا كان رأى القديس أوغسطين (430) وهو يواجه حملة آريوس على التثليث الكاثوليكي، وقال: إن كل ما جاء في الأناجيل لا ينبغي للعقل أن يجادل فيه، لأن سلطانها أقوى من كل سلطان أمر به العقل البشري. وكذلك القديس توما الأكويني ( 1274)، فهو "يقرر أن الحقائق التي يقدمها الإيمان لا يقوى العقل على التدليل عليها، ففي استطاعة العقل أن يتصور ماهية الله (essence)، ولكنه لا يستطيع أن يدرك تثليث الأقانيم، ومن دلل على عقيدة التثليث في الأقانيم حقر من شأن الإيمان''.
      وهكذا كان رأي الكنيسة وهي تواجه انتقادات " أبيلارد " في القرن الثاني عشر الميلادي الذي أدان رأي أبيلارد وقرر إحراق كتابه وأن يضعه بيده في النار ولا يزال هذا هو رأي الكنيسة وإلا فماذا في إمكانها أن تقول غير ذلك؟
      حتى الكنائس الشرقية تذهب إلى هذا الرأي، فالقس باسيلوس يقول: "إن هذا التعليم عن التلثيث فوق إدراكنا، ولكن عدم إدراكه لا يبطله".
      وزميله توفيق جيد يقول: ''إن تسمية الثالوث باسم الأب والابن والروح القدس تعتبر أعماقاً إلهية وأسراراً سماوية لا يجوز لنا أن نتفلسف في تفكيكها أو تحليلها أو أن نلصق بها أفكاراً من عندياتنا''.
      من هذه الإجابات يتضح أن الكنيسة لم تضع حلاً للمشكلة إلا المشكلة نفسها، فالعقل يسأل الكنيسة عن سر التثليث فتجيب بأن هذا سر ويا ليت أنه كان السر الوحيد، ولقائل أن يقول: إن الأديان بما فيها الإسلام لا تخلو من مغيبات أو حقائق لا يستطيع العقل إدراكها، ولكن يدفع هذا القول أن هناك فرقاً بين ما يحكُم العقل باستحالته كالتثليث وبين ما لا يستطيع العقل إدراكه، والإسلام وإن كان فيه الأخير، فإنه يخلو تماماً من الأول، فليس فيه ما يحكم العقل باستحالته أبداً .
      إن الكنيسة بتبنيها لعقيدة التثليث قد فتحت على نفسها ثغرة واسعة يستطيع أعداؤها أن ينفذوا من خلالها إلى هدم الدين البوليسي الكنسي بسهولة، وكانت هذه العقيدة وأضرابها، المقومات الأساسية للفكر اللاديني الذي تستر بستار "النقد التاريخى للكتب المقدسة" ابتداء من القرن السابع عشر، ولا بأس هنا أن نورد قول أحد أقطاب هذا الفكر وهو الفيلسوف الفرنسي "رينان" الذي حرمته الكنيسة وحظرت كتبه: ''إنه ينبغي لفهم تعليم يسوع المسيح الحقيقي، كما كان يفهمه هو، أن نبحث في تلك التفاسير والشروح الكاذبة التي شوهت وجه التعليم المسيحي حتى أخفته عن الأبصار تحت طبقة كثيفة من الظلام، ويرجع بحثنا إلى أيام بولس الذي لم يفهم تعليم المسيح، بل حمله على محمل آخر، ثم مزجه بكثير من تقاليد الفريسيين وتعاليم العهد القديم، وبولس، كما لا يخفى، كان رسولاً للأمم أو رسول الجدال والمنازعات الدينية، وكان يميل إلى المظاهر الخارجية الدينية كالختان وغيره، فأدخل أمياله هذه على الدين المسيحي فأفسده، ومن عهد بولس ظهر التلمود المعروف بتعاليم الكنائس، وأما تعليم المسيح الأصلي الحقيقي فخسر صفته الإلهية الكمالية، بل أصبح إحدى حلقات سلسلة الوحي التي أولها ابتداء العالم وآخرها في عصرنا الحالي والمستمسكة بها جميع الكنائس، وأن أولئك الشراح والمفسرين يدعون يسوع إلهاً دون أن يقيموا على ذلك الحجة، ويستندون في دعواهم على أقوال وردت في خمسة أسفار: موسى، والزبور، وأعمال الرسل، ورسائلهم، وتآليف آباء الكنيسة، مع أن تلك الأقوال لا تدل أقل دلالة على أن المسيح هو الله'' .
      وإذا كان التثليث يتصف بهذه الصور العقيمة المستغلقة، وإذا كانت الكنيسة تعلم أنها لم تستطع -ولن تستطيع- حلّ هذه المعضلة -بل إنها غير مقتنعة في نفسها بما تقدم من حلول- فلم هذا الإصرار على تلك العقيدة؟ أهو التقليد الأعمى أم شهوة التسلط على العقول والقلوب؟
      إن أحد هذين أو كليهما، لا مرية فيه، لكن الكنيسة تماري زاعمة أنها تتبع روايات العهد الجديد وشروحها.
      وهنا نجد مرة ثانية، أن الكنيسة تستدل على الدعوى بالدعوى نفسها، فإن منكري التثليث إنما ينكرونه لاعتقادهم أن الكنيسة هي التي أضافته إلى نصوص الأناجيل أو فهمته خطأً من ثناياها، وحينئذٍ تحتاج الكنيسة إلى إثبات صحة الأناجيل وصحة استدلالها منها، وأنَّى لها ذلك؟!
      أما احتجاج منكري التثليث على الكنيسة بأنها أقحمت العبارات الدالة على التثليث في صلب الأناجيل، فإن له ما يسوغه، وهذا أحد الأمثلة عليه:
      في الفصل الخامس من رسالة يوحنا الأولى نجد هذه العبارات: ''إن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة: الأب، والكلمة، والروح القدس، وهؤلاء الثلاثة هم واحد، والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة: الروح، والماء، والدم، والثلاثة هم في الواحد'' فالمحققون من علماء النصارى أمثال كريسباخ وشولز وآدم كلارك، وحتى المتعصبين مثل: هورن، يرجحون أن أصل العبارة هكذا: ''وأن الشهود الذين يشهدون ثلاثة وهم: الروح، والماء، والدم'' غير أن معتقدي التثليث أضافوا إليها عبارة " هم في السماء ثلاثة... إلخ " حتى أصبحت العبارة بهذه الإضافة دليلاً من أدلة الكنيسة على التثليث، ومما يؤيد قول هؤلاء أن المصلح الكنسي " مارتن لوثر " لم يترجم هذه العبارة إلى الألمانية عندما ترجم العهد الجديد إليها .
      وأما اعتقادهم أن الكنيسة فهمت التثليث خطأ من نصوص الكتب المقدسة، واستنبطته من تأويل بعض عبارات الأناجيل القائلة " أبي ": " ابن الله " وأشباهها، فليس بأقل قوة من سابقه، وقد نبه إلى ذلك جرين برنتن، فقال: ''يستطيع المرء إذا أخذ بالتفسير الطبيعي لمصادر العهد الجديد أن يزعم أن يسوع لم يدع لنفسه الألوهية قط، وأن مثل هذه العبارات (أي: أبي وابن الله) إنما رويت محرفة، أو استعملت مجازاً أو كانت هذا أو ذاك'' .
      ومن اليسير علينا تأييد هذا الرأي بما ورد في الأناجيل والرسائل من إشراك سائر الناس مع المسيح في إطلاق هذه العبارات عليهم وعدم اختصاصه بهذه الصفات جاء ذلك في مواضع كثيرة، منها:
      1- ''كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح فقد ولد من الله، وكل من يحب الوالد يحب المولود منه أيضا، بهذا نعرف أننا نحب أولاد الله'' .
      2- في إنجيل متى يقول المسيح: ''طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون''
      وفيه أيضاً يقول المسيح للتلاميذ: ''صلوا أنتم هكذا: أبانا الذي في السموات ليتقدس اسمك'' .
      4- يقول في إنجيل لوقا: ''ومن اعترف بي قدام الناس يعترف به ابن الإنسان قدام ملائكة الله'' .
      وفي متى عنه: ''إن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته'' .
      هكذا نجد في العهد الجديد نصوصاً كثيرة تصف الناس جميعاً -المسيح وغيره- بأنهم أبناء الله، وهو معنى مجازي قطعاً، وتصف المسيح بأنه " ابن الإنسان " ويمكن درء التعارض بينها بشأن المسيح برد نصوص المجاز إلى الحقيقة لأنها هي الأصل، وبذلك لا يكون للمسيح عليه السلام أية ميزة، عدا كونه رسولاً، إلا أن القدرة الإلهية خلقته من أم (بلا أب).
      ولكن الكنيسة تماري في هذه الحقيقة الساطعة مستدلة بالأناجيل، لاسيما إنجيل يوحنا، مما يجعل الباحث ينقب عن حقيقة الأناجيل ذاتها ومدى حجيتها على هذه القضية وغيرها .
      ب. تحريف الأناجيل:
      ليس ثمة شك في أن الله -تبارك وتعالى- إنما أنزل على المسيح -عليه السلام- إنجيلاً واحداً مكملاً للتوراة المنزلة على موسى عليه السلام، وما من شك أيضاً في أن المسيح حين هتف ببني إسرائيل: " قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل ، إنما كان يعني ذلك الإنجيل المنزل، لا شيئاً آخر سواه.
      والقرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي تكفل الله بحفظه بنفسه ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9] أما الكتب السابقة فقد وكل حفظها إلى علماء دينها.
      ((إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ))[المائدة:44] إذن فقد كان في عهدة الكنيسة أن تحفظ هذا الإنجيل بنصه السماوي وصبغته الإلهية، فلا يمسه عبث عابث، ولا تجترئ عليه يد محرف، لكن الكنيسة -كعادتها- فرطت في واجبها، بل إنها هي التي فتحت للمغرضين باب التحريف والقول على الله بغير علم.
      إن محرري دائرة المعارف البريطانية، وهم من ذوي الكفاءات العالية في معظم التخصصات - ومنها اللاهوت - لم يتطرفوا أو يبالغوا في القول بأنه "لم يبق من أعمال السيد المسيح شيء ولا كلمة واحدة مكتوبة" ، بل إنما عبروا بذلك عما ينبغي أن يقرره الباحث العلمي المدقق.
      ونحن المسلمين نؤمن بأن في خبايا الأناجيل شيئاً من أقوال المسيح وتعاليمه التي يحتمل أنها وحي من الله، لكن ذلك لم يثبت لدينا بسند تاريخي موثوق إلى المسيح، وإنما آمنا به لأننا لو عرضناه على الوحي الإلهي المحفوظ "القرآن والسنة" لوجدنا الصلة بينهما واضحة، أما من لا يؤمن بالقرآن ولا يعترف إلا بحقائق البحث المجرد فليس غريباً أن ينكر الأناجيل برمتها ويقول مثل قولة دائرة المعارف البريطانية هذه.
      ولندع رأي المعاصرين ولنعد إلى القرن الأول الميلادي حيث احتمال وجود الإنجيل أقوى وأرجح، فماذا نجد؟
      يقول آدم كلارك أحد شارحي الأناجيل: ''محقق أن الأناجيل الكثيرة الكاذبة كانت رائجة في أول القرون المسيحية، وكثرة هذه الأحوال الغير صحيحة (كذا) هَـيَّجت لوقا على تحرير الإنجيل، ويوجد ذكر أكثر من سبعين من هذه الأناجيل الكاذبة والأجزاء الكثيرة من هذه الأناجيل باقية، وكان "فابري سيوس" جمع الأناجيل الكاذبة وطبعها في ثلاث مجلدات'' .
      هكذا قفز العدد من واحد إلى سبعين، والمسيحية لا تزال في مهدها، مما دفع لوقا إلى كتابة إنجيله، فأي هذه الأناجيل يا ترى الإنجيل الحقيقي الموحى إلى المسيح ما دمنا مسلِّمين بأن الله لم ينزل إليه إلا إنجيلاً واحداً؟
      إن لوقا نفسه ليفتح لنا الطريق إلى الحقيقة النيرة التي تهدم الأناجيل كلها - ومنها إنجيله - وها هي ذي مقدمة إنجيله تنطق بها.
      يقول لوقا في المقدمة: ''إذا كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخُدَّاماً للكلمة، رأيت أنا أيضاً، إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق، أن أكتب إليك على التوالي أيها العزيز ثاوفيلوس لتعرف صحة الكلام الذي علمت به''.
      وعلى هذا فلا السبعون الكاذبة ولا إنجيله الصادق وحي من الله ولا أحدها هو منسوب إلى المسيح، بل الكل سير وقصص يكتبها أتباع المسيح عن حياته ودعوته كما سمعوها من أسلافهم الذين رأوا المسيح وخدموه، ولو استعرنا عبارة الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون لقلنا عن الأناجيل:
      " هي مجموعة من الأوهام والذكريات غير المحققة التي بسطها خيال مؤلفيها .
      إن أشبه الكتب الإسلامية بالأناجيل، من جهة موضوعها لا من جهة ثبوتها، هي كتب السيرة... فهل يمكن بأي حال من الأحوال القول بأن سيرة ابن هشام مثلاً وحي منـزل من الله؟ إن هذا لمحال شرعاً وعقلاً، فكيف وسيرة ابن هشام مقطوع بنسبتها إلى مؤلفها ومتصلة السند بصاحب السيرة صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومحفوظة بأصلها العربي، لم تتناولها الترجمات، كما هو الحال في الأناجيل، كما أنها لم تفرض بسلطة قانونية أو كهنوتية وإنما أقرها البحث والتدقيق، وكم من علماء مسلمين بلغوا ذروة العبادة والورع لا يعتد الباحثون المسلمون من رواياتهم بشيء؛ لأن شروط التحقيق العلمي لم تتوفر فيهم، أما الكنيسة فلا يكاد راهب ينقطع في صومعة أو عابد يتظاهر بحب المسيح حتى تقول: "إنه مملوء بالروح القدس" وتمنحه لقب "رسول " أو "قديس"، وتعد كلامه وحياً ملهماً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
      ولذلك فليس غريباً أن يكون لدى الكنيسة مائة وعشرون رسولاً يؤخذ كلامهم -على علاته- قضايا مسلمةٌ وتقدس رسائلهم، كما تقدس الأناجيل.
      تلك حصيلة المسيحية في قرونها الثلاثة الأولى: سبعون إنجيلاً يكذب بعضها بعضاً، ومائة وعشرون رسولاً، منهم من ألَّف أناجيل، ومنهم من كتب رسائل، ومنهم من كان يكرز (يعظ) من حفظه ومعلوماته... وطوائف وفرق تجل عن الحصر تختلف في قضايا أساسية بالغة الأهمية، وكان عام (325) يمثل معلما من معالم التاريخ البارزة، ففيه عقد مجمع نيقية الذي ابتدئت به صفحة جديدة في تاريخ الديانات العالمية، وأن هذا المجمع ليستحق أن يقف عنده المرء طويلاً.
      إن أي مجمع أو مؤتمر يجب أن تتوفر فيه شروط خاصة -لاسيما إذا كان دينيا- ومن أوجب هذه الشروط:-
      1- حرية البحث والمناظرة، سواء في جدول أعماله أو صيغة قراراته، فلا تكون هنالك سلطة قاهرة تفرض على المجتمعين موضوعاً أو قراراً بعينه مهما كانت.
      2- نزاهة القصد وروح التفاهم، بأن يكون الوصول للحق هدفاً مشتركاً بين المجتمعين بدون تعصب أو إصرار.
      3- اتخاذ قرارات سائغة ومنطقية مع اعتراف مقرريها بأنها عرضة للخطأ والصواب وقابلة للنقاش، وإلا جاز اتهامهم بالاستبداد الفكري.
      وهذه الشروط -مع الأسف- مفقودة كلياً في هذا المجمع " المقدس ":
      فأولاً: لم يكن سبب انعقاده ذاتياً نابعاً من الأساقفة أنفسهم، بل إن الامبراطور الرومانى "قسطنطين" هو الذي دعا إلى انعقاده وهو رجل وثني ظل وثنياً إلى أن عُمِّد وهو على فراش الموت .
      ثانياً:حضر المجمع ألفان وثمانية وأربعون من البطاركة والأساقفة يمثلون مذاهب وشيعاً متناحرة، أبرزها فرقتان:
      1-الموحدون، كما يدعون، أتباع آريوس، وكان عددهم يقارب سبعمائة عضو.
      2- الثالوثيون، أتباع بولس، وكان عددهم حوالي ثلاثمائة وثمانية عشر عضواً.
      3- ومعلوم أن وثنية قسطنطين ثالوثية، وهذه في حد ذاتها تمثل قوة معنوية للثالثوثيين، فكيف إذا أضيف إلى ذلك أنه جمع الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفاً في مجلس خاص وجلس في وسطهم وأخذ خاتمه وسيفه وسلمه إليهم، وقال: " قد سلطتكم اليوم على مملكتي.. ".
      ثالثاً:- لم تكتف قرارات الجمع بالتحيز لـقسطنطين ودعاة التثليث، بل لعنت وحرمت من يخالف هذه القرارات، والحرمان عقوبة لها حجمها الكبير في المسيحية.
      وأبرز قرارات المجمع القرار الذي اتخذه بشأن الأناجيل، وهو أن الأناجيل المعتمدة الصحيحة هي الأناجيل الأربعة المنسوبة لـ(متى، لوقا، مرقص، يوحنا) وأما ما عداها فمزيف مكذوب تحرم قراءته ويجب حرقه وإبادته. وهذا بلا شك قرار جائر بحق الدين والتاريخ، ويستطيع المرء أن يحمل المجمع، أو هذا القرار خاصة، مسؤولية ضياع النسخة الأصلية من الإنجيل المنـزل، لاسيما وأن الناظر إلى هذه الأناجيل يجد بينها من التضاد الشكلي والموضوعي ما يؤكد أنها ليست وحياً، بل ليست سيرة صادقة للمسيح عليه السلام.
      إن اختيار أربعة مؤلفات من بين سبعين مؤلفاً مع عدم إبداء أسباب تبرر ذلك، لهو إجراء قسرى، يعبر عن روح الرعونة والصلف اللذين لم ينفكا عن الكنيسة في أية حقبة من تاريخها، ولذلك فليس عجيباً أن يعاملها العاقون من أبنائها بمثل ذلك التطرف والغلو، وليت الأمر اقتصر على هذا، لكن الكنيسة لم تحفظ الأناجيل الأربعة نفسها من التحريف بعد أن فرضتها على أتباعها، وكان للأباطرة دخل في هذا التحريف، ولا لوم عليهم فإنما قلدوا الكنيسة في ذلك.
      يقول "لاندر" أحد مفسري الأناجيل: ''حكم على الأناجيل المقدسة لأجل جهالة مصنفها بأنها ليست حسنة بأمر السلطان اناسطيوس في الأيام التي كان فيها "مسالة" حاكماً في القسطنطينية فصححت مرة أخرى''. وهذا القول اعتراف بالغ الخطورة، فهو يقرر ثلاث حقائق تاريخية:
      1- أن مؤلفي الأناجيل مجهولون، وظلوا كذلك حتى القرن الرابع الميلادي.
      2- أن لأهواء الحكام وميولهم يداً فيما تعرضت له الأناجيل من تحريف باسم التصحيح.
      3- أن التحوير والتعديل ظل يمارس في الأناجيل دون شعور بالحرج، مما يدل على أنه عادي مألوف، قد أورد الشيخ "رحمة الله الهندى" خمسة وأربعين شاهداً على التحريف بالزيادة في الأناجيل، مدعمة بالوثائق والاعترافات، نختار واحداً منها للتمثيل فقط.
      الآية الثالثة والخمسون من الباب السابع وإحدى عشرة آية من الباب الثامن من إنجيل يوحنا إلحاقية (مضافة) قال هورن في إلحاقية هذه الآيات: إرازمس وكالوين وبيزا وكروتيس و... والآخرون من المصنفين الذين ذكرهم ونفينس وكوجز لا يسلمون صدق هذه الآيات " ثم قال: ''كرايز ستم وتهيو فلكت ونونسي كتبوا شروحاً على هذا الإنجيل، فما شرحوا هذه الآيات، بل ما نقلوها في شروحهم، وكتب ترتولين وساي برن في باب الزنا والعفة، وما تمسكا بهذه الآيات، ولو كانت هذه الآيات في نسخهما لذكرا أو تمسكا بها يقينا''.
      وقال وارد كاتلك: ''بعض القدماء اعترض على أول الباب الثامن من إنجيل يوحنا وحكم نورتن بأن هذه الآيات إلحاقية يقيناً''.
      فهذه اثنتا عشرة فقرة، يكاد يكون هناك إجماع على إضافتها وغيرها كثير، ولا غرابة في ذلك، فليس لدينا حد فاصل بين كلام الله وكلام البشر، بل ليس هناك ضابط يعرف به كلام المسيح من كلام غيره، فالشك وارد على كل فقرة في الأناجيل إلى درجة أن أعظم المتعصبين لها لا يستطيع إقناع الباحث العلمي بسوى ذلك.
    3. ثانياً: تحريف الشريعة

      فصل الدين عن الدولة:
      يحسن بنا قبل الخوض في هذا الموضوع أن نوطئ له بمقدمتين:
      الأولى: عن الدين في نظر الروم طبيعته والتزاماته.
      الثانية: عن حالة الشريعة الإنجيلية ومدى تطبيقها في واقع الحياة قبل أن يعتنقها الروم رسمياً.
      أولاً: الدين في نظر الرومان:
      نستطيع أن نقول: إن المجتمع الروماني (أي: الجنس الأبيض المستعمر) لم يكن له دين موحد يتعبد به، ولا فلسفة واحدة يؤمن بها، بل كان غارقاً في دياجير جاهلية كالحة متعددة الألوان مختلفة الأنحاء.
      فالطبقة الحاكمة تشارك الشعب في أعياده الوثنية، وتخدم تماثيل الآلهة الكثيرة، بيد أنها لا تدين في الواقع بغير الشهوة العارمة للتسلط والرغبة الجامحة في الاحتفاظ بكرسي المملكة، لا سيما وأن الامبراطور نفسه كان (إلهاً) يعبده الشعب.
      أما الطبقة المثقفة فأشتات متفرقة، منها أتباع المدرسة الرواقية الموغلة في التجريد والتصوف، ومنها مريدو المدرسة الأبيقورية المفرطة في البهيمية والحسيات، ومدارس أخرى متأثرة بالفلسفات والوثنيات الإغريقية في تصوراتها وأفكارها.
      وأما طبقات العامة من الشعب فهي تميل بطبيعتها إلى التدين، لكن التناحر المزمن بين الآلهة والصراع المرير بين الفلاسفة، أفقدها الثقة في المعتقدات الدينية والفلسفية بجملتها، فآثرت الاستجابة لداعي الهوى والانصياع إلى الملذات الجسدية والإغراق في المتع الحسية.
      وخلاصة القول أن الروم لم يعتنقوا ديناً اعتناقاً جدياً يجعلهم يستمدون تصوراتهم وعقائدهم ونظام حياتهم منه وحده، نعم كان لهم آلهة ولم تكن آلهة تقليدية ''لم تكن سوى محاكاة شاحبة للخرافات اليونانية، لقد كانت أشباحاً سُكِت عن وجودها حفظاً للعرف الاجتماعي، ولم يكن يسمح لها قط بالتدخل في أمور الحياة الحقيقية'' .
      وبذلك نستطيع أن نجزم بأن المجتمع الروماني كان مجتمعاً مادياً لا دينياً يعانى عزلة حادة عن معتقداته - أياً كانت - وبين واقع حياته العملي.
      وقد عبر (سيسرو) عن الانفصال العميق بين الدين ونظام الحياة عند الرومان بقوله: ''لما كان الممثلون ينشدون في دور التمثيل أبياتاً معناها: إن الآلهة لا دخل لهم في أمور الدنيا يصغي إليها الناس ويسمعونها بكل رغبة'' .
      ويقول الراهب (أوغسطين) : ''إن الروم الوثنيين كانوا يعبدون آلهتهم في المعابد ويهزءون بهم في دور التمثيل'' .
      ليس هذا فحسب، بل إن أبيقور (ق4) قبل الميلاد - ليعلن على الملأ دعوة علمانية صريحة، فهو يقول: ''إن الآلهة لا يشغلون أنفسهم بأمور بني البشر، إنهم موجودون لأنهم يظهرون من آن لآخر للأشخاص (!) بيد أن مسائل العالم الأرضي لا تعنيهم، وما من علامة تدل على أنهم يعنون بعقاب الآثم وإثابة الصالح؟ أيمكن اعتقاد تدخلهم هذا مع ما نراه في هذا العالم؟'' ''إن جوبيتير يرسل الآن بالصواعق على معبده، فهل سحق أبيقور الذي يجدف به''؟ ''إن الآلهة يعيشون بعيداً عن العوالم ولا يهتمون إلا بشئونهم فلا تعنيهم أمورنا، إنهم يعيشون حكماء سعداء ويعظوننا بهذا المثال الذي يجب أن نسير على منواله، فلنعتبرهم كمثل عليا يقتدى بها، غير أنه يجب علينا ألا نشغل أنفسنا بما يريدونه منا، فإنهم لا يريدون منا شيئاً، فهم لا يعيروننا بالاً فلنفعل نحوهم كما يفعلون نحونا'' .
      هذا التصور للآلهة تشترك مع أبيقور فيه الغالبية العظمى من الرومان، ومن الطبيعي جداً أن ينشأ عن هذا التصور الخاطئ للإله تصور خاطئ لمهمة الدين في الحياة وواجب المخلوق تجاه خالقه، ولما كان الصراع هو التصور المشترك لطبيعة الحياة عند الرومان، فقد كانوا يتصورون الآلهة وهي تتصارع في الفضاء كما يتصارع أبطالهم على الحلبة، وليس من شأن البطل أن يشرع للجمهور بل كل همه أن يخرج من الحلبة ظافراً منصوراً.
      وبما أن آلهة الرومان بطبعها لم تكن لتشرع لهم شيئاً، فقد كان من الضروري أن يقوم بشر متألهون بمهمة وضع نظم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة، ونتيجة لجهود هؤلاء برز إلى الوجود (القانون الروماني) الذي لا تزال أوروبا تعيش عليه أو على امتداده إلى اليوم، أما النظم الأخلاقية وقوانين الآداب العامة -إن وجدت -فقد كانت أبيقورية محضة.
      وهكذا كان للرومان دين لكنه دين وجداني مجرد، لا تأثير له في السلوك العملي ولا يفرض التزامات خلقية معينة، ولا ينظم من شئون الحياة شيئاً، حتى إننا لنكاد نقول: إن الامبراطورية الرومانية نسخة قديمة من الولايات المتحدة الأمريكية اليوم.
      كان الفرد الروماني -كالأمريكي اليوم- يخرج من نحلة إلى أخرى، وينتقل من مبدأ إلى نقيضه دون أن يطرأ على حياته العملية وسلوكه الشخصي أي تغيير، فالدين في نظره فكرة مجردة وعقيدة وجدانية فحسب.
      ثانياً: حالة الشريعة الإنجيلية إلى سنة (325م):
      ليس الإنجيل أول كتاب سماوي أنزله الله ولا هو حتماً آخر كتاب، فهو واحد من مجموعة كتب ابتدأت قبل المسيح بقرون وانتهت بالكتاب الخاتم المنزل على الرسول الخاتم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
      ومهمة الكتاب السماوي وغاية إنزاله بينها الله تعالى في القرآن الكريم أوضح بيان فقال: ((كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ))[البقرة:213].
      فالحكم بالكتاب في كل اختلاف وتطبيقه في كل منحى من مناحي الحياة، واستمداد كل القيم والقوانين والأنظمة والتشريعات منه هو الغرض المقصود من إنزاله، والكتب السماوية هي -كما في الآية- كتاب واحد بالنظر إلى أن منزلها واحد وموضوعها واحد، وهو تقرير حقيقة واحدة لا تختلف أبداً هي توحيد الله وعبادته وحده بالمعنى الواسع الشامل للعبادة، هكذا كانت التوارة ((وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ))[الأعراف:145] فهي شريعة كاملة بالنسبة لعصرها قامت عليها دول تملك خصائص الدولة في ذلك العصر، وكان بعض ملوك هذه الدول من أمثال داود وسليمان عليهما السلام أنبياء يحكمون بما أنزل الله ويقيمون الحياة كلها على شرعه وأمره، وظلت التوراة ما شاء الله أن تظل منهاجاً وشريعة (( يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ ))[المائدة:44] فما كان يجوز لمؤمن بها أن يستمد تصوراته وأفكاره ولا سلوكه وتشريعاته من سواها.
      أما ما وقع في حياة بني إسرائيل مما يخالف هذا فهو انحراف لا يقره الله ولا تقبله شريعته، ثم جاء عيسى عليه السلام رسولاً إلى بني إسرائيل، وهو آخر رسلهم ليصلح ما فسد ويقيم ما اعوج من عقائد وأخلاق اليهود، وليردهم إلى الأصل الثابت: توحيد الله وعبادته وحده بتحكيم شرعه واتباع منهجه.
      وبما أنه مبعوث إلى بني إسرائيل خاصة، فلم يكن ناسخاً لشريعة موسى وإنما كان متماً لها، وكان الإنجيل مصدقاً لما بين يديه وإن لم يكن مهيمناً عليه .
      وكان الجديد في شريعة الإنجيل التخفيف من بعض التشريعات التي لم تنـزل شرعاً دائماً وإنما جاءت عقوبة مؤقتة لليهود، مع اشتماله على مواعظ بليغة اقتضاها ما جبل عليه اليهود من غلظة في القلوب، وجفاف في الأرواح، وإغراق مفرط تام في عبودية المادة، وحرصٍ مُصرٍّ على التشبث بالحياة الدنيا.
      إذن فقد كانت التوراة مضموماً إليها تعديلات الإنجيل شريعة يجب أن تطبق، وعقيدة يجب أن ينبثق منها كل منهج للحياة: ((وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ * وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)) [المائدة:46/47]، لكن الذي حدث هو أن هذه الشريعة لم يكتب لها التطبيق على المستوى العام لسببين متلازمين:
      الأول: أنه لم يقم لها دولة تتبناها وتقيمها في الأرض، إذ من المعلوم أن عيسى عليه السلام، توفاه الله ورفعه إليه وهو لم يزل في مرحلة الدعوة التي تشبه حال الدين الإسلامي قبل الهجرة.
      الثاني: أنه، عليه السلام، قد بعث إلى قوم قساة القلوب غلاظ الأكباد، وفي الوقت نفسه كانت المنطقة المبعوث فيها جزءاً من مستعمرات إمبراطورية وثنية عاتية، فكان ميلاد الدين الجديد في محيط معاد كل العداء له ولرسوله ونتج عن ذلك اضطهاد فظيع للمؤمنين به لم يدع لهم فرصة لتطبيقه إلا في النطاق الشخصي الضيق.
      وكان أول من وضع العراقيل أمام دعوة المسيح وشريعته اليهود قتلة الأنبياء، وتكاد الأناجيل والرسائل تكون وصفاً للعنت الذي لقيه المسيح وأتباعه من الطوائف اليهودية، وقد جللوا عداوتهم بإغراء الحاكم الرومانى بقتله وصلبه، ولكن الله تعالى رفعه إليه ونجاه منهم ومنه.
      وبعد وفاة المسيح عليه السلام، اشتدت المحنة على أتباعه من اليهود والرومان سواءً.
      أما اليهود فكانوا كما تحدثت رسالة (أعمال الرسل) يقتلون المسيحيين ويرجمونهم ويغرون بهم الولاة... وكان من أبرز المضطهدين لهم شاؤل اليهودى، الذي تقول عنه الرسالة المذكورة: ''أما شاؤل فكان يسطو على الكنيسة وهو يدخل البيوت ويجر رجالاً ونساءً ويسلمهم إلى السجن'' .
      على أن أعظم محنة نزلت بـالمسيحية -عقيدة وشريعة- هي عملية (الغزو من الداخل) التي قام بها شاؤل: فقد تظاهر باعتناق المسيحية وجاء بتعاليم مناقضة سبق ذكر بعضها، وأخذ يؤلب على المسيحيين الحقيقيين، وبذلك أحدث فوضى عقائدية وبلبلة فكرية، فتضاعف البلاء على المسيحيين، إذ أصيبوا في دينهم وأنفسهم دفعة واحدة.
      وأما الرومان فقد أنزل أباطرتهم بأتباع المسيح أشد الأذى، واشتهر باضطهادهم (نيرون 64م) و(تراجان-106م) و(ريسويس-251م) و(دقلديانوس-280م) وبلغ بهم الاضطهاد إلى درجة أن بعض الأباطرة كانوا يضعون المسيحيين في جلود الحيوان ويطرحونهم للكلاب فتنهشهم، أو يلبسونهم ثياباً مطلية بالقار ويوقدونها لتكون مشاعل بشرية يستضيئون بها في مراقصهم وفي وسع المرء أن يدرك الحال التي تكون عليها شريعة يضطهد أتباعها ثلاثة قرون ويطاردون في معتقداتهم وأفكارهم، وهذه المطاردة كيف يمكن أن تقوم عليها دولة تنافح عنها وتلزم بتعاليمها وتثبت للعالم أنها شريعة كاملة.
      وإذا اتضحت لنا هاتان الحقيقتان، نعود إلى فصل الدين عن الدولة الذي مارسته الامبراطورية الرومانية والكنيسة ابتداءً من سنة (325).
      إن الكنيسة لتهتز طرباً إذا ذكر لها عام (325)، فهو يمثل في نظرها عام النصر الحاسم على أعداء المسيح وبداية العصر الجديد - عصر السيادة والحرية - بعد عصر الاضطهاد والهوان.
      لقد حصلت الكنيسة على ما لم يكن ليحلم به آباؤها الأولون... فبينما عاش المسيح والتلاميذ تحت تهديد الوالي الروماني ينظرون إلى الامبراطورية الفسيحة نظر من لا يطمع منها بشيء، نرى الكنيسة في القرن الرابع تظفر بالامبراطور نفسه صيداً ثميناً وتعمده بالماء المقدس إيذاناً بدخوله دين المسيح.
      إن هذا النصر كبير، بل كبير جداً في حس الكنيسة وأتباعها، لكن الكنيسة نسيت -وما أكثر ما تنسى- قولة المسيح الصادقة: ''ماذا ينتفع الإنسان إذا ربح العالم كله وخسر نفسه'' .
      فماذا ينفع الكنيسة إذا ربحت قسطنطين وإمبراطوريته وخسرت دينها وتعاليمها؟
      لو أن الكنيسة ربانية حقاً لكان أول عمل عملته بعد انقضاء عهد الاضطهاد المرير هو البحث عن ذاتها هي، ببعث الإنجيل الأصلي ونشره وتحكيمه في شئون الحياة، وكان في إمكانها أن تقنع الامبراطور؛ فإما أن يقبل ذلك فيكون نصرانياً على الحقيقة، وإلا فلتكف منه بصداقته ورعايته وتمارس تطبيق شريعتها على أتباعها الحقيقيين في ظل عطف الامبراطورية، ذلك ما كان مفروضاً أن تضطلع به الكنيسة وأن يرضاه الامبراطور ويتقبله، غير أن الذي حصل فعلاً هو أنه لا الكنيسة كانت مؤمنة جادة تطمع في هداية الناس ابتغاء مرضاة الله والدار الآخرة، ولا قسطنطين كان مؤمناً جاداً يريد أن يخلع عن عنقه ربقة الوثنية ليخلص دينه لله ويقف بين يديه وقوف العابد أمام المعبود.
      إن الرابط الذي جمع الكنيسة بالامبراطور هو رابط المصلحة الدنيوية لكلا الطرفين لا غير، وإن كانت مصلحة الامبراطور أرجح وتنازله أرخص.
      يقول درابر: ''إن هذا الامبراطور الذي كان عبداً للدنيا والذي لم تكن عقائده الدينية تساوي شيئاً، رأى لمصلحته الشخصية ولمصلحة الحزبين المتنافسين... النصراني والوثني؛ أن يوحدهما ويؤلف بينهما، حتى أن النصارى الراسخين أيضاً لم ينكروا عليه هذه الخطة، ولعلهم كانوا يعتقدون أن الديانة الجديدة ستزدهر إذا طعمت ولقحت بالعقائد الوثنية القديمة، وسيخلص الدين النصراني عاقبة الأمر من أدناس الوثنية وأرجاسها''.
      كما أدرك هذه الحقيقة المؤرخ الإنجليزي (ويلز)، فقد شرح بدقة حال الامبراطورية معللاً اعتناق قسطنطين للمسيحية وإعلانها ديانة رسمية بأنه محاولة منه لإنقاذ إمبراطوريته المتضعضعة من التفكك والإنحلال، وهو ما قال به جيبون من قبل .
      هذا بالنسبة للإمبراطور، أما الذين اعتنقوا المسيحية من المواطنين الرومان فلم يتغير تصورهم السابق عن الدين ومهمته في الحياة، وكان التغيير الذي طرأ عليهم هو إحلال مسمى (الأب، والابن، وروح القدس) محل (جوبيتير، ومارس، وكورنيوس) فما كانوا ينتظرون من آلهة بولس وكنيسته من تشريع وتوجيه إلا ما ينتظر من آلهتهم الجامدة الشاحبة، ولم يكن مقام الأب الذي نادت به الكنيسة ليزيد عن مقام جوبيتير الذي صوره أبيقور.
      وهكذا لم تستطع الكنيسة بتصورها الفاسد أن تقتلع جذور الوثنية المتغلغلة في أعماق النفس الرومانية، ولا أن تسمو بتلك النفوس من عالم الملذات الجسدية إلى عالم الفضيلة والطهر -باستثناء القلة التي ترهبت- ولقد عبر أحد المؤرخين الغربيين عن ذلك بقوله: ''إن المسيحية لم تكن عند أكثر الناس غير ستار رقيق يخفي تحته نظرة وثنية خالصة إلى الحياة''.
      وإذ قد عجزت عن ذلك، فمن الطبيعي أن تعجز عن إقامة الحياة: بنظمها وقيمها وأخلاقها على أساس من الدين، وبقي الدين كما كان هواية شخصية محدودة التأثير لم يتغير فيه، إلا أن المراسم الشكلية كانت تؤدى في معابد، فأصبحت تؤدى في كنائس، ولم يقتصر الأمر على هذا، بل إن الكنيسة تزحزحت عن مركز التأثير إلى مركز التأثر، فدخلت الخرافات والأساطير والتقاليد الوثنية في صلب تعاليمها وطقوسها، وامتزجت بروايات الأناجيل وآراء المجامع المقدسة، كما حصل امتزاج وتلاقح بين الشريعة والقانون الروماني فأصبحت المسيحية ديانة تركيبية كما وصفها لوبون .
      وهذا الضلال والخطل الذي وقعت فيه الكنيسة لا يبرره ما ذهب إليه ليكونت دي نوي، حين قال: (قَبِل الدين الكاثوليكى الذي نشأ على شواطئ المتوسط ذات المخيلة الواسعة بعض العادات لأنه لم يجد إلى إزالتها سبيلاً وانتهت -أي: الكنيسة- مرغمة إلى قبول المساومة، وقد طغت عليها أمواج الخرافات القديمة الجارفة)، فالمؤمن الحق لا يقبل المساومة على دينه مهما قست الظروف والأحوال.
      كما لا يبرره -من باب أولى- ما ذهب إليه فشر في قوله: ''إن حكمة الكنيسة المسيحية هدت آباءها الأولين إلى قبول ما لم يستطيعوا له منعاً من قديم العادات والتقاليد والمعتقدات، بدليل استقبال الكنيسة لمبدأ تعدد الآلهة الراسخ بين شعوب البحر الأبيض المتوسط وتطويع ذلك المبدأ لما تقتضيه عقائدها'' .
      قد يكون جرم الكنيسة أهون لو أنها عدت عملها هذا تصرفاً استثنائياً مؤقتاً تفرضه عليها الضرورة الطارئة، ثم لا تلبث الشريعة أن تبرز إلى حيز التنفيذ على كل نشاطات الحياة، غير أن الذي تم -فعلاً- هو أنها اتخذت ذلك قاعدة ومنهجاً وسارت فيه إلى أبعد شوط.
      وكان أول من سن سنة التنازل عن الشريعة مقابل قبول العقيدة، هو شاؤل (بولس) يقول برنتن: ''كانت العقبة الكبرى في وجه الأمميين الذين وجدوا أسلوب الحياة المسيحية جذاباً قانون اليهود'' -أي: شريعة التوراة- ثم يشرح برنتن كيف أن بولس أزال هذه العقبة فأفتى بأن (الإغريق والمصريين والرومان الذين يقبلون المسيحية في حل من الختان وفي حل من التقيد بحرفية القانون) .
      وبمرور الزمن أصبح هذا الانحراف منهجاً مقرراً اعتمدته الكنيسة بعد مجمع نيقية ففصلت بين العقيدة وبين الشريعة، بين الدين والدولة وقسمت الحياة البشرية دائرتين مغلقتين:
      الأولى: (دينية) من اختصاص الله، ويقتصر محتواها على نظام الإكليروس والرهبنة والمواعظ وتشريعات طفيفة لا تتعدى الأحوال الشخصية.
      والأخرى: (دنيوية) من اختصاص قيصر وقانونه، ويحوي محيطها التنظيمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلاقات الدولية ونظم الحياة العامة.
      هذه القسمة الضيزى لم تجد الكنيسة غضاضة فيها، ولم تتحرج من جعل قيصر شريكاً لله في ملكه، بل أعظم من شريك، فقسمت الكون شطرين: شطر لله وشطر لقيصر، فما كان لله فهو يصل إلى قيصر وما كان لقيصر فلا يصل إلى الله.
      ويرى بعض المؤرخين أن السبب الذي أوقع الكنيسة في ذلك هو نظرتها القاصرة إلى الحياة الدنيا.. يقول صاحب (تاريخ أوروبا في العصور الوسطى): (إن المسيحيين الأولين على وجه الإطلاق لم يعمدوا إلى شيء من الإصلاح في المجتمع الروماني الذي نبتوا فيه برغم ما هو معروف من تحريمهم لكثير من العادات والطقوس القديمة، ولم تكن لهم فلسفة في الدولة وأصول الحكم ولا الإيمان بتجديد المجتمع من طريق الإنشاء والتنظيم، ولم يخطر ببال أحد منهم أن في استطاعة جماعاتهم الصغيرة البعيدة عن السلطة والنفوذ أن تحدث بالسياسة الرومانية أو المجتمع الرومانى شيئاً من التعديل، ذلك أنهم أيقنوا أن الدنيا متاع الغرور والشرور، وتعلموا أن الإنسان طريد جنة الخلد وحق عليه العذاب المقيم. ''وتعلموا كذلك أن هذه الدنيا الغرارة لن تلبث حتى تزول،وإن رجعة المسيح إلى الأرض، وهي ما اعتقدها الناس وشيكة الوقوع، سوف تملأ الدنيا عدلاً بعد ما ملئت الدنيا ظلماً وجوراً وخبثاً ونقصاً يمحوه كله المسيح محواً، وإذا كان كذلك فما الذي يحمل المسيحي على إلغاء الرق أو الحرب أو المتاجرة في المحرمات أو الربا أو استعمال القوة الغاشمة التي ساعدت الدولة الرومانية على النهوض، ما دام ذلك كله مقضياً عليه بالزوال، وما دامت المشكلة الكبرى تنحصر في الوسيلة الواقية من العذاب الذي كتبه الله على الناس جزاءً وفاقاً لما ارتكبه آدم من الخطيئة في جنة الخلد، ولذا رضي المسيحيون بجميع ما وجدوا من نظم لا قبل لهم بتغييرها''.
      وهذا التعليل مصيب، لكنه لا يمثل الحقيقة كاملة، فإن للكنيسة مستندات نقلية من نصوص الأناجيل لابد من عرض نموذج لها ومناقشته، وأهمها نصان:
      1- القول المنسوب للمسيح: ''أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله''.
      هذا القول هو أقوى وأصرح حجج الكنيسة، ولقد ظل شعاراً ترفعه أوروبا كلما أملى عليها الهوى أن تخالف شرع الله وتتمرد على شرعه، وبفضل هذا الشعار أخذ الدين ينكمش وينحسر على مر القرون حتى لم يبق له في أحسن الأحوال إلا ساعة في الأسبوع خاوية من كل معنى.. فما قيمة هذا الدليل بالنظرة العلمية المنصفة؟
      لقد سبق لنا أن قلنا: إن كل ما روي عن المسيح من أقوال ليست منسوبة إليه يقيناً، بل ولا ظناً راجحاً، فالكنيسة بدلَّت وحرفت وأضافت وحذفت حتى طمست تعاليمه وأقواله ودفنتها إلى الأبد، وهذا القول مما يجوز أن يقال فيه -مبدئياً-: إن المسيح لم يقله، وإنه من إضافات الكنيسة، ومادام البحث العلمي يقرر أن الأناجيل كلها ظنية الثبوت ظنية الدلالة، فكيف يسوغ للكنيسة أن تحتج بهذه الظنيات في مسألة بالغة الخطورة كهذه؟
      ولندع القيمة العلمية التاريخية للنص وننظر نظرة موضوعية فاحصة في منطوق العبارة ومدلولها فماذا نجد؟
      إن هذه العبارة ظاهرها الأمر الصريح بالشرك ''أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله'' فهي تجعل قيصر شريكاً لله في التوجه إليه بالعمل، ومن ينفذها على ظاهرها يقع حتماً في شرك الطاعة والاتباع وهو شرك أعظم، لتنافيه مع توحيد الألوهية، وهذه الدلالة تكفي لنفي صدور العبارة من المسيح عليه السلام، لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما بعثوا لتحذير الجماعة البشرية من الشرك وتنفيرها منه جليله ودقيقه، فكيف يأمر نبي من أنبياء الله من أولي العزم بالشرك ويدعو إليه بهذه الصورة؟!
      وهذا في الحقيقة كاف لإسقاط حجية العبارة؛ لكننا سنجامل الكنيسة ونجري مع احتمالها الضعيف جداً مفترضين جدلاً أن المسيح عليه السلام تفوه بما نسب إليه، فهل يعني ذلك أن نفهم من العبارة ما فهمته الكنيسة من ظاهرها، ونتخذ من فهمنا هذا قاعدة هي أعظم القواعد الكنسية العملية على الإطلاق؟ لنتتبع معها سياق العبارة فقد يعين على فهمها - إن قبلت - على حقيقتها:
      يقول متى في إنجيله: ''ذهب الفريسيون وتشاوروا لكي يصطادوه بكلمة، فأرسلوا إليه تلاميذهم مع الهيرودوسيين قائلين: يا معلم إنك صادق وتعلم طريق الله بالحق ولا تبالي بأحد، لأنك لا تنظر إلى وجوه الناس، فقل لنا ماذا تظن: أيجوز أن تعطي جزية لقيصر أم لا؟ فعلم يسوع خبثهم، وقال: لماذا تجربونني يا مرآءون، أروني معاملة الجزية، فقدموا له ديناراً فقال لهم: لمن هذه الصورة والكتابة؟ قالوا له: لقيصر. فقال لهم: أعطوا إذن ما لقيصر لقيصر وما لله لله. فلما سمعوا تعجبوا وتركوه ومضوا'' .
      كان المسيح -عليه السلام- وأتباعه قلة مضطهدة تتبنى دعوة جديدة ناشئة، فلم يكن في مقدورها أن تصطدم بالامبراطورية الطاغية، وتواجهها بعداوة سافرة، ولم تكن هذه المواجهة مطلوبة منها وهي لا تزال في طور الدعوة -يقابل ذلك في الإسلام فترة ما قبل فرض الجهاد- وهذا الطور يقتضي الالتزام بمبدأ (كفوا أيديكم) كيلا يستثار عدو باطش فيفتك بالدعوة في مهدها.
      هذا المنهج في الدعوة لاحظه الفريسيون -أعدى أعداء المسيح- فسولت لهم أنفسهم الحاقدة أن يدبروا مكيدة للمسيح ودعوته، بحيث تخرج الدعوة عن منهجها ومسارها المقرر وتناوئ الأوضاع القائمة مباشرة، وبذلك يجدون طريقة للإيقاع بالمسيح لدى الحاكم الروماني فكان هذا السؤال الخبيث.
      والواقع أنه ليس في استطاعة المسيح -عليه السلام- والقلة المسلمة معه ولا من منهج دعوته أن يرفضوا دفع الجزية للجابي الروماني، الذي يجمعها من كل رعايا الامبراطورية ويدفعها للطاغوت قيصر، ولكن هذا لا يعني أبداً أن المسيح عليه السلام يقر ذلك الواقع الظالم، ويعترف لقيصر بحق مساواة الله في خلقه ويجعله شريكاً له في ألوهيته كما فهمت الكنيسة.
      فالمسيح عليه السلام - لو صحت العبارة - وافق على إجراء مؤقت تقتضيه ضرورة الواقع وطبيعة الدعوة المرحلية.
      وإذا كانت دعوة الأنبياء في جوهرها واحدة، فإن أول فرض الجهاد في الإسلام كان إذناً وليس أمراً ((أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ))[الحج:39].
      وذلك أن القلة المسلمة في مكة كانت تطمع في الثأر لنفسها من الاضطهاد المرير الذي تلقاه من جبابرة مشركي قريش؛ كأن تغتال بعض المضطهدين مثلاً، أو تسلبهم شيئاً من أموالهم وراحتهم، واستأذنوا الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك، فكان الأمر من الله بكف اليد، ولذلك أجابهم الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إني لم أومر بهذا}.
      وذلك كي تظل الدعوة سائرة في منهجها المرسوم لا تستفزها تحركات الأعداء للإيقاع بها وإبادتها في مهدها.
      ولو قدر للمسيح -عليه السلام- أن تبلغ دعوته من القوة ما بلغت الدعوة الإسلامية عند الإذن بالجهاد لأذن لقومه بأن يرفضوا دفع الجزية لقيصر، بل لأمرهم بجهاد الرومان وإشهار عداوتهم.
      وبذلك يتضح أنه حتى في حالة ثبوت العبارة فإنها ذات مدلول جزئي مؤقت في مسألة فرعية، ولا يجوز أن يستنبط منه قاعدة أبدية عامة يفضي تطبيقها إلى إهمال شريعة الله، والتخلي عن إقامة دينه في واقع الحياة وإقرار أحكام الطاغوت.
      2- ''مملكتي ليست من هذا العالم'' بقطع النظر عن صحة نسبة هذه العبارة إلى المسيح عليه السلام أو عدمها، نجد أن الكنيسة فهمتها فهماً خاصاً، وجعلت هذا الفهم منهجاً وأصلاً من أصول عقيدتها تقاوم بها الفطرة البشرية والعقل السليم والتطور الإيماني المستقيم.
      فهمت الكنيسة من قول المسيح: ''مملكتي ليست من هذا العالم'' -إن كان قالها- أن الدنيا والآخرة ضرتان متناحرتان وضدان لا يجتمعان، الدنيا مملكة الشيطان ومحط الشرور والآثام، وعمل الإنسان فيها لتحسين أوضاعه المعاشية ومحاولة تحقيق القسط الملائم من السعادة والرفاهية والتمتع بطيبات وخيرات الكون، كلها أعمال دنسة يمليها الشيطان ليصرف الإنسان عن مملكة المسيح الخالدة (الآخرة)، والفقر وشظف العيش - حسب المفهوم الكنسي- هما مفتاح الملكوت الضامن، وتنسب الأناجيل إلى المسيح قوله: ''إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله'' .
      وبمقتضى ذلك لا يسأل الإنسان الله شيئاً من متاع الدنيا أو خيراتها العاجلة، بل يقتصر على ما طلبه المسيح حسب رواية الأناجيل (خبزنا كفافا) .
      والإنسان -حسب هذا المفهوم- يولد موصماً بالخطيئة الموروثة ويدخل إلى الدنيا دخول المجرم إلى السجن، وكما أن أباه أكل من الشجرة فعوقب بالطرد من الجنة وقضي عليه بالحرمان والنكد، فكذلك إذا تمتع بطيبات الدنيا وملاذها فسيعاقب بحرمانه من نعيم الملكوت.
      إذا كان هذا هو حال الدنيا وحال الإنسان فيها ففيم العناء لإصلاح ما وجد بطبيعته فاسداً؟ وما جدوى تقويم ما خلق من أصله معوجاً؟ ليتحكم الجبابرة في الناس وليستعبدوهم وليعبثوا في الكون كما يريدون، فسوف يحاسبهم المسيح يوم الدينونة! وليجمع الناس المال ويتمتعوا بالحياة الدنيا ويتزوجوا وينجبوا، فسوف يحرمهم ذلك من الدخول في ملكوت الله والفوز في الملأ الأعلى، أما المسيحي الكامل الإيمان، فما له ولهذه الأمور، أليس كل همه الخلاص من هذا المأزق! مأزق وجوده في هذه الأرض في مملكة الشيطان؟
      هكذا استخلصت الكنيسة من تلك العبارة وأشباهها مفهوماً سلبياً ضيقاً للحياة الدنيا، وبالتالي لمهمة الدين فيها، يائسة من إمكان إقامتها على الحق والعدل الإلهي، فحرفت المسيحية من عقيدة شاملة ذات منهج رباني كامل نزلت لتغيير الواقع الجاهلي المنحرف الذي يعيشه الناس، وإقامة واقع جديد تحكمه الشريعة المنزلة إلى نظرة بوذية قاصرة للدنيا، مشفوعة بآمال وأحلام مرتقبة في الآخرة، ورأت أن تنظيم شئون الدولة وتقويم النظم السياسية والاقتصادية وإصلاح الأوضاع الاجتماعية، ليس من دينها في شيء، لأن مملكة المسيح ليست من هذا العالم.
      ولا يعني هذا أن الكنيسة لم تمارس سلطات سياسية أو نفوذاً اجتماعياً، فقد كان منها ما لم يكن من أعتى القياصرة لكن هذه الممارسة تظل محدودة بنطاق المطامع الشخصية لرجال الدين، وكانت الرغبة في إشباع هذه المطامع، وليست الرغبة في إقامة دين الله وشرعه هما الدافع من ورائها، فكان البابا يهمه بالدرجة الأولى أن يتولى تتويج الملوك ويحصل منهم على الضرائب والجنود ولا يسمح بأدنى تساهل في ذلك، أما حكمهم بغير ما أنزل الله فلا شأن له به؛ لأن ذلك من اختصاص قيصر؛ ولأن مملكة المسيح ليست في هذا العالم.
      والواقع أن هذه العبارة كسابقتها لا تنهض دليلاً لما زعمته الكنيسة، بل إن لها -إن صحت- معنى آخر يوضحه السياق، وها هو سياقها كما ورد في إنجيل يوحنا: ''دخل بيلاطس -أيضاً- إلى دار الولاية، ودعا يسوع وقال له: أنت ملك اليهود. أجابه يسوع: أمن ذاتك تقول هذا أم آخرون قالوا لك عني؟ أجابه بيلاطس: العلي أنا يهودي؟ أمتك ورؤساء الكهنة أسلموك لي ماذا فعلت؟ أجاب يسوع: مملكتي ليست في هذا العالم، لو كانت مملكتي في هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلَّم لليهود، ولكن الآن ليست مملكتي من هنا'' .
      إن القضية لتبدو واضحة العيان، لقد دبر اليهود مكيدة أخرى، حيث رأوا أنه يمكن إيغار صدر (بيلاطس) على المسيح بتلفيق تهمة ضده، مفادها: أنه يدعي أنه ملك على اليهود، وزعيم سياسي يهدف إلى استقلال أمته عن الاستعمار الروماني والتبعية لقيصر، وهي تهمة كفيلة بتعريض المسيح ودعوته لأقسى العقوبات.
      تظاهر اليهود بالنصح للحاكم الروماني، والحدب على دولته، فحملوا المسيح إليه موجهين إليه هذه التهمة. حينئذ وقع بيلاطيس بين تيارين نفسيين: تيار النخوة الوطنية الرومانية، وتيار التعقل والروية الذي يبعثه في نفسه علمه بخبث طوية اليهود من جهة، وتيقنه من براءة المسيح من جهة أخرى، لذلك تردد كثيراً في الأمر وهم أخيراً بأن يطلق المسيح، فصرخ اليهود قائلين: (إن أطلقت هذا فلست محباً لقيصر، كل من يجعل نفسه ملكاً يقاوم لقيصر) .
      ولما رأى إصرارهم على صلب المسيح دفعه إليهم قائلاً: إن لكم شريعة تحاكمون إليها أبناء شعبكم فخذوا ملككم واصلبوه وفق شريعتكم، فصرخوا قائلين اصلبه أنت أما نحن فـ''ليس لنا ملك إلا قيصر'' .
      وأخيراً نجحت المكيدة، بل على الصحيح: هكذا ظن اليهود.
      ذلك موجز القصة كما رواها إنجيل يوحنا، وخلال التحقيق مع المسيح وردت هذه الكلمة عنه ''مملكتي ليست من هذا العالم'' كما يقول الإنجيل - وهو إن قالها، فإنما كان يريد أن يقول لـبيلاطس: لست ملكاً من النوع الذي تتصوره أنت واليهود، على طراز قيصر وكسرى؛ فإن الملك الذي تتخيلونه أنتم بمعنى العزة والمجد العريض والشرف الباذخ، ليس حظي منه في هذه الدنيا وإنما هو عند الله في دار كرامته الخالدة، وما دمت لست طامعاً في مناصبكم الدنيوية ومظاهركم الكاذبة، فما الذي يحملكم على تجريمي وبأي حق تدينوني؟
      لم يقل المسيح ولم يرد أن يقول: إنني بعثت إلى الضعفاء والعجزة لأعظهم في الكنائس، ولأعمر بهم الأديرة، وتعاليمي ليست سوى طقوس روحانية لا علاقة لها بالحياة، كما فهمت الكنيسة، فقد أعلن دعوته صريحة على الملأ: ''لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض، ما جئت لألقى سلاماً بل سيفاً''.
      ولم يقل كما قال اليهود: ليس لي ملك إلا قيصر، ولو قال ذلك أو شيئاً منه لربما سلم من الأذى وبرئ من التهمة، لكن حاشا أن يقول ذلك، وهو رسول الله الذي أرسله لهدم كل سلطان لغير الله في الأرض، ومهما ظل عاجزاً عن هدمه فلن يقر ويعترف به.
      ومع ذلك فقد كان يعلم من الله أن نهايته قد أوشكت، وأنه لن يكون له سلطان في هذه الحياة الدنيا، ولذلك لم يأمر أحداً من أتباعه بالدفاع عنه، بل أمر رجلاً منهم سل سيفه أن يغمده، وقال ذلك لـبيلاطس صريحاً: ''لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكيلا أسلَّم إلى اليهود، ولكن الآن ليست مملكتي من هنا''.
      وهكذا نرى -كما رأينا- أن الكنيسة تعمد إلى عبارات تنسبها الأناجيل إلى المسيح قيلت مجازاً، أو وردت في ظروف مؤقتة وملابسات خاصة لتقرر منها قواعد أصولية تؤسس عليها دينها المحرف دون مراعاة لمنطق الاستدلال ومقتضى التحقيق العلمي.
  6. الفصل الثاني: البدع المستحدثة في الدين النصراني

    1. توطئة

      أدَّى التحريف المتعمد لنصوص الوحي المسيحي والتأويلات البعيدة لأعمال المسيح وأقواله، تلك التي فتحت الكنيسة لها الباب على مصراعيه، إلى استمراء وتسويغ التصرفات الخاطئة التي تلت ذلك فيما بعد، ولما كانت تحريفات الكنيسة تخبطات عشوائية لا ترتكز على قواعد محددة وليس لها ضوابط رادعة، فقد ظل المجال فسيحاً لإضافات أكثر وثغرات أعمق، وكان للمطامع الدنيوية والرغبات الشخصية الفضل الأكبر في دفع الموجة قدماً وتوجيهها كما يراد.
      يضاف إلى ذلك الحماقات التي ترتكب بطريق السذاجة والبله من بعض المنتسبين إلى الدين، ولا تجد من ينكرها أو يحاصرها، فتصبح مع مرور الزمن طقوساً وشعائر دينية.
      كل ذلك تعرضت له النصرانية، فاستحقت أن توصم بأنها ديانة تركيبية أو بوتقة انصهرت فيها عقائد وخرافات وآراء متباينة، شكلت ديناً غير متسق ولا متجانس.
      ونظراً لصعوبة التمييز بين الصحيح من الزائف والأصلي من المبتدع في الدين النصراني، فقد تباينت وجهات نظر النقاد الغربيين وتباعدت شقة الخلاف بينهم، فغالى بعضهم إلى حد التصريح بأن النصرانية ديانة وضعية أرقى تكويناً وأدق تنظيماً من الديانات السابقة التي ابتكرها الإنسان -بزعمهم- منذ فجر التاريخ، وأن طقوسها وشعائرها هي امتداد للطقوس الطوطمية والشعائر الوثنية، التي كانت سائدة بين القبائل الهمجية القديمة.
      وبالمقابل تعصب آخرون - لاسيما ذوي الميول الدينية - للرأي القائل بأن الدين النصراني - مكتملاً - دين سماوي على الحقيقة، وأن كل ما في الأناجيل وحي صادق، وأن أعمال الكنيسة مشروعة يقرها ويمليها المسيح، فليس شيء منها يستحق أن يوصف بأنه بدعة محدثة أو إضافة خاطئة، وتظل الكلمة الفصل في الموضوع، كما هي دائماً، في القرآن الكريم الذي نزل مهيمناً على ما قبله من الكتب، ويظل الرأي الذي يصح أن يوصف بأنه موضوعي ونزيه - في هذه المسألة وأشباهها - من نصيب الباحث المسلم وحده.
      لقد سبق أن تحدثنا عن تحريف المسيحية - عقيدة وشريعة - والتحريف في ذاته بدعة خطرة، لكن الأمر لم يقتصر على تحريف ما هو موجود بالفعل، بل انتقل إلى إحداث ما لم يكن وابتداع تعاليم وضعية أُلصقت بـالمسيحية وأُدخلت في صلبها، وربما كانت بدعة رجال الدين - كما يسمون - أبعد البدع أثراً، لأن البدع الأخرى لم تكن لتنمو لولا أن رجال الدين هم الذين ابتدعوها وأقروها وأضفوا الشرعية عليها لذلك سنبدأ بالحديث عن هذه البدعة، ثم نعقب ببعض البدع الأخرى لتكون نماذج وأمثلة شاهدة على ما نقول.
    2. أولاً: رجال الدين الإكليروس

      ترى النظرة الجاهلية للتاريخ المتأثرة بنظرية التطور أن حياة البشر الدينية والاجتماعية مرت بثلاث مراحل رئيسية:
      1- مرحلة السحر والخرافة.
      2- مرحلة الدين.
      3- مرحلة العلم.
      وفي المرحلة الأولى كان الفكر البشري يعيش أدنى أطواره وأحطها، وكان الإنسان آنذاك يرى أن حياته مرتبطة بأسباب خفية لا يستطيع إدراكها، فلجأ إلى السحر والشعوذة اللذين يستطيعان التأثير بطريقة غير محسوسة، وكلما ازداد وعي الإنسان بحياته وتفرعت آماله ومطامعه، ازداد تعلقه بالسحرة والكهان، لدفع الأرواح الشريرة التي تسبب له الضرر في نظره ولجلب المنافع المعيشية المتنوعة، وبمرور الزمن أصبح السحرة والكهان يتمتعون بأسمى المراكز الاجتماعية لدى الهمج، فآلت إليهم زعامات القبائل، وفرضوا سلطاناً مادياً لأنفسهم في أموال ونساء أتباعهم.
      وبعد اكتشاف الزراعة واستقرار الحياة الإنسانية، بُنيت المعابد والهياكل وأصبح بعض الكهان ملوكاً يتوارثون الحكم، بينما ظل البعض الآخر يرأس المعابد والهياكل التي كانت تدر عليهم الشرف العريض والمال الوفير.
      وبانتقال الإنسان إلى المرحلة الثانية "مرحلة الدين" بقيت رواسب موروثة عن المرحلة الأولى، من أبرزها طبقة رجال الدين الذين ليسوا سوى امتداد للسحرة والكهان في المرحلة السالفة، وظلوا يقومون بالمهمة نفسها التي كان يتولاها أولئك من قبل، والفارق الوحيد هو أن هؤلاء يستمدون سلطتهم من الدين بينما يستمدها أولئك من السحر.
      هذا هو التعليل الجاهلي لظهور رجال الدين، وهو تعليل قاصر لأنه ينكر الوحي الإلهي ويغفل، عامداً، الفترات المضيئة التي تخللت التاريخ البشرى منذ البدء، وهي الفترات التي شهدت مبعث الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ((وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلا فِيهَا نَذِيرٌ))[فاطر:24]، ويقصر نظره على فترات الانحراف عن منهج الله، تلك التي طغت عليها الخرافات والشركيات، وتحول فيها أتباع الأنبياء إلى سدنة أوثان ومشعوذين وكهان.
      والتصور الإسلامي للتاريخ ينظر إلى الحياة البشرية على أنها خطان متوازيان: خط مشرق يمثل البشرية حين تهتدي إلى الله وتسلك طريق الأنبياء الذين يتعاقبون لردها إلى جادة الطريق، وخط آخر مظلم يمثل حزب الشيطان وفترات الضلال الذي طرأ على البشرية بعد أن كانت أمة واحدة على الإيمان، والسمة العامة للتاريخ هي الصراع بين الهدى والضلال، بين الحق والباطل.
      ونحن لا ننكر التشابه الظاهر بين رجل الأكليروس في المسيحية وبين السحرة والكهان في العصور السابقة، لكننا نرجع ذلك إلى كون الطائفتين انحرفتا عن أصل صحيح واحد ولا نمضي أبعد من ذلك، أما التعليل المباشر الذي يوضح الأصل الحقيقي لرجال الدين، فهو أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى عليه السلام، واحتفظ بها الأحبار من بعده، فكان الأمر يقتضي وجود عدد من ذوي الموهبة والعناية يتفرغون لحفظ الكتاب وشرح تعاليمه وتأويل مشكله وإيضاح أحكامه، كي يسير عليها الفرد والمجتمع، وأمر الله تعالى هؤلاء العلماء أن يكونوا ربانيين بما كانوا يعلمون الكتاب وبما كانوا يدرسون، ونهاهم عن كتمان شيء منه أو تحريفه أو شراء شيء من عرض الدنيا به، لكن الأمر آل إلى أن كثيراً من الأحبار أغرتهم المطامع الدنيوية الزائلة واشتروا بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً، ضيعوا الأمانة وفرطوا في الحفظ وفرضوا لأنفسهم سلطة دنيوية، يأكلون أموال الناس بالباطل ويتقبلون القرابين ويفرضون على الناس العشور باسم الهياكل والبيع، مستغلين منصبهم الديني أسوأ استغلال.
      وبذلك استحقوا المقت من الله، وكانوا مثلاً سيئاً وقدوة طالحة لمن جاء بعدهم، ثم بعث الله عيسى بن مريم عليه السلام ومعه الإنجيل، فحذر أتباعه أبلغ تحذير من اقتفاء أثر أحبار اليهود الذين كان المسيح يسميهم "بائعي العهد، أولاد الأفاعي، عباد الدنيا" ودعا قومه إلى الاتصال المباشر بالله والتوبة إليه والخضوع له وحده دون سواه، وكان يوصي الحواريين والتلاميذ، قائلا": "رؤساء الأمم يسودونهم والعظماء يتسلطون عليهم فلا يكون هكذا فيكم" .
      لكن القسيسين والرهبان لم يكونوا أفضل حالاً من الأحبار، فقد سلكوا الطريق نفسها وانصاعوا إلى الدنيا مستعبدين أتبعاهم المؤمنين، وساعد وجودهم ضمن الامبراطورية الرومانية على تثبيت مراكزهم وتدعيمها، وذلك بأنهم اقتبسوا من الأنظمة والهياكل السياسية للدولة فكرة إنشاء أنظمة وهياكل كهنوتية، وكما كانت هيئة الدولة تمثل هرماً قمته الامبراطور وقاعدته الجنود، كانت الهيئة الكنسية تمثل هرماً مقابلاً قمته البابا وقاعدته الرهبان، ونتيجة لمبدأ فصل الدين عن الدولة رعت الامبراطورية الهرم الكنسي ولم تر فيه ما يعارض وجودها فرسخ واستقر.
      يقول المؤرخ الإنجليزي ويلز، في معرض الفرق بين مسيحية المسيح ومسيحية الكنيسة -كما سبق- أن تعاليم يسوع الناصري تعاليم نبوية من الطراز الجديد الذي ابتدأ بظهور الأنبياء العبرانيين، وهي لم تكن كهنوتية، ولم يكن لها معبد مقدس حبساً عليها ولا هيكل، ولم يكن لديها شعائر ولا طقوس، وكان قربانها "قلباً كسيراً خاشعاً " وكانت الهيئة الوحيدة فيها هيئة من الوعاظ، وكان رأس ما لديها من عمل هو الموعظة.
      "بيد أن مسيحية القرن الرابع الكاملة التكوين، وإن احتفظت بتعاليم يسوع في الأناجيل "كنواة لها"، كانت في صلبها ديانة كهنوتية من طراز مألوف للناس من قبل منذ آلاف السنين، وكان المذبح مركز طقوسها المنمقة والعمل الجوهري في العبادة فيها، هو القربان الذي يقربه قسيس متكرس للقداس، ولها هيئة تتطور بسرعة مكونة من الشمامسة والقساوسة والأساقفة".
      وكان من الأسس الباطلة التي بنى عليها رجال الدين مبررات وجودهم مبدأ "التوسط بين الله والخلق"، الذي يقتضي ألاَّ يذهب الإنسان إلى رجل الدين ليعلمه كيف يعبد الله، بل ليعبد الله بواسطته، وليس للمذنب أن يتجه بتوبته إلى الله، طالباً الصفح والمغفرة، بل عليه أن يتجه إلى رجل الدين معترفاً أمامه بذنبه ليقوم بالتوسط لدى الله فيغفر له، وحسب هذا المبدأ نصب رجال الدين أنفسهم أنداداً لله تعالى وأوقعوا أتباعهم في الشرك الأكبر ((اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ))[التوبة:31] وفوق كونه مبدأً باطلاً شرعاً، ساقطاً عقلاً، فإنه ليس في الأناجيل -رغم تحريفها- ما يدل على أن المسيح أقره أو دعا إليه.
      وقد ترتب على هذا المبدأ آثار سيئة للغاية، منها: احتكار رجال الدين لحق قراءة وتفسير الإنجيل، ثم مهزلة صكوك الغفران، وكذلك الانشقاقات الدينية المتوالية التي دمرت الحياة بصفة عامة، وأخيراً كان هذا المبدأ إحدى الحجج التي سلها ملاحدة القرن السابع عشر فما بعد، في وجه الأديان عامة والمسيحية خاصة، وسيأتي تفصيل هذه الأمور في أبوابها بإذن الله.
      يقول العالم الفرنسي المهتدي "ناصر الدين دينيه": ''الوسيلة هي إحدى كبريات المسائل التي فاق بها الإسلام جميع الأديان، إذ ليس بين الله وعبده وسيط، وليس في الإسلام قساوسة ولا رهبان، إن هؤلاء الوسطاء هم شر البلايا على الأديان وإنهم لكذلك مهما كانت عقيدتهم ومهما كان إخلاصهم وحسن نياتهم، وقد أدرك المسيح نفسه ذلك، ألم يطرد بائعي "الهيكل "؟ غير أن أتباعه لم يفعلوا مثلما فعل، واليوم لو عاد عيسى فكم يطرد من أمثال بائعي الهيكل؟''
      "كذلك ما أكثر البلايا والمصائب، بل ما أكثر المذابح والمجازر التي يكون سببها هؤلاء الوسطاء، سواءً كانت بين العائلات وبعضها أو بين الشعوب والشعوب، وهم في ذلك كله يصيحون: باسم مجد الله" .
      أما السلطة الكهنوتية، الطاغية، فإنها تستند إلى أسانيد واهية لا بد من مناقشتها:
      لقد مر معنا -وسيظل- حقيقة تاريخية واضحة هي أن الافتراء على الله من جهة وسوء الفهم والخطل في الاستنباط من جهة أخرى، أمران ملازمان للكنيسة ملازمة الظل لأصله، وقد أخذ الله تعالى على أهل الكتاب هذه الأخطاء المتكررة ((تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ))[الأنعام:93].. ((يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ))[النساء:46].
      وجرياً على ذلك تزعم الكنيسة أن المسيح قال لـبطرس كبير الحواريين: " أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها، وأعطيك مفاتيح ملكوت السموات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السموات، وكل ما تحله على الأرض يكون محلولاً في السموات" .
      فهمت الكنيسة من هذا القول: أن المسيح يعني أن السلطة الدينية المهيمنة باسمه سترتكز في الموضع الذي يموت فيه كبير الحواريين بطرس، ومن هذا المركز تمد أجنحة نفوذها على العالم أجمع وتحكمه باسم المسيح، وبما أن المسيح بطرس -كما تقول الكنيسة- مات في رومة، فإن رومة هي قاعدة المسيح لحكم العالم، وفيها مقر الكنيسة التي يرأسها ممثل المسيح ورسوله "البابا " المعصوم عن الخطأ، وكل ما تقرره الكنيسة هذه هو عين الصواب، إذ أن المسيح بواسطة الروح القدس هو الذي يملي عليها تصرفاتها، ومادام أنها تعمل باسم الله، وتحل وتبرم حسب مشيئته، بل هو يحل ويبرم حسب مشيئتها -تعالى الله على ذلك علواً كبيراً- فطاعتها واجبة، وقراراتها إلزامية لكل المؤمنين بالمسيح، وليس على الأتباع إلا الطاعة العمياء والانقياد الذي لا يعرف جدلاً أو نقاشاً، والذنب الذي لا يغتفر هو أن تصادم أوامر الله، التي هي أوامر الكنيسة، بواسطة العقل البشرى أياً كان صاحبه، والخارج على سلطة الكنيسة أو الناقد لقرارات مجامعها كافر "مهرطق" تحل عليه اللعنة والحرمان من دخول الملكوت، مهما بلغت وجاهة رأيه بل مهما كانت سوابقه وخدماته للمسيحية وللكنيسة نفسها.
      أما إذا كان المتمرد على الكنيسة وسلطتها حاكماً أو شعباً، فإن الجيوش المقدسة ستسحقه بأقدامها، إرضاءً للمسيح.
      ذلك هو زعم الكنيسة التي تحول إلى واقع تاريخي عاد بأسوأ النتائج على أوروبا والعالم أجمع، ونحن لا نملك حياله إلا موقفاً واحداً صريحاً هو موقف الإنكار القاطع لنسبة هذا القول إلى رسول الله المسيح عليه السلام.
      إن هذا القول يخدش التوحيد الذي دعا إليه الأنبياء كافة، ويمس العقيدة الإيمانية الصحيحة في جوهرها، وهو من نوع دعوى الأناجيل الزاعمة أن المسيح قال: " أنا ابن الله " سواءً بسواء، بل أن إنجيل متى ليصرح بأن المسيح إنما قال ذلك لـبطرس مكافأة له على قوله: ''أنت المسيح ابن الله الحي'' ولقد قال الحق -تبارك وتعالى- ((مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ))[آل عمران:79/80].
      فالأنبياء دعاة التوحيد ورسل الحق، لا يتصور أن تصدر عنهم دعوى فيها شائبة من شرك، وحاشا أن يزعم أحد منهم لنفسه شيئاً من خصائص الألوهية فضلاً على أن يهبه لغيره.
      والمسيح -عليه السلام- بشر رسول لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، فكيف يجوز أن ينسب إليه أنه يمتلك مفاتيح الملكوت التي لا يملكها إلا الله وحده؟ وإذا كنا ننكر جازمين أن يملكها المسيح فلا معنى للجدال في كونه وهبها لـبطرس أو لم يهبها، وكون الكنيسة ورثتها من بطرس أو لم ترثها، فالخطأ هنا أساسي لا يمكن إقراره، كما لا يمكننا أن نقر بأن المسيح إله.
      ومع ذلك فليس في استطاعة الكنيسة أن تقنع أي باحث علمي بصحة مزاعمها بطريق الأدلة اليقينية، ولا يستطيع أي إنسان ذي عقل سليم أن يساير منطقها الأعوج ويؤمن بمسلماتها العمياء.
      وقد سخر الكاتب الأمريكي "جرين برنتن" من استدلال الكنيسة بهذه الفقرات، وأرجع السبب في وقوع الكنيسة في هذا الخطأ إلى التشابه الشكلي بين لفظتي "بطرس" و"صخرة"
      وإذا كان مفسرو الأناجيل المتعصبون لدينهم يصرحون بأن آيات كثيرة في الأناجيل لا أصل لها -كما سبق- في مبحث التثليث - فما بالك بالنقاد والمفكرين من غير رجال الكنيسة، فضلاً عن المسلم الذي ينفرد بمعلومات يقينية لا يتطرق الشك إليها.
      ومن وجهة نظر التاريخ لا يمكن تبرير الشناعات التي ارتكبتها الكنيسة والحروب الطاحنة التي عرقلت مسيرة الحضارة وأزهقت أرواح الأبرياء، والاستبداد والطغيان اللذين مارسهما رجال الدين في كل شئون الحياة، والوقوف المستمر في صف الطغاة والظلمة ضد الشعوب البائسة، ومحاكم التفتيش، وإحراق العلماء، وبقية الجرائم الأخرى لا يمكن أن تبرر ذلك بأن المسيح أورث سلطانه وملكوته للسلطة الكهنوتية الغاشمة.
      وبالإضافة إلى ذلك لو راجعنا إنجيل متى الذي أورد هذا الافتراء لوجدنا المسيح بعد ثلاث فقرات فقط من هذا القول يخاطب بطرس قائلاً: "اذهب عني يا شيطان، لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس..." فكيف يتسق هذا الوصف وهذه التهمة مع الهبة السابقة والتكريم الذي لا حد له؟.
      ثم لماذا تنظر الكنيسة إلى هذا القول وأضرابه، وتغض الطرف عن مثل قول المسيح الصريح: ''رؤساء الأمم يسودونهم والعظماء يتسلطون عليهم، فلا يكون هكذا فيكم'' وقوله: ''أحبوا أعداءكم أحسنوا إلى مبغضيكم، باركوا لاعنيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم'' .
    3. ثانياً: الرهبانية

      للوجود الإنساني في هذه الأرض غاية سامية أرادها الخالق سبحانه منذ أن اختار الإنسان للقيام بالمهمة العظمى "الخلافة في الأرض"، وأناط به مسئولية عمرانها بالصلاح والخير، ولكيلا ينسى الإنسان الغاية من وجوده، ولتقوم عليه الحجة أمام خالقه، جعل الله تعالى تلك الغاية جزءاً من تكوينه، مودعاً إياها في أعماق نفسه، ((فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ))[الروم:30]، وبعث إليه الرسل تترى ليكونوا نماذج حية لتحقيق هذه الغاية الإيجابية والدعوة إليها.
      لكن الناس -بإغواء الشيطان لهم- يضلون الطريق، فيغفلون عن غاية وجودهم، منغمسين في حدود المطالب الحيوانية العاجلة، أو يتصورون هذه الغاية على غير حقيقتها، فتضل أعمالهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
      ومن تصور هذه الغاية على غير حقيقتها، الاعتقاد بتفاهة الحياة الدنيا إلى درجة إسقاط القيمة التي جعلها الله لها، والغلو في تهذيب النفس البشرية إلى حد التضييق والتعذيب، مع صرف النظر عن عمارة الكون التي هي جزء من الغاية العظمى.
      وما الرهبانية التي عرفها الناس منذ القدم إلا تطبيق عملي للتصور السلبي الخاطئ الذي نشأ عن الجهل بطبيعة الإنسان ومهمته في الوجود.
      ومع أن الرهبانية بدعة بشرية مشتركة بين أديان عديدة، نلاحظ أن للرهبانية النصرانية ظروفاً وأسباباً بارزة تضافرت على إيجادها وتنميتها، حتى أصبحت أبرز مظاهر الدين الكنسي على مر العصور.
      أسباب الرهبانية:
      1- عقيدة الخطيئة الأصلية الموروثة: إحدى التعاليم الكبرى في المسيحية المحرفة، وموجزها أن آدم عليه السلام أكل من الشجرة "شجرة المعرفة!" فعاقبه الله بالطرد من الجنة وأسكنه التراب، وظل الجنس البشري يرسف في أغلال تلك الخطيئة أحقاباً متطاولة، حتى أنزل الله ابنه -تعالى على ذلك علواً كبيراً- ليصلب فداءً للنوع الإنساني، وليبين للناس طريق الخلاص من هذه الخطيئة، فأصبح لزاماً على الإنسان أن يقتل نفسه لمنحها الخلاص، يقول إنجيل متى: ''من أراد أن يخلص نفسه يهلكها'' .
      ويقول إنجيل لوقا: ''من طلب أن يخلص نفسه يهلكها ومن أهلكها...'' .
      ولما كانت المرأة -حسب رواية سفر التكوين- هي التي أغرت الرجل بالأكل من الشجرة، فإن النصرانية المحرفة ناصبت المرأة العداء، باعتبارها أصل الشر ومنبع الخطيئة في العالم، لذلك فإن عملية الخلاص من الخطيئة لا تتم إلا بإنكار الذات وقتل كل الميول الفطرية والرغبات الطبيعية، والاحتقار البالغ للجسد وشهواته لا سيما الشهوة الجنسية.
      ومن ناحية أخرى تولد عن الشعور المستمر بالخطيئة أن قنط كثيرون من رحمة الله، فلا يكاد أحدهم يقترف كبيرة حتى تظلم الدنيا في عينيه، ويثأر من نفسه بإرغامها على الالتحاق بأحد الأديرة والمترهبين فيه.
      2- رد الفعل المتطرف للمادية اليهودية الجشعة والأبيقورية الرومانية النهمة:
      فقد بعث الله عبده ورسوله المسيح بين ظهراني فئتين يربطهما رباط التهالك على الدنيا، والتفاني في سبيل ملذاتها، والعبودية الخانعة لشهواتها، هما: قومه اليهود أجشع بني الإنسان وأشدهم تعلقاً وتشبثاً بالحياة، ومستعمروهم الروم الغارقون إلى آذانهم في مستنقع الحياة البهيمية وأوكار الشهوات الدنسة، فكان المسيح عليه السلام - بأمر الله - يعظهم بأبلغ المواعظ، ويذكرهم بالآخرة أعظم تذكير، ويضرب لهم الأمثال المتنوعة، ويقص عليهم القصص المؤثرة، كل ذلك لكي يرفعهم من عبودية الدنيا إلى عبادة الله، ويفتح عيونهم على ما ينتظرهم في العالم الآخر من الأهوال، فيحسبوا له الحساب، وآمن بالمسيح قوم تأثرت أنفسهم، واتعظت قلوبهم بما سمعوا منه، لكنهم مع مرور الزمن ورد فعل منهم للضغط المادي عليهم، غلوا واشتطوا حتى خرجوا عن حدود ما يأمرهم به الوحي وتمليه الفطرة السوية، ونسبوا إلى المسيح أنه أمر الغني أن يتجرد من أمواله، ويحمل الصليب ويتبعه، وقال: "مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله "، وأنه أوصى تلاميذه قائلاً: ''لا تقتنوا ذهباً ولا فضةً ولا نحاساً في مناطقكم، ولا مزوداً للطريق، ولا ثوبين، ولا أحذية، ولا عصاً'' .
      3- الأثر الذى خلفته الفلسفات ووثنيات التهربية القانطة:
      كان العالم في العصر الواقع بين وفاة المسيح ومبعث محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعيش فترة من انقطاع الوحى، والمتعطش إلى دين حقيقى لم تستطع المسيحية المحرفة أن تسدها، فاستبدت الحيرة والضلال بكثير من ذوي التفكير العميق والإحساس المرهف، فابتكروا، أو اعتنقوا، فلسفات تنم عن التذمر والتهرب من الحياة، وتقوم على التأمل والاستغراق في عالم ما وراء المادة، وخير مثال لذلك الفلسفة الرواقية.
      وكان إلى جانب ذلك وثنيات قاتلة تقهر الجسد على حساب الروح وتقدس اليأس والتقشف، كـالبوذية والبرهمية.
      ولما كان بولس - محرف المسيحية الأكبر - مطلعاً على هذه الفلسفات والوثنيات متأثراً بآرائها، فقد لقح بها ديانته الوضعية، وأدخلها في صلب مسيحيته، ثم توارثها الأتباع من بعده، ومن اقتباسات بولس النظرة المتشائمة إلى الحياة الدنيا ومتاعها.
      وقد أثرت هذه الاعتقادات وما اقتبسته المسيحية المحرفة منها في رواج الرهبانية وشيوعها في القرون التي تلت المسيح.
      يقول صاحب "معالم تاريخ الإنسانية": ''كانت الأديرة موجودة في العالم قبل ظهور المسيحية، وفي الفترة التي ألمَّ فيها الشقاء الاجتماعي باليهود، قبل زمان يسوع الناصري، كانت طائفة من النساك الأسينيين تعيش منعزلة في مجتمعات وهبت نفسها لحياة تقشفية من الوحدة والطهر وإنكار الذات، كذلك أنشأت البوذية لنفسها مجتمعات من رجال اعتزلوا غمرة الجهود العامة والتجارة في العالم ليعيشوا عيشة التقشف والتأمل'' . ''ونشأت في زمن مبكر جداً من تاريخ المسيحية حركة مشابهة لهذه تتنكب ما يغمر حياة الناس اليومية من منافسة وحمية وشدائد، وفي مصر على وجه الخصوص، خرجت حشود كبيرة من الرجال والنساء إلى الصحراء، وهناك عاشوا عيشة عزلة تامة، قوامها الصلوات والتأملات، وظلوا يعيشون في فقر مدقع في الكهوف أو تحت الصخور على الصدقات التي تقذفها إليهم الصدفة من أولئك الرجال الذين يتأثرون بقداستهم'' .
      4- الأوضاع الاجتماعية القاسية: كان المجتمع الروماني مجتمعاً طبقياً ظالماً، تكدح فيه قطاعات ومجموعات كبيرة لصالح أفراد قلائل، وكان سكان المستعمرات خاصة يعانون البؤس وشظف العيش إلى جانب الظلم والطغيان، فقنط كثيرون من الحياة، ورأوا أن خير وسيلة للتخلص من خدمة الأسياد والحصول على العيش ولو كفافاً، هو دخول الأديرة حيث ينفق عليهم من تبرعات المحسنين وأوقاف الكنيسة، ويذكر صاحب كتاب "قصة الحضارة" أن "الآلاف من الشباب كانوا يدخلون الأديرة فراراً من الخدمة العسكرية التي فرضها الرومان"
      نظام الرهبانية:
      يتضمن نظام الرهبانية شروطاً لا بد من تحقيقها في الراهب منها:
      1- العزوبة: أهم شروط الرهبانية، إذ لا معنى للرهبانية مع وجود زوجة، ومعلوم أن المسيح عليه السلام، لم يتزوج، وينسب إنجيل متى إلى المسيح قوله: ''يوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السموات من استطاع أن يقبل فليقبل'' .
      على أن التنفير من المرأة وإن كانت زوجة، واحتقار وترذيل الصلة الجنسية وإن كانت حلالاً، من أساسيات المسيحية المحرفة، حتى بالنسبة لغير الرهبان، يقول " سان بونافنتور " أحد رجال الكنيسة: ''إذا رأيتم امرأة فلا تحسبوا أنكم ترون كائنا بشرياً، بل ولا كائناً حياً وحشياً، وإنما الذي ترون هو الشيطان بذاته والذي تسمعون هو صفير الثعبان'' .
      وكان من المشاكل المستعصية على الكنيسة مشكلة زواج رجال الدين غير الرهبان أو تسريهم، و(كانت الكنيسة منذ زمن بعيد تعارض زواج رجال الدين بحجة أن القس المتزوج يضع ولاءه لزوجه وأبنائه في منزلة أعلى من إخلاصه للكنيسة).... (وأنه سيحاول أن ينقل كرسيه أو مرتبته لأحد أبنائه، يضاف إلى هذا أن القس يجب أن يكرس حياته لله وبني الإنسان، وأن مستواه الأخلاقي يجب أن يعلو على مستوى أخلاق الشعب وأن يضفي على مستواه هذه المكانة التي لا بد منها لاكتساب ثقة الناس وإجلالهم إياه '' بوجوب التبتل على رجال الدين وتطليق زوجات المتزوجين منهم، وكان لهذا الأمر آثار امتدت إلى القرن السادس عشر وانتهت بانتصار الكنيسة'' .
      وإذا كان هذا هو الحال مع غير الرهبان، فلنتصور كيف تكون الحال معهم!
      2- التجرد الكامل عن الدنيا: ويعنى ذلك: العزلة النهائية عن المجتمع، وقطع النظر عن كل أمل في الحياة، والرضا من الرزق بالكفاف، وعدم الاهتمام بالمطالب الجسدية حتى الضروري منها كالملابس والنظافة، وإذا كانت المسيحية المحرفة تأمر الأفراد العاديين باحتقار الحياة وتعده من أولى الواجبات، فبديهي أن تكون معاملة الراهب أقسى وأعتى.
      يقول صاحب كتاب " المشكلة الأخلاقية والفلاسفة ": ''لنقرأ هذا السفر الطريف (محاكاة المسيح)، إنه سفر من أكبر أسفار التبتل المسيحي، ولنطلب بين صحائفه مظاهر الحياة المسيحية بمعناها الصحيح، وأن ما نجده لمعبر عن الحال أبلغ عبارة: احتقار أساسى لكل علم، حتى يشمل ذلك علم الإلهيات، واحتقار أصيل لكل ما نسميه خيرات هذا العالم: الثراء والشرف الاجتماعي، حتى المركز الوسط، وإنه لحتم علينا أن نستشعر دائماً التواضع والندم، وأن نمارس عملياً على الدوام التضحية وكل مظهر تمليه الرحمة، وأن نجمع حواسنا في صمت وذهول تام وتأمل ديني ينسى المرء فيه كيانه، يجب أن نقتل فينا كل ميول دنيوي، يجب أن يموت عالم الرغبة، يجب أن نبدأ من هذا العالم الزائل ما سوف يُكوِّن لنا الوجود الأبدي'' .
      ثم يعلق على هذه التعاليم قائلاً:
      "عظمة وعلاء؛ ولكنه قضاء قاسٍ على الإنسانية، وإن التطبيق الكامل لمثل تلك المبادئ ليمكن أن يملأ الأرض بأديرة فيها الرجال من جهة والنساء من جهة أخرى، ينتظرون في طهارة وتأمل الزوال النهائي للنوع الإنساني" .
      3- العبادة المتواصلة: يفرض نظام الحياة الرهبانية على الراهب أن يكون في حالة عبادة مستمرة يمليها عليه الأب، ولا يستطيع التردد في الطاعة، بل عليه أن يجهد نفسه ويرهفها ويكلفها ما لا تطيقه من الصلوات والصيام والتراتيل والترانيم وسائر الطقوس، وإذا سئم من ذلك أو قصر في شيء منه فإن للنظام عقوباته الرادعة... ولنأخذ نموذجاً لذلك تعاليم القديس "كولمبان" الذي أسس الأديرة في جبال الفوج بـفرنسا، ومن تعاليمه: " يجب أن تصوم كل يوم، وتصلي كل يوم، وتعمل كل يوم وتقرأ كل يوم، وعلى الراهب أن يعيش تحت حكم أب واحد ".
      "ويجب أن يأوي إلى الفراش وهو متعب يكاد يغلبه النوم وهو سائر في الطريق، وكانت العقوبات صارمة أكثر ما تكون بالجلد: ستة سياط إذا سعل وهو يبدأ ترنيمة، أو نسي أن يدرم أظافره قبل تلاوة القداس، أو تبسم أثناء الصلاة، أو قرع القدح بأسنانه أثناء العشاء الرباني ".
      " وكانت اثنا عشر سوطاً عقاب الراهب إذا نسي أن يدعو الله قبل الطعام، وخمسون عقاب المتأخر عن الصلاة، ومائة لمن يشترك في نزاع، ومائتان لمن يتحدث من غير احتشام مع امرأة.
      وأقام " كولمبان " نظام الحمد الذى لا ينقطع، فقد كانت الأوراد يتلوها بلا انقطاع ليلاً ونهاراً طائفة بعد طائفة من الرهبان " يوجهونها إلى عيسى ومريم والقديسين"
      4- التعذيب الجنوني: لم يقتصر الأمر على ما ذكره بل كما هي طبيعة البدع تجاوز ذلك إلى تصرفات جنونية تشمئز لها الفطر السليمة، ابتدعها بعض الرهبان ليعبروا عن قوة إيمانهم وعمق إخلاصهم لمبدئهم، (وروى المؤرخون من ذلك عجائب فحدثوا عن الراهب ماكاريوس أنه نام ستة أشهر في مستنقع ليقرض جسمه العاري ذباب سام، وكان يحمل دائماً نحو قنطار من حديد، وكان صاحبه الراهب يوسيبيس يحمل نحو قنطارين من حديد...، وقد أقام ثلاثة أعوام في بئر نزح... وقد عبد الراهب يوحنا ثلاث سنين قائماً على رجل واحدة، ولم ينم ولم يقعد طوال هذه المدة، فإذا تعب جداً أسند ظهره إلى صخرة. وكان بعض الرهبان لا يكتسون دائما، وإنما يتسترون بشعرهم الطويل ويمشون على أيديهم وأرجلهم كالأنعام، وكان أكثرهم يسكنون في مغارات السباع والآبار النازحة والمقابر، ويأكل كثير منهم الكلأ والحشيش، وكانوا يعدون طهارة الجسم منافية لنقاء الروح، ويتأثمون عن غسل الأعضاء، وأزهد الناس عندهم وأنقاهم أبعدهم عن الطهارة، وأوغلهم في النجاسات والدنس، يقول الراهب اتهينس: إن الراهب أنتوني لم يقترف إثم غسل الرجلين طوال عمره، وكان الراهب أبراهام لم يمس وجهه ولا رجله الماء خمسين عاماً، وقد قال الراهب الإسكندري بعد زمان متلهفاً: واأسفاه، لقد كنا في زمن نعد غسل الوجه حراماً، فإذا بنا الآن ندخل الحمامات" .
      وهناك "راهب منعزل اخترع درجة جديدة من الورع يربط نفسه بسلسلة إلى صخرة في غار ضيق " وأما القديس كولمبان فـ(كانت السناجب تجثم على كتفيه، فتدخل في قلنسوته وتخرج منها" وهو ساكن.
      نتائج الرهبانية:
      من سنن الله في الكون أن كل مبدأ أو نظام لا يساير الفطرة البشرية فإن مآله إلى الخسران والفناء، ومصير أتباعه شقاء مطبق وضياع مرير، لا يستطيع أحد أن يأتي بدين يوائم الفطرة إلا خالقها جل شأنه، ولذلك كان المبتدعون وواضعو المذاهب البشرية أكثر شيء إساءة إلى الجنس البشري.
      وما من شك في أن الرهبانية ليست من فطرة الإنسان ولا من غايات وجوده، بل هي على النقيض من ذلك، ولهذا لم يأمر بها الله ولم يشرعها ((وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا))[الحديد:27] فهي بدعة حتى بالنسبة للذين تطوعوا بإلزام أنفسهم بها مدفوعين بالحرص على رضاء الله، فما بالك بها بعد أن انخرط في سلكها الفساق وطلاب الدنيا؟
      إن المرء لا تقع عينه على مؤلف من مؤلفات تاريخ الغرب في عصوره الوسطى، إلا ويرى فيه ما يشين ويلطخ الحياة الرهبانية من الفضائح الشنيعة والدعارة التى لا تضارعها دعارة مواخير الفساد.
      يقول رئيس دير كلوني: إن بعض رجال الدين في الأديرة وفي خارجها يستهترون بابن العذراء استهتاراً يستبيحون معه ارتكاب الفحشاء في ساحاته نفسها، بل في تلك البيوت التى أنشأها المؤمنون الخاشعون لكي تكون ملاذاً للعفة والطهارة في حرمها المسور، لقد فاضت هذه البيوت بالدعارة حتى أصبحت مريم العذراء لا تجد مكاناً تضع فيه الطفل عيسى"
      لقد أدى التزمت والغلو في الدين ومغالبة الطبع السوي والفطرة السليمة إلى نتيجة عكسية تماماً، وأصبحت الأديرة مباءات للفجور والفسق تضرب بها الأمثلة في ذلك، وقد وصل الحال بنصارى الشرق -وربما كانوا أكثر حياء وأشد تمسكاً- إلى حد أن المستهترين من الخلفاء والشعراء المجان كانوا يرتادون الأديرة كما يرتاد رواد الدعارة اليوم بيوت العهر، وألفوا في ذلك كتباً منها كتاب "الديارات" المعروف لدى دارسي الأدب العربي.
      هذا بالنسبة للمترهبنين، أما الفرد المسيحى فقد ضعفت ثقته بالدين، وتزعزعت في نفسه القيم والأخلاق الدينية، كيف لا وهو يرى خصيان الملكوت ومثَّال الطهر يغرقون في الفجور وينالون من المتع الجسدية ما لا يمكنه بلوغه؟! أما الغيورون منهم فقد اتخذوا ذلك ذريعة للانشقاق عن الكنيسة، وتكوين فرق دينية جديدة لها أديرة خاصة تبدأ أول الأمر نظيفة، لكنها لا تلبث أن تعود فتسقط فيما سقط فيه أسلافها، كل ذلك كان في الفترة التي لا تزال قبضة الكنيسة فيها قوية، ونفوذها صلباً، لكن المرحلة التى شهدت ضعف سلطانها فيما بعد شهدت رد فعلٍ طاغياً ضد أغلال الكنيسة وقيودها مما جعل بذور الفلسفات الإباحية، والحركات غير الأخلاقية تنمو نمواً مطرداً، وصُحِّح الرأي القائل بأن "المسيحية نفاق منظم كما اتهمتها أجيال عديدة من النقاد العقليين المرة تلو الأخرى" وأنها "لم تكن عند أكثر الناس غير ستار رقيق يخفي تحته نظرة وثنية خالصة إلى الحياة"
      هذا وقد ظلت رواسب الرهبانية متغلغلة في أعماق النفسية الأوروبية؛ حتى بعد أن فقد الدين مكانته في النفوس -لاسيما ما يتعلق بالمرأة والجنس- وكان لذلك أثره في النظريات الهدامة الحديثة خاصة "الفرويدية " كما سيأتي في مبحث علمانية الاجتماع والأخلاق.
    4. ثالثاً: الأسرار المقدسة

      فطر الله النفس الإنسانية على الإيمان بالغيب، وهو ما لا يستطيع الإدراك الذاتي أن يكتشفه، ومن هنا نشأ فيها والتوق إلى المجهول والشوق لمعرفته، حتى أن كثيراً من الموضوعات والحقائق تكتسب الجاذبية والإعجاب ما دامت مجهولة، فإذا انتقلت إلى حيز الوجود فقدت ذلك، ولا تستطيع النفس البشرية بمفردها أن تتلمس الخط الفاصل بين الغيب والشهادة وبين المعلوم والمجهول، بل لابد من الالتجاء إلى الوحي الإلهي لمعرفته، وذلك هو الطريق السليم الوحيد، لكن البشر يضلون، فيلتمسون ذلك من طرق أخرى، ويحاولون إشباع الرغبة الفطرية في الإيمان بالغيب والتطلع إليه منقطعين عن الوحي، فيدفعهم الشيطان في التعلق بعملائه من الكهنة والسحرة والمشعوذين، وحينئذٍ يقعون في الشرك الذي جاء الأنبياء جميعاً لمحاربته بكل ضروبه.
      وقد وقعت البشرية في هذه الغلطة منذ القدم، وامتلأت الوثنيات القديمة بالأسرار والأساليب الخفية والرموز الغامضة، وغلط أتباع الأنبياء غلطة أشنع لاقتباسهم لأشياء من هذه الأسرار والرموز وإدخالها في دينهم، وذلك ما حصل بعينه في المسيحية المحرفة.
      وللمسيحية أسرار كثيرة متعددة الأصول بعضها إغريقي، وبعضها بوذي، وبعضها منقول عن المثرائية ديانة بولس الأولى، من هذه الأسرار ما يتعلق بأمور العقيدة كَسِر الثالوث -وهو أكبر أسرار المسيحية وأخطرها- ومنها ما يتعلق بشئون العبادة والطقوس كَسِر التعميد، وسر العشاء الرباني، وسر الاعتراف، وسر الزيت المقدس، وسر الصلاة الأخيرة للمحتضر وأمثالها.
      ونستطيع أن نقول: إن الكنيسة تعمد إلى تبرير كل طقس من طقوسها يأباه العقل وتنفر منه النفوس بأنه (سر إلهي)، فكلمة (سر) كانت ثوباً فضفاضاً يستر كل نقائصها ومخازيها، وسلاحاً فورياً يقاوم كل اعتراض عليها.
      وقد سبق الكلام عن سر التثليث، أما أسرار الطقوس فلنكتف منها بمناقشة سر واحد هو (سر العشاء الرباني) ليكون نموذجاً لبقيتها.
      العشاء الرباني:
      العشاء الرباني هو أهم عمل في الطقوس المسيحية، ويسمى أيضاً (القربان المقدس)، وقد ورد أصل مشروعيته في إنجيل متى كما يلي: ''وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك وكسر وأعطى التلاميذ، وقال: خذوا كلوا، هذا هو جسدي، وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً: اشربوا منها كلكم، لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا''.
      أما إنجيل يوحنا فلا يتعرض لعشاء بعينه لكنه يذكر في الإصحاح السادس أن اليهود طلبوا من المسيح آية لهم كالخبز الذي أنزله الله على أجدادهم فقال لهم المسيح: ''أنا هو خبز الحياة، من يقبل إليَّ فلا يجوع، ومن يؤمن بي فلا يعطش أبداً''، ولما رأى دهشة اليهود من ذلك أكده بقوله: ''الحق الحق أقول لكم: إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم، من يأكل جسدي ويشرب دمى فله حياة أبدية، وأنا أقيمه في اليوم الأخير، لأن جسدي مأكل حق، ودمي مشرب حق، من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت في وأنا فيه'' .
      ويرى غوستاف لوبون - كغيره من النقاد العقليين -أن شعائر النصرانية- ومنها العشاء المقدس- بدعة منقولة عن الوثنية المترائية ويؤيد هذا الرأي أن بولس (شاؤل اليهودي) كان مثرائياً أو على الأقل متأثراً بـالميثرائية التي كان من شعائرها التضحية بالعجل المقدس، ولذلك نرى أن بولس يكثر في رسائله من الحديث عن جسد المسيح وحلوله في أتباعه، ويورد في الإصحاح الحادي عشر من رسالته الأولى إلى أهل كورنثيوس، ما يشبه كلام متى السابق مع زيادة أن ذلك كان في الليلة التي أسلم فيها المسيح، على أن علم الاجتماع يرجع فكرة العشاء الرباني إلى أصل قديم هو النظام الذي يعرف في اصطلاحهم باسم الطوطمية (وهو نظام معقد غامض يحوي فيما يحوي قيام علاقة قرابة وصلة بين القبيلة، والطوطم الذي يكون حيواناً أو نباتاً يحرم بموجبها صيده وتناوله إلا في مناسبات شعائريه معينة لكي يكتسب الآكلون صفات مرغوبة يتوهمونها في الطوطم، ويعتقدون أنه يجرى دمه في عروقهم بتناوله في هذه المناسبات.
      وعلى أية حال، فقد كان المسيحيون الأوائل يقيمون وليمة تذكارية في عيد الفصح قوامها الخبز والخمر اللذان يرمزان إلى جسد ودم المسيح، وذلك إحياء لذكرى موته، كما أوصى حسب رواية بولس (اصنعوا هذا لذكري).
      وقد كان كافياً أن تقف البدعة عند هذا الحد لولا أن الكنيسة جرياً على عادتها في التحريف وسوء الفهم والخلط بين الحقيقة والمجاز، أضافت إلى ذلك العقيدة المعروفة بعقيدة التحول أو الاستحالة، وهى وجوب الاعتقاد بأن متناولي العشاء يأكلون جسد المسيح بعينه على الحقيقة، ويشربون دمه نفسه على الحقيقة أيضاً. أما كيف يتحول الخبز والخمر إلى جسد ودم المسيح؛ فإن ذلك سر لا يجوز لأحد أن يسأل أو يشكك فيه وإلا عوقب بالحرمان والطرد من الملكوت.
      وظاهر أن عقيدة الاستحالة مما لا يتردد العقل في إنكاره ونبذه، إذ لا يستطيع عقل سليم أن يتصور استحالة خبز وخمر إلى لحم ودم، في حين أن الآكلين يتذوقون طعم الخبز والخمر العادي، ثم إن جسد المسيح واحد وموائد العشاء تعد بالآلاف سنوياً، وفي أماكن متفرقة، فكيف يتفرق دمه وجسده عليها جميعها؟!
      وإذا كانت الكنيسة تزعم أن الغاية من ذلك هو أن يدخل المسيح في أجساد الآكلين فيتمتعوا بالألوهية فهل تتحقق هذه الغاية بمجرد الاعتقاد بها؟! وما جدوى هذه الوسيلة بل هذه الغاية أصلاً؟!
      إن الكنيسة استغلت بلاهة وسذاجة أتباعها، ففرضت عليهم مثل هذه العقائد الغريبة الممجوجة، لكن الفطرة البشرية لابد أن تستيقظ مهما طالت غفلتها، وذلك ما تم بالفعل، فقد أدَّى إسراف الكنيسة في الاستخفاف بعقول البشر ومعاندة الفطر الإنسانية إلى تلك الثورة العارمة ضد الكنيسة التي ابتدأت منذ اتصال أوروبة بنور الإسلام، وانتهت بانهيار الكنيسة وفقدانها معظم نفوذها وهيمنتها في القرن الماضي.
      وقد كانت مسألة الاستحالة من الثغرات التي فتحت على الكنيسة ولم تستطع لها سداً بما سببت من انشقاقات دينية ونقد مرير من المؤرخين والمفكرين، وكان من أوائل المنكرين لها (ويكلف) المصلح الكنسي؛ ثم تبنت ذلك حركة البروتستانت التي تزعمها (مارتن لوثر) وظهر بعد ذلك النقاد العقليون، فسخروا من هذا الطقس أعظم سخرية، وكان من روادهم الفيلسوف الفرنسي (فولتير).
      ويقول أحد الباحثين المعاصرين عن العشاء الرباني: إنه مثال رائع لما يراه بعض المؤرخين إفساداً للحقائق أو -على الأقل- إضافة جاءت في وقت متأخر.
    5. رابعاً: عبادة الصور والتماثيل

      شمل اقتباس النصرانية من الديانات والوثنيات المجاورة كل أمور العقيدة والشريعة والشعائر، كما شمل الذوق والإحساس والمظاهر العامة، فلم يكن شيء من عقائدها وطقوسها إلا وعليه بصمات وثنية واضحة يتجلى ذلك في التماثيل والصور التي لا يخلو منها دير أو كنيسة رغم أن شريعة التوراة تحرم التصوير ونحت التماثيل وتعده من أعمال الوثنيين (سفر التثنية).
      ونشأت عبادة الصور والتماثيل -كأية بدعة أخرى- محدودة النطاق، ثم نمت تدريجياً وانتشرت في أرجاء واسعة، لكنها لم تدخل في صلب الديانة المسيحية بصفة رسمية إلا في مجمع نيقية الثاني كما سيأتي:
      يقول: (ول ديورانت ): ''كانت الكنيسة أول أمرها تكره الصور والتماثيل، وتعدها بقايا من الوثنية، وتنظر بعين المقت إلى فن النحت الوثني الذي يهدف إلى تمثيل الآلهة، ولكن انتصار المسيحية في عهد قسطنطين وما كان للبيئة والتقاليد والتماثيل اليونانية من أثر، كل هذا قد خفف من حدة مقاومة هذه الأفكار الوثنية، ولما أن تضاعف عدد القديسين المعبودين نشأت الحاجة إلى معرفتهم وتذكرهم، فظهرت لهم ولمريم العذراء كثير من الصور، ولم يعظم الناس الصور التي يزعمون أنها تمثل المسيح فحسب، بل عظموا معها خشبة الصليب، حتى لقد أصبح الصليب في نظر ذوي العقول الساذجة طلسماً ذا قوة سحرية عجيبة'' .
      وأطلق الشعب العنان لفطرته، فحول الآثار والصور والتماثيل المقدسة إلى معبودات يسجد لها الناس ويقبلونها، ويوقدون الشموع، ويحرقون البخور أمامها ويتوجونها بالأزهار ويطلبون المعجزات بتأثيرها الخفي.
      (وفي البلاد التي تتبع مذهب الكنيسة اليونانية بنوع خاص كنت ترى الصور المقدسة في كل مكان في الكنائس والأديرة والمنازل والحوانيت وحتى أثاث المنازل والحلي والملابس نفسها لم تخل منها، وأخذت المدن التى تتهددها أخطار الوباء أو المجاعة أو الحرب تعتمد على قوة ما لديها من الآثار الدينية، أو على ما فيها من الأولياء والقديسين.. للنجاة من هذه الكوارث)
      تلك هي الصورة مجملة في القرون المسيحية الأولى، ولكن المد الإسلامي العظيم في القرن الثامن الذي شمل معظم المعمورة أحدث بتعاليمه التوحيدية الخالصة أثراً قوياً في البيئات الوثنية المجاورة -لا سيما دولة الروم النصرانية- وبفضل هذا التأثير أحس الغربيون بسخافة معتقداتهم وضحالة تفكيرهم مبهورين بما لدى المسلمين من عقيدة ناصعة وحضارة شامخة.
      لذلك، فقد قامت في الغرب في فترات متقطعة من تاريخه حركات معادية لهذه البدعة من أشهرها: محاولة الامبراطور (ليو الثالث) الذي أصدر مرسوماً يطلب فيه طمس الصور وإزالة التماثيل، وأراد بذلك أن يزيل عن أمته ودينها هذه الوصمة الشنيعة التي تظهره بمظهر النقص أمام أعدائه المسلمين، لكن الكنيسة رفضت ذلك وضجت الأديرة والكنائس وثار الشعب، واتفق الكل على خلعه والمناداة بإمبراطور آخر.
      غير أن الحركة لم تمت، بل ظل أوارها يستعر، فاجتمع مجلس من أساقفة الغرب دعا إليه البابا (جريجوري الثاني)، وصب اللعنة على محطمي الصور والتماثيل .
      وفي عهد أحفاده عاد الصراع من جديد، وظلت الـمسألة تتأرجح بين الحرمة والحل حتى دعت الامبراطورة (إيريني) التي كانت معاصرة لـهارون الرشيد رجال الدين في العالم المسيحي إلى عقد مجمع عام لبحث الـمسألة واتخاذ قرار حاسم حيالها، فاجتمع مجمع نيقية الثاني سنة (787) وحضر (350) أسقفاً واتخذ القرار الآتي:
      إنا نحكم بأن توضع الصور ليس في الكنائس والأبنية المقدسة والملابس الكهنوتية فقط بل في البيوت وعلى الجدران في الطرقات؛ لأننا إن أطلنا مشاهدة ربنا يسوع المسيح ووالدته القديسة والرسل وسائر القديسين في صورهم شعرنا بالميل الشديد إلى التفكير فيهم والتكريم لهم، فيجب أن تؤدى التحية والإكرام لهذه الصور، لا العبادة التي لا تليق إلا بالطبيعة الإلهية.
      وبذلك انتصرت وثنية الكنيسة على أفكار معارضيها ردحاً من الزمان، وحسبت أن العبادة تعني الركوع والسجود ولا شيء غير ذلك.
      وبعد ذلك بقرابة ثلاثة قرون، اتصل الغرب الوثني بالشرق المسلم اتصالاً أقوى عن طريق الحروب الصليبية، فكان ذلك عاملاً فعالاً في بعث الحركة المناهضة لعبادة الصور والتماثيل، ونادى كثير من المصلحين الكنيسيين بذلك، وبظهور الحركة الإصلاحية تزعم البروتستانت الحرب على الصور والتماثيل وحرمتها كنائسهم، إلا أن الغالبية الكاثوليكية لا تزال تقدسها وتلعن محطميها.
      وربما دهش المرء إذا علم أن تقديس الصور عادة غربية شائعة في عصرنا الحاضر ليس في الأوساط الدينية فحسب، بل في الأوساط العامة وبعض المثقفين .
      وبلغ بصورة المسيح وأمه حد الابتذال والامتهان، وكانت الطامة الكبرى في الأفلام السينمائية حيث وصل السخف والاستهتار بإحدى الشركات السويدية (وربما كانت يهودية) سنة (1397هـ) إلى إنتاج فيلم عن (حياة المسيح الجنسية) والغريب أن الدول الغربية اتخذت موقفاً سلبياً تجاه هذه الفعلة الشريرة، بينما بعثت بعض المنظمات الإسلامية نداءات لإيقاف الفيلم.
      ولم يقتصر الأمر على المسيح وأمه، بل إن الكنيسة تجرأت على البارئ جل شأنه، وصورته كما تصور المخلوقين تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا.
      يقول الأستاذ ناصر الدين دينيه:
      ''الدين الإسلامي هو الدين الوحيد الذي لم يتخذ فيه الإله شكلاً بشرياً أو ما إلى ذلك من الأشكال، أما في المسيحية فإن لفظ الله تحوطها تلك الصورة الآدمية لرجل شيخ طاعن في السن، قد بانت عليه جميع دلائل الكبر والشيخوخة والانحلال، فمن تجاعيد الوجه غائرة إلى لحية بيضاء مرسلة مهملة تثير في النفس ذكرى الموت والفناء، ونسمع القوم يصيحون (ليحيي الله) فلا نرى للغرابة محلاً، ولا نعجب لصيحاتهم وهم ينظرون إلى رمز الأبدية الدائمة، وقد تمثل أمامهم شيخاً هرماً قد بلغ أرذل العمر فكيف لا يخشون عليه من الهلاك والفناء؟! وكيف لا يطلبون له الحياة؟! كذلك (يا هو) الذي يمثلون به طهارة التوحيد اليهودي، فهم يجعلونه في مثل تلك المظاهر المتهالكة، تراه في متحف الفاتيكان ونُسَخ الأناجيل القديمة المصورة".
      هذا وليس تصوير الإله انحرافاً في نظر الكنيسة؛ فإن أحد علمائها يقرر (أنه لا يمكننا أن نفهم الله إلا عن طريق تصوره بالصور البشرية) .
      ولنا بعد ذلك أن نتصور ما تحدثه هذه الوثنية الساذجة في نفس الإنسان الغربي المتثقف ومدى ما تنفره من الدين وتجعله فريسة الأفكار الإلحادية المتخفية بلباس (العلم والمعرفة).
      بقي أن نعلم أنه لم تكن عبادة الصور والتماثيل هي الاقتباسة الوثنية الوحيدة، بل كانت الأمم الأوروبية المتوحشة تدخل في النصرانية اسمياً مع بقاء عقائدها وتقاليدها الوثنية بحالها وتتغاضى الكنيسة عن ذلك مقابل الخضوع لها ودفع الضرائب المستحقة، فلم تكن تهدف إلى هداية الناس، بل إلى بسط سلطانها ونفوذها، لا سيما وأنها ليست مهتدية في ذاتها.
      ومن أوضح الأمثلة على ذلك دخول الجزر البريطانية في المسيحية، فقد كان البريطانيون شديدي التمسك بوثنيتهم. ودار بينهم وبين الكنيسة صراع طويل، ولما رأى البابا (جريجوري) ذلك (اصطنع اللين مع من بقي في إنجلترا من الوثنيين، وأجاز تحويل الهياكل إلى كنائس بأن تحول عادة التضحية بالثيران في يسر ولطف إلى ذبحها لإنعاشهم لمديح الله، وبهذا كان كل ما طرأ على الإنجليز من تغير، هو تحولهم من أكل لحم البقر حين يحمدون الله إلى حمد الله حين يأكلون لحم البقر) .
    6. المعجزات والخرافات

      تفتقر المسيحية المحرفة في كثير من تعاليمها إلى الإقناع العقلي والبرهان المنطقي لإثباتها نظراً لتنافيها مع الفطرة وبدائه التفكير، لذلك اضطرت الكنيسة إلى تعويض نقص بضاعتها من الأدلة بادعاء الخوارق والمعجزات قاصدة التمويه على العقول الضعيفة واستغفال النفوس الساذجة، وكانت خوارق الكنيسة وشعوذتها تتراوح بين الرؤى المنامية ذات التهويل البالغ وبين التكهن المتكلف بالمغيبات وحوادث المستقبل، وبين تحمل الأساليب واستجداء شتى الوسائل لشفاء الأمراض المستعصية يتبع ذلك أمور أخرى كتعليق التمائم والرقى والتمتمات المجهولة واستعمال إشارة الصليب وتعليق صور القديسين، ومحاربة الشياطين، وطرد الأرواح الشريرة، وصد الكوارث والأوبئة، واستنزال النصر في الحروب وغير ذلك.
      وكان من السهل على العقلية الأوروبية الهمجية أن تتقبل هذه السخافات، وتصدق الكنيسة في كل شيء بفضل الإرث الوثني الذي ظل متغلغلاً في أعماقها.
      وفي القرون الأولى للمسيحية كان معظم المعجزات يدور حول شخصية المسيح وأمه وشيء منها للرسل والتلاميذ، لكن الكنيسة لم تقتصر على المعجزات الربانية الحقة، بل نسج خيالها خوارق أخرى هي أخلاط وأوهام يغلب عليها عنصر التهويل وتتسم بطابع الأساطير الوثنية القديمة التي تخيلها شعراء اليونان وغيرهم.
      ولنأخذ على ذلك مثلاً: (مولد عيسى) -عليه السلام- كما صوره يوحنا في الإصحاح الثاني عشر من الرؤيا: ''ظهرت آية عظيمة في السماء امرأة متسربلة بالشمس والقمر، تحت رجليها وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكباً، وهى حبلى وتصرخ متمخضة ومتوجعة لتلده وظهرت آية أخرى في السماء هوذا تنين عظيم، أحمر له سبعة رءوس وعشرة قرون، وعلى رءوسه سبعة تيجان، وذنبه يجر ثلث نجوم السماء، فطرحها إلى الأرض والتنين وقف أمام المرأة العتيدة أن تلد،حتى يبتلع ولدها حتى ولدت، فولدت ابنا ذكراً يرعى جميع الأمم بعصا من حديد، واختطف ولدها إلى الله وإلى عرشه، والمرأة هربت إلى البرية حيث لها موضع معد من الله لكي يعولها هناك ألفا ومائتين وستين يوماً، وحدثت حرب في السماء ميخائيل وملائكته حاربوا التنين وحارب التنين وملائكته''.
      أما بطرس فتروي له رسالة (أعمال الرسل) هذه المعجزة: ''صعد بطرس على السطح ليصلي نحو الساعة السادسة، فجاع كثيراً واشتهى أن يأكل، وبينما هم يهيئون له، وقعت عليه غيبة فرأى السماء مفتوحة، وإناء نازلاً عليه مثل ملاءة عظيمة مربوطة بأربعة أطراف، ومدلاة على الأرض، وكان فيها كل دواب الأرض والوحوش والزحافات وطيور السماء'' .
      أما في العصور اللاحقة فقد اتسع نطاق المعجزات حتى أصبحت مكانة رجل الدين وقداسته مرهونة بما يظهر على يديه من الخوارق، وما يتعاطى من الشعوذات، وكان باستطاعته أن يترقى في منصبه بالقيام بأي عمل تجهل العقول الساذجة علته الحقيقية، مدعياً أن ذلك هبة من الروح القدس له، وإذا كان التاريخ يذكر فزع الامبراطور (شارلمان) وحاشيته من الساعة التي أهداها إليه الرشيد ظانين أن بها قوى خفية من الجن والشياطين، فما بالك بعامة الشعب من الفلاحين والرعاة؟!
      ونظراً لكثرة الشواهد التاريخية على ذلك فسنتجاوز القرون الوسطى إلى العصر الحديث حيث نلمح الكثير من الخرافات الكنسية لا تزال تمارس نشاطها على أتباع الكنيسة في العالم الغربي ذاته، يقول فريزر: ''معظم الفلاحين في فرنسا لا يزالون يعتقدون أن القسيس يملك على العناصر قوة خفية لا تقاوم، وأنه حين يتلو البعض الصلوات المعينة بالذات التي لا يعرفها سواه والتي لا يحق لغيره أن يرتلها، فإنه يستطيع في حالة الخطر الداهم أن يبطل لفترة معينة فعل القوانين الأبدية للعالم الفيزيقي أو حتى يقلبها تماما''.
      وفي مناطق أخرى يعتقد الناس أن القسيس يملك القدرة على تشتيت العواصف وإن لم يكن لكل القساوسة مثل هذه الملكة، ولذا فانه حين يتغير راعي الكنيسة في بعض تلك القرى يبدى أتباع الأبرشية كثيراً من التلهف لمعرفة ما إذا كان الراعى الجديد يتمتع بهذه السلطة كما يسمونها، وعلى ذلك فمجرد أن تظهر أدنى بادرة بهبوب إحدى العواصف الشديدة؛ فإنهم يخضعونه للاختبار، فيطلبون إليه القيام ببعض الشعائر والتراتيل ضد الغيوم المتكاثفة، فإذا جاءت النتائج محققة لآمالهم ضمن الراعي الجديد لنفسه عطف أتباع الكنيسة واحترامهم وإلا فالعكس بالعكس.
      وهناك قداس خاص يستعمله القساوسة في الأعمال الانتقامية يتحدث عنه فريزر بقوله: ''لا يقام هذا القداس إلا في كنيسة متهدمة أو مهجورة، حيث تنعق البوم وتمرح الخفافيش وقت الغسق، وتأوي إليها جماعات الغجر في الليل، وحيث تقبع الضفادع البرية تحت مذبحها المدنس، فهناك يأتي ذلك القسيس الشرير بالليل ومعه عشيقته الفاجرة الخليعة، وحين ترسل الساعة أول دقاتها معلنة الحادية عشر يبدأ يُهَمْهِم في تلاوة القداس ابتداءً من آخره إلى أوله بحيث يفرغ منه حين تبدأ دقات الساعة تعلن منتصف الليل، وتقوم عشيقته بمساعدته في ذلك، أما القربان الذي يباركه فلابد أن يكون أسود اللون كما أنه لا يتناول النبيذ، ولكنه يشرب بدلاً منه بعض الماء من بئر سبق أن ألقيت فيها جثة طفل مات قبل تعميده، ثم يرسم علامة الصليب، ولكن على الأرض وبقدمه اليسرى، ويقوم بأداء كثير من الأعمال الأخرى التي لا يستطيع أي مسيحي أن يراها دون أن يصيبه العمى والصمم والبكم بقية حياته'' .
      وفي سنة (1893م) حدثت في جزيرة صقلية واقعة تصور الموضوع أبلغ تصوير، فقد كانت الجزيرة تمر بمحنة رهيبة بسبب الجفاف، وكان الجدب قد استمر ستة أشهر متصلة وتناقصت كميات الطعام بسرعة وانتاب الناس ذعر شديد، فجربوا كل الطرق المعترف بها للحصول على المطر، خرجت جموعهم من منازلهم، وأحاطوا بالصور والتماثيل المقدسة، يتوسلون إليها بترتيل الصلوات وإضاءة الشموع في الكنائس طيلة الليل والنهار، وعلقوا على الأشجار سعف النخيل الذي سبق لهم أن باركوه في " أحد السعف" ونثروا في الحقول (الكناسة المقدسة) وهى التراب الذي كنسوه من الكنائس في ذلك اليوم فلم يجد ذلك شيئاً، وحملوا الصلبان على أكتافهم، وساروا حفاة الأقدام عراة الرءوس وجلد بعضهم بعضاً بالسياط ولكن دون جدوى.
      وأخيراً لجئوا إلى القديسين، وتجمعوا حول القديس فرانسيس الذي اعتادوا حسب اعتقادهم أن ينالوا المطر ببركته، فأقاموا له الصلوات والترانيم والزينات، لكن جهودهم كلها ذهبت هباء، فنبذوا معظم القديسين حتى إنهم ألقوا بـالقديس يوسف في إحدى الحدائق ليجرب بنفسه الحال التي وصل إليها الناس، وأقسموا أن يتركوه هناك في الشمس حتى يأتيهم بالمطر، وأداروا وجوه بعض القديسين إلى الحائط كما يفعل المدرس بالتلاميذ الأشقياء، وجردوا بعضهم من ملابسهم الفاخرة وقذفوهم بأقذع السباب والشتائم، أما القديس ميخائيل رئيس الملائكة -حسب عقيدتهم- فقد نزعوا أجنحته الذهبية ومزقوها ووضعوا مكانها أجنحة ورقية، وفي بعض المناطق قيد الناس قس بلدتهم وتركوه عارياً، وأخذوا يهتفون إليه بغضب (المطر أو حبل المشنقة) .
      ومن الخرافات التي ما تزال عالقة بأذهان النصارى إلى اليوم خرافة (تجلَّي العذراء) التي يثيرونها حيناً بعد آخر كما أن هناك عادت غربية شائعة اليوم أصلها خرافات كنسية، فمثلاً التشاؤم من الرقم (13) أصله أن يهوذا الذي دل على المسيح هو التلميذ الثالث عشر للمسيح، فكان ذلك مصدر شؤم للكنيسة وأتباعها حتى أنه عند ترقيم المنازل في المدن الغربية يرفض بعضهم وضع هذا الرقم على منزله ويضع مكانه (12ب).
      وهذا غير الخرافات الكنسية عن الكون والحياة التي سنعرض لها عند موضوع (علمانية العلم)، وحينئذٍ سيتضح أثر هذه الخرافات بجملتها في إثارة الصراع الذي دار طويلاً بين الدين والعلم (أو العقل والوحي).
    7. صكوك الغفران

      توجت الكنيسة تصرفاتها الشاذة وبدعها الضالة بمهزلة لم يعرف تاريخ الأديان لها مثيلاً، وحماقة يترفع عن ارتكابها من لديه مسكة من عقل أو ذرة من إيمان، تلك هي توزيع الجنة وعرضها للبيع في مزاد علني وكتابة وثائق للمشترين تتعهد الكنيسة فيها بأن تضمن للمشتري غفران ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبراءته من كل جرم وخطيئة سابقة ولاحقة، ونجاته من عذاب المطهر، فإذا ما تسلم المشترى صك غفرانه ودسه في محفظته فقد أبيح له كل محظور وحل له كل حرام: ماذا عليه لو زنى وسرق وقتل، بل لو جدف وألحد وكفر ما دام الصك رهن يده؟ أليس المسيح هو الذي منحه إياه والمسيح هو الذي يدين ويحاسب؟ أتراه متناقضاً إلى هذا الحد: يمنح الناس المغفرة ثم يحاسبهم على الذنوب؟
      وإذ قد اطمأن المشترى إلى هذه النتيجة فقد بقي لديه ما ينغص الفرحة، ويكدر الغبطة، ذلك أن والديه وأقرباءه قد ماتوا وليس معهم صكوك.
      لكن الكنيسة الأم الرءوم لكل المسيحيين شملت الكل برحمتها، وأتمت الفرحة لزبونها فأباحت له أن يشتري لمن أحب (صك غفران)، وما عليه بعد دفع الثمن إلا كتابة اسم المغفور له في الخانة المخصصة فيغادر المطهر فوراً ويستقر في ظلال النعيم مع المسيح والقديسين.
      أما الشقي النكد عديم الحظ، فهو ذلك القن الذي لم يستطع أن يحصل من سيده الإقطاعي (المغفور له) على ما يشتري به صكاً من قداسة الآباء أو المريض المقعد الذي لا يجد عملاً يخول له الحصول على المغفرة، أو الفقير المعدم الذي يعجز عن استدانة دينارين يشترى بها جنات النعيم، هؤلاء يظلون محرومين من هذه الموهبة مهما بلغت تقواهم، وعظم حبهم للمسيح وتعلقهم بالعذراء.
      تلك هي المهزلة أو جانب منها، فمن أين جاءت بها الكنيسة إذا كانت الأناجيل والرسائل خالية مما يدعمها أو يدل عليها؟
      إن الأساس الذي يبدو أن هذه البدعة انبثقت عنه هو الفكرة الوثنية التي ادعاها رجال الدين (فكرة القداسة)، وعن تقديس رجال الدين نشأت فكرة الاستشفاع بهم لدى الله لمغفرة الخطايا، وظل الجهلة والسذج يتوسلون إلى القساوسة راجين الشفاعة والتقرب إلى الله زلفى، فنتج عن ذلك أن تقرر المبدأ الذي أشرنا إليه سلفاً (مبدأ التوسط بين الله والخلق)، حتى أصبح حقاً عادياً لأي رجل دين، بل أصبحت وظيفة رجل الدين أينما كان هي التوسط بين الله وخلقه، فعن طريقه تؤدى الصلاة، ويتناول العشاء الرباني، وهو الذي يقوم بالتعميد، وبمراسم وطقوس الزواج والموت ويتقبل الاعترافات من المذنبين.
      وفي الوقت الذي كان رجل الدين فيه يتقبل الاعتراف لم يكن ليدعي حق المغفرة من نفسه؛ لكن المسيح -بزعمه- يغفر لمن أقر بذنبه بين يدي أحد أتباع كنيسته التي أورثها سلطانه وفرض لها السيادة على العالمين.
      وكان الفرد المسيحي يستطيع ضمان الملكوت مع المسيح باعتراف واحد في العمر هو اعترافه ساعة احتضاره، إذ يتم دهن جسده بالزيت المقدس، فيتطهر من كل الأرجاس والذنوب، وكان من العقوبات الصارمة التي تتخذها الكنيسة ضد مخالفيها من الشعوب أو الأفراد حرمانهم من الاعتراف الأخير والصلاة عليهم؛ فلا يشك مسيحي أنهم ذهبوا إلى الجحيم بسبب ذلك.
      واستمر الحال على ذلك فترات طويلة حتى كان مطلع القرن الثالث عشر الميلادي حيث كانت الكنيسة تجتاز مرحلة حاسمة في تاريخها، وكانت بحاجة إلى مزيد من السلطة الدينية والنفوذ المالي لمواجهة أعدائها، فقررت عقد مجمع عام لبحث الوسائل الكفيلة بتحقيق ذلك، فعقد المجمع الثاني عشر المعروف باسم مجمع لاتيران سنة (1215م) ونجح هذا المجمع في إقرار مسألتين كان لهما أثر بالغ على المسيحية في القرون التالية هما:
      مسألة الاستحالة، وقد مرت قريباً (العشاء الرباني).
      مسألة امتلاك الكنيسة حق الغفران للمذنبين، وذلك بإصدار القرار التالي:
      3- ''إن يسوع المسيح لما كان قد قلد الكنيسة سلطان منح الغفرانات، وقد استعملت الكنيسة هذا السلطان الذي نالته من العلا منذ الأيام الأولى، قد أعلم المجمع المقدس وأمر بأن تحفظ للكنيسة في الكنيسة هذه العملية الخلاصية للشعب المسيحي والمثبتة بسلطان المجامع، ثم ضرب بسيف الحرمان من يزعمون أن الغفرانات غير مفيدة، أو ينكرون على الكنيسة سلطان منحها غير أنه قد رغب في أن يستعمل هذا السلطان باعتدال واحتراز حسب العادة المحفوظة قديماً والمثبتة في الكنيسة لئلا يمس التهذيب الكنسي تراخ بفرط التساهل''.
      هذا وقد فرض المجمع على كل المسيحيين أن يعترفوا أمام قسيس الأبرشية مرة كل عام؛ لكي يستطيعوا الحصول على الغفران وتنفيذاً لذلك أخذ الناس يتوافدون على الأبرشيات طلباً للمغفرة، ويقدمون للقساوسة الهدايا والصدقات، فارتفع مركز الكنيسة معنويا ومادياً.
      وبعد فترة من الزمن أخذ هذا التوافد في الفتور وتقاعس كثيرون عن الاعتراف، وفي الوقت نفسه ازداد إلحاح الكنيسة على تثبيت مركزها وتعبئة خزائنها فقررت اتخاذ وسيلة ناجحة لضمان استمرار ذلك، فهداها تفكيرها إلى كتابة الغفرانات في صكوك تباع على الملأ وتنص على غفران أبدي بحيث تكون حافزاً قوياً على دفع المبلغ المالي الذي تقرره الكنيسة أو القيام بالخدمات التي ترغب تنفيذها وهذا نص الصك:
      (ربنا يسوع يرحمك يا... (يكتب اسم الذي سيغفر له) ويشملك باستحقاقات آلامه الكلية القدسية، وأنا بالسلطان الرسولي المعطى لي أحلك من جميع القصاصات والأحكام والطائلات الكنسية التي استوجبتها، وأيضاً من جميع الإفراط والخطايا والذنوب التي ارتكبتها مهما كانت عظيمة وفظيعة، ومن كل علة وإن كانت محفوظة لأبينا الأقدس البابا والكرسي الرسولي، وأمحو جميع أقذار الذنب، وكل علامات الملامة التي ربما جلبتها على نفسك في هذه الفرصة، وأرفع القصاصات التي كنت تلتزم بمكابدتها في المطهر، وأردك حديثاً إلى الشركة في أسرار الكنيسة، وأقرنك في شركة القديسين، أردك ثانية إلى الطهارة والبر اللذين كانا لك عند معموديتك حتى أنه في ساعة الموت يغلق أمامك الباب الذي يدخل منه الخطاة إلى محل العذاب والعقاب، ويفتح الباب الذي يؤدي إلى فردوس الفرح، وإن لم تمت سنين مستطيلة فهذه النعمة تبقى غير متغيرة حتى تأتي ساعتك الأخيرة، باسم الأب والابن والروح القدس) .
      بقي أن نلفت النظر إلى حقيقة الوضع الذي كانت عليه الكنيسة، والظروف التي ألجأتها لمثل هذه التصرفات، ففي هذه المرحلة من تاريخ الكنيسة كانت تواجه ألد وأخطر أعدائها (المسلمين )، وكانت الحروب الصليبية قد استعر أوارها، وبدأت تلوح علامات الهزيمة للصليبيين، وبلغ ضعف الحماس الديني في نفوس الأوروبيين مبلغاً كبيراً، وفقد المقاتلون ثقتهم في الكنيسة نتيجة لخيبة أملهم في النصر الذي وعدتهم وعداً قاطعاً، ولم يروا للمسيح والملائكة والقديسيين أثراً في معاركهم، بل على العكس تخيلوا أنهم يقفون ضدهم تماماً، وبذلك اهتز موقف الكنيسة، وأيقنت أن وعودها المعسولة بالنصر، وقراراتها الشفوية بالمغفرة للمشتركين في الحرب لم تعد تؤدي مفعولاً مؤثراً، فقررت تجسيد هذه الأماني في وثيقة خطية محسوسة يحملها المقاتل، ويندفع للاشتراك في الحملة الصليبية، وهو على ثقة وعزم، وتنفيذاً لذلك برز إلى الوجود مهزلة جديدة هي (صكوك الغفران )، وكانت كما يقول ول ديورانت: توزع على المشتركين في الحروب الصليبية ضد المسلمين .
      وعليه فلم يكن ليحظى بالحصول على صك غفران إلا أحد اثنين:
      1- رجل ذو مال يشتري الصك من الكنيسة حسب التسعيرة التي تحددها هي.
      2- رجل يحمل سيفه ويبذل دمه في سبيل نصرة الكنيسة والدفاع عنها وحراسة مبادئها.
      3- وغير هذين رجل ثالث يعتصر قلبه أسى لأنه لا يملك ثمن الصك أو لا يستطيع أن يشترك في الحرب، إما لعجزه وإما لكونه غير مستعد للموت من أجل الكنيسة؛ لكنه يظل أسير صراع نفسي مرير وشعور بالحرمان قاتل.
      وهكذا فالكل مضحون، والكل خاسرون، والكنيسة هي الرابح الوحيد وإن كانت عند الله شر مقاماً وأخسر صفقة.
      نتائج هذه البدعة:
      إن بدعة كهذه لن تمر في التاريخ مرور الكرام، بل هي جديرة بأن تحدث أصداءً واسعةً الانتشار، وتثير ردود فعل بعيدة الآثار، لاسيما وقد ظهرت في الفترة التي اتصلت فيها أوروبا بنور الإسلام، وأخذت العقول النائمة تتلمس مكانها في الحياة، وبدأت الفطر تستيقظ بعد طول رقاد.
      كانت هذه البدعة أول أمرها من أسباب قوة الكنيسة ودعائم شموخها، لكنها ارتدت عليها بعد ذلك شراً مستطيراً ووباءً قاتلاً.
      فمن ناحية المكانة الدينية ارتفعت منـزلة رجال الدين في نظر السذج والجهلة بعد أن منحهم المسيح هذه الموهبة العظيمة، وخيل إليهم أنه ما دام أعطاهم حق المغفرة للناس فبديهي أنه غفر لهم، بل قدسهم ووهبهم من روحه كما يدعون، وبذلك تجب طاعتهم والتزلف إليهم وتملقهم على من أراد التقرب إلى المسيح والحصول على رضاه.
      وإذ قد آمن الناس -ملوكاً وصعاليك- بحق الغفران، فقد سهل عليهم أن يؤمنوا بمقابلة حق الحرمان، ولم يزدادوا طمعاً في ذاك إلا وازدادوا رهبة لهذا.
      ومن الوجهة المادية أثرت الكنيسة من عملية بيع الصكوك ثراء فاحشاً، حتى أصبحت بحق أغنى طبقات المجتمع الأوروبي آنذاك بما تكدس في خزائنها من أموال وتدفق عليها من عطايا وهبات.
      ومن الوجهة السياسية قويت الكنيسة، وتدعمت سلطتها بالجحافل البربرية التي تطوعت للقتال في سبيلها من أجل الحصول على الغفران، وبالمقابل انخفضت سلطة الملوك الذين كانوا جنوداً للكنيسة بأنفسهم في الحروب الصليبية، إلا من تردد منهم أو حاول التملص من قبضتها، فعوقب بالحرمان كما حدث لـفريدريك الثاني .
      كل هذه الثمار جنتها الكنيسة من جراء هذه المهزلة المبتدعة، وكان نتائجها الطغيان الأعمى والغطرسة الباغية، ولم لا تطغى وتستبد وقد عبدها الناس من دون الله وقدسوا تعاليمها دون تعاليم المسيح؟! ولم لا تغتر وتتجبر وهى تملك المجتمع من ناصيته وتتحكم في الضمائر وتسيطر على الأرواح كما تشاء، وترفع من أحبت إلى أعلى عليين، وتقذف من أبغضت في دركات الجحيم، وتنصب هذا قديساً وذاك شيطاناً مريداً؟!
      تلك هي الصورة الإيجابية التي خلفتها هذه المهزلة للكنيسة، وعليها اقتصرت نظرة آبائها، فدفعهم الغرور إلى المضي قدماً، وازدادوا نهماً غير عابئين بالنتائج ولا حافلين بالعواقب.
      لكن سنة الله لا تحابي أحداً ولا تجامله، فكل شيء جاوز حده انقلب إلى ضده، والزبد يذهب جفاءً، وهكذا كانت صكوك الغفران مسماراً في نعش الكنيسة وبدايةً لنهايتها، وكانت خسارتها بها عظيمة عظم جنايتها.
      فمن الوجهة الاقتصادية نرى الإقبال الهائل على شراء الصكوك أعقبه انكماش وفتور كالذي يصيب أية بدعة أو ظاهرة جديدة بعد فترة من ظهورها فنضب الكثير من موارد الكنيسة في حين ازدادت طمعاً وشراهة اضطرت إلى عرض الصكوك بطريقة مبتذلة، فكان الآباء والقساوسة يتجولون في الإقطاعيات ويبيعونها بأسعار مخفضة ثم زهيدة، وكلما ازداد العرض قل الطلب، وتولد لدى الناس شعور داخلي بأن شراءها إضاعة للمال فيما لا فائدة فيه، أو على الأقل فيما ليس مضمون العاقبة.
      وفي الوقت نفسه داهمت المسرح المالي فئة جديدة من الناس أخذت تظهر بوضوح منافسة للطبقتين البارزتين آنذاك "النبلاء" و"رجال الدين" تلك هي الطبقة البورجوازية، وحصلت تحولات أخرى كانت بمثابة المؤشر لنهاية النظام الإقطاعي بجملته.
      ومن ناحية المكانة الدينية لرجال الدين فقد بدأت تلك الهالة القدسية المحيطة بهم تتبخر شيئاً فشيئاً بعد زمان من ظهور هذه المهزلة وابتداء الناس يعتقدون أنهم كانوا مخطئين في ذلك الاندفاع الأعمى والتسليم الأبله،وعمَّق ذلك الاعتقاد تنافس القساوسة على بيع الصكوك مقروناً به سيرتهم السيئة وجورهم الفاضح، وعجب الناس إذ رأوا كثيراً من الأشرار والطغاة والمجرمين يتبوءون مقاعدهم في الملكوت ببركة الصكوك التي منحها لهم رجال الدين، فكان ذلك إيذاناً بالشك في قداسة رجال الدين أنفسهم ومدى صلاحهم واستحقاقهم للملكوت في ذواتهم.
      ومن ناحية المركز السياسي والنفوذ الدنيوي: كان لصكوك الغفران وما أحاط بها من ظروف وملابسات أثره البالغ في العلاقة بين الكنيسة من جهة والملوك والأمراء والنبلاء من جهة أخرى، فقد رأوا أن قبضة الكنيسة تزداد استحكاماً مع الأيام، وأنهم وشعوبهم ليسوا إلا أدوات أو صنائع لرجال الدين، يمنون عليهم بالعفو إن رضوا، ويعاقبونهم بالحرمان إن سخطوا، كما أن الثراء الذي حصلت عليه الكنيسة جعلها تبدو منافساً قوياً لأصحاب الإقطاعيات وكبار الملاك، فكان يسيطر على الجميع شعور موحد بالعداوة لها والحقد عليها.
      لذلك لم تكد بوادر الاستنكار ضد تصرفاتها -لا سيما صكوك الغفران- تبرز للعيان حتى انتهزها الملوك والأمراء فرصة سانحة لحماية الحركات المعارضة، وتأجيج سعيرها، ولولا أن بعض المصلحين الكنسيين -ولوثر خاصة- وجدوا الحماية والعطف من الأمراء والنبلاء لما نجوا من قبضة الكنيسة ونتائج قرارات حرمانها.
      ومن ناحية أخرى رأى الأوروبيون -حكاماً ومحكومين- الحياة الكريمة التي يعيشها الشرق الإسلامي، حيث لا كهنوت ولا طغيان ولا احتكار، فهزت هذه الرؤية أنفسهم، وبهرت عيونهم لدرجة أن صكوك الغفران ووعود الكنيسة بالملكوت أصبحت بالنسبة لهم هراءً لا طائل تحته وعبثاً يبعث على الاشمئزاز والاستخفاف.
      تلك صورة مجملة لبعض النتائج التي ترتبت على بدعة صكوك الغفران وملابساتها بالنسبة للكنيسة خاصة، أما بالنسبة للوضع الاجتماعي والديني بصفة عامة، فقد كانت صكوك الغفران سبباً مباشراً في انبعاث الشرارة الأولى التي اندلعت نيرانها فيما بعد، فالتهمت الأوضاع الاجتماعية وأودت بالتعاليم الكنسية والتقاليد الدينية كافة، ولا يشك أي منصف في أن للإسلام تأثيراً مباشراً على الثورة العارمة ضد الكنيسة، وإن كان دعاتها ومؤيدوها يكنون له أشد العداوة والحقد، على أن ما يهمنا الآن هو أن مهزلة صكوك الغفران قد ساعدت بصفة مباشرة على هدم التعاليم الدينية من أساسها، والاستهتار بكل المعتقدات والأصول الإيمانية بجملتها، وأسهمت في انتشار فكرة إنكار الآخرة والجنة والنار التي لا يقوم دين بغيرها.
      وما زالت إلى الآن شاهداً قوياً ومستنداً قاطعاً لكل أعداء الدين في الغرب، حيث نشأ عن الكفر برجل الدين وتصرفاته كفر بالدين ذاته وما يتصل به من سلوك وخلق.
      وكان الخيار الصعب الذي وضعه أعداء الدين -لا سيما اليهود- أمام الإنسان الأوروبي هو: إما أن يؤمن بصكوك الغفران، فيحكم على نفسه تلقائياً بالجمود والغباء والرجعية المتناهية، وإما أن يكفر بها فيلزمه الكفر بالإطار الذي يحويها بكامله، إطار الدين والغيبيات، لا سيما الآخرة.
      لذلك نجد الفيلسوف اليهودي الوجودي "جان بول سارتر" يجسد هذا الخيار في إحدى رواياته المشهورة "الشيطان والرحمن" هذا مع أن الكنيسة في عصرنا الحاضر لا تصدر صكوك غفران، بل تستحي من ذكرها، وتخجل كلما دار الحديث عنها.
  7. الباب الثاني: أسباب العلمانية

    الفصل الأول: الطغيان الكنسي الفصل الثاني: الصراع بين الكنيسة والعلم الفصل الثالث: الثورة الفرنسية الفصل الرابع: نظرية التطور.
  8. الفصل الأول: الطغيان الكنسي

    1. أسباب طغيان رجال الكنيسة

      الطغيان في ذاته مرض خطير يدمر النفس الإنسانية ويمسخ سماتها، ويحيل الكائن البشري إلى روح شيطانية ماردة.
      ومن خصائص هذا المرض أن أعراضه لا تصيب إلا ذا نفس هزيلة، أتيح لها وسائل تفوق طاقتها ومساحة أكبر من حجمها، ولم يكن لديها وازع خلقي أو رادع إيماني يكبح جماحها ويضبط سلوكها.
      ولا يكون الطغيان -كذلك- إلا مظهراً للشعور بالنقص لدى النفس الطاغية، إذ تحاول بواسطته ستر نقيصة داخلية مؤرقة أو تسويغ مسلك معوج يعجز عن تبريره المنطق السليم والإقناع الهادئ.
      فالطغيان يبدأ وسيلة خاطئة، وينتهي مرضاً مدمراً لا شفاء له إلا الموت القاصم.
      وحين يصدر الطغيان من حاكم وثني أو زعيم دنيوي؛ فإنه يكون معقولاً إلى حد ما، وإن كانت فظاعته لا يسوغها عقل ولا ضمير، أما حين يصدر الطغيان عن رجال يراهم الناس "قديسين" ورسل سلام وطلاب آخره، فذلك مما يشق على النفس احتماله، ويبعد عن الذهن قبوله؛ لا سيما إذا كانوا رجال دين يجعل المحبة شعاره والتسامح ميزته ويقول لأتباعه:
      "من لطمك على خدك الأيمن فأدر له الآخر أيضاً، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضاً، ومن سخرك ميلاً واحداً فاذهب معه اثنين" .
      إن هذه المفارقة العجيبة لتستدعي مزيداً من الفحص والتأمل للبحث عن الأسباب الكامنة وراء ذلك الطغيان الأعمى، وذلك يستلزم أن ننظر إلى طبيعة وضع رجال الدين، وطبيعة ظروف دينهم، وطبيعة البيئة التي مكنتهم من فرض أنفسهم عليها.
      أما طبيعة رجال الدين فقد كانوا سابقين لعصرهم في ناحية مهمة هي الناحية التنظيمية، إذ كانوا مؤسسة تنظيمية مركبة تركيباً عضوياً دقيقاً، من القاعدة العريضة الممتدة في كافة الأصقاع والأقاليم إلى قمة الهرم المتمركزة في روما، وهذه الميزة أكسبتهم نفوذاً مستمراً لا يقبل المنافسة وجذوراً عميقة يصعب اقتلاعها، ولذلك نلاحظ أن كثيراً من الأباطرة المتمردين على الكنيسة يفشلون دائماً في مواجهتها، ويرتدُّون صاغرين إلى الانضواء تحت ظلها، كما أن العالم الغربي المسيحي لم يستطع التخلص من قبضة الكنيسة إلا بعد الثورة الداخلية التي قادها المصلحون الكنسيون، والتي أدت إلى إضعاف الهيكل التنظيمي والسلطة المركزية وتشتيت ولاء الأفراد.
      وكان من الممكن أن يتمتع رجال الدين بثمرات هذا التنظيم الفائق، ويسخروها لخدمة المصلحة الدينية، دون أن يكون ذلك داعياً للطغيان والاستبداد، ولكن الشرط الأساسي لذلك هو النية الحسنة والإخلاص المجرد، وهو شرط فقدته الكنيسة منذ أن فقدت الإيمان الصحيح والعقيدة الصادقة.
      والنفس البشرية أينما كانت لا تخلو من حب الطغيان إذا تهيأت لها أسبابه وليس كخشية الله تعالى واستشعار رقابته وضعف الإنسان إزاء قدرته حاجز لها عنه، ولما كانت الكنيسة مفلسة من ذلك فقد آل الأمر إلى أن تكون هيئتها التنظيمية شركة دنيوية تطمح إلى النفوذ الاجتماعي والمغانم الزائلة، ثم تمكنت بوسائل شتى من أن تصبح قوة استبدادية غاشمة.
      وليس ثمة شك في أن مركزها الديني هو الذي هيأ لها النجاح المطرد، وهذا يقودنا إلى البحث في طبيعة دينها وظروفه التي أتاحت لها ذلك.
      سبق أن أشرنا إلى الاضطهاد البالغ الذي تعرض له أتباع السيد المسيح -عليه السلام- من بعده، ذلك الاضطهاد الذي أدَّى إلى تحول الدعوة المسيحية إلى دعوة سرية، فاختفى الكثير من دعاتها، وتستروا في أقاليم مختلفة وأخفوا معهم نسخ الأناجيل، بل دونوا الأناجيل آنذاك، وكتبوها بلغاتهم الخاصة، وظلوا يتناقلون نسخها سراً، إذ كانت تتعرض للحرق والمصادرة من قبل الروم، وكان الداخل الجديد في دينهم يأخذ عنهم التعاليم مشافهة بعد ترجمتها إلى لغته الدارجة، ثم يبثها في بني قومه سراً، أيضاً فإذا أشكل عليهم أمر رجعوا إلى الداعية الذي يملك نسخة لأحد الأناجيل، فيبين لهم رأي الإنجيل أو رأيه الخاص في ذلك الأمر، ولم يكن الدعاة يسمحون للأتباع بتمليك النسخ أو يطلعونهم عليها خشيةً على أنفسهم وعلى الكتب أيضاً، بالإضافة إلى كون عقلية الأتباع وظروف البيئة لم تكن تؤهلهم للأخذ المباشر أو الاستنباط والاجتهاد الذاتي، ويزداد الأمر صعوبة إذا كانوا يجهلون اللغة التي كتب بها الإنجيل.
      كل ذلك أدى إلى انحصار المصادر الدينية للمسيحية في أيدي فئة قليلة من الناس واقتصار حق شرحها وتأويلها عليهم وحدهم، فلما انقضت عصور الاضطهاد، واعتنقت الدولة الرومانية الدين الكنسي، احتفظ رجال الكنيسة بحق قراءة وشرح الكتب المقدسة، وأيدتهم الدولة في ذلك؛ لتجمع رعاياها على عقيدة واحدة بإتاحة الفرصة للكنيسة للقضاء على الفرق المنشقة، وكما قلنا في سبب وجود رجال الدين ورث رجال الكنيسة عن أحبار اليهود صفاتهم الممقوتة من التعصب الأعمى، واتباع الهوى واحتكار الرأي، فظلت مصادر الدين الكنسي حكراً عليهم لا تقع عليها يد لباحث أو ناقد من غير رجال الدين، وكان باستطاعة الكنيسة أن تفرض كل شيء باسم الإنجيل وهى آمنة من أن أحداً لن يقوم حيالها بأدنى معارضة.
      وهكذا ظلت مصادر الدين النصراني المحرف قابعة في خبايا الكنائس وزوايا الأديرة، تؤخذ تعاليمها مشافهة من أولئك الذين يزعمون القداسة والعصمة، وما دامت مصادر الديانة غير مكشوفة فكيف يعرف الناس مقدار صدق رجال الدين فيما يقولون عن الله؟! وكيف يمكنهم مناقشة الكنيسة فيما تمليه من عقائد وتشريع؟! لم يكن أمامهم إلا التسليم المطلق والطاعة العمياء.
      وإذ قد اطمأنت الكنيسة إلى أن أحداً لن ينبس ببنت شفة يمس قداستها وصواب آرائها، فقد اشتطت وغلت في فرض سلطانها وتعميق هيبتها ووجدت الباب مفتوحاً إلى طغيان لا يلين ولا يرحم.
      يبقى أن نعرض لطبيعة البيئة التي شهدت هذا الطغيان ومدى تأثيرها في بقائه واستحكامه، فنرى أنه كانت الغالبية العظمى من الروم وسكان مستعمراتهم من الأميين السذج الذين ألفوا العبودية والخضوع المستمر للقوى المسيطرة، وكانوا من الضحالة الفكرية على درجة ليست قليلة، وكان سكان أوروبا قبائل همجية، تعيش أسوأ مراحل التاريخ الأوروبي كله، لا سيما العصور الأولى من القرون الوسطى، التي تسمى العصور المظلمة، واعتنق هؤلاء الديانة الرسمية للإمبراطورية، وأحلوا عبادة المسيح محل عبادة الامبراطور، لكنهم لم يتعرضوا ليقظة إيمان حقيقي، كتلك التي هز بها الإسلام نفوس معتنقيه، ورفع مستواهم الروحي والعقلي إلى آفاق عظيمة، بل ظلوا على تلك الحال من الهمجية والانحطاط حتى مطلع العصر الحديث... لذا كان من الطبيعي للجماهير الغفيرة أن تنساق وراء عقولها السطحية وعواطفها الساذجة، فتصدق كل ما تسمع، وتؤمن بكل ما يقال، وكان رجل الدين هو كل شيء بالنسبة لها، فلم يكن هنالك أي أثر لعالم أو مؤرخ أو باحث، بل كان الظلام المطبق يسيطر على الحياة من كافة نواحيها، ورجل الدين هو الوحيد الذي يملك بصيصاً ضئيلاً، يتمثل في معرفته للقراءة والكتابة، وكونه الموجه الروحي للمجتمع... وبيئة هذه حالها، وأمة هذه صفاتها، جديرة بأن توفر للطاغية حماية كافية ومناخاً صالحاً لفرض طغيانه في المجال الذي يريد، وإشباع رغبته التسلطية كما يشاء.
      هذه الأوضاع والعوامل مجتمعة، وهي السلطة الكهنوتية المنظمة، والمصادر غير المكشوفة، والبيئة البدائية، جعلت من الكنيسة مارداً جباراً وطاغوتاً جائراً يملك كل مقومات البقاء ولوازم الاستبداد، ويريد أن يسيطر على كل شي وفق إرادته وهواه.
      ولم تدع الكنيسة جانباً من جوانب الحياة دون أن تمسكه بيد من حديد، وتغله بقيودها العاتية، فهيمنت على المجتمع من كل نواحيه الدينية والسياسية والاقتصادية والعلمية، وفرضت على عقول الناس وأموالهم وتصرفاتهم وصاية لا نظير لها البتة، وإن التاريخ ليفيض في الحديث عن طغيان الكنيسة ويقدم نماذج حية له في كل شأن من الشئون، ولنستعرض شيئاً من ذلك في نواح مختلفة من الحياة:
    2. أولاً: الطغيان الديني

      منذ أن ظهر إلى الوجود ما يسمى المسيحية الرسمية في مجمع نيقية (325م) والكنيسة تمارس الطغيان الديني والإرهاب في أبشع صوره، ففرضت بطغيانها هذا عقيدة التثليت قهراً، وحرمت ولعنت مخالفيها، بل سفكت دماء من ظفرت به من الموحدين، وأذاقتهم صنوف التعذيب وألوان النكال، ونصبت نفسها عن طريق المجامع المقدسة " إلهاً " يحل ويحرم، ينسخ ويضيف، وليس لأحد حق الاعتراض، أو على الأقل حق إبداء الرأي، كائناً من كان، وإلا فالحرمان مصيره، واللعنة عقوبته لأنه كافر "مهرطق".
      كان الختان واجباً فأصبح حراماً، وكانت الميتة محرمة فأصبحت مباحة، وكانت التماثيل شركاً ووثنية فأصبحت تعبيراً عن التقوى، وكان زواج رجال الدين حلالاً فأصبح محظوراً، وكان أخذ الأموال من الأتباع منكراً فأصبحت الضرائب الكنسية فرضاً لازماً، وأمور كثيرة نقلتها المجامع من الحل إلى الحرمة أو العكس دون أن يكون لديها من الله سلطان، أو ترى في ذلك حرجاً، وأضافت الكنيسة إلى لغز "الثالوث" المعمى عقائد وآراء أخرى تحكم البديهة باستحالتها، ولكن لا مناص من الإيمان بها والإقرار بشرعيتها على الصورة التي توافق هوى الكنيسة كقضية الاستحالة في العشاء الرباني وعقيدة الخطيئة الموروثة وعقيدة الصلب والعذراء والطقوس السبعة، كل هذه فرضتها على الأتباع بحجة واحدة: هي أنها أسرار عليا لا يجوز الخوض فيها أو الشك في صحتها، وكان العامل المساعد على إنجاح محاولاتها الذي تتمثل فيه صورة الطغيان الديني جلية واضحة ما ذكرناه من احتكارها للمصادر الدينية، ذلك الذي جعلها حاجباً، لا يستطيع أحد دخول الملكوت إلا بواسطته، ولا يمكنه الاتصال بالله إلا من طريقه، وهي حق لا مرية فيه ما دامت الكنيسة هي التي قررته إذ هي معصومة عن الخطأ منـزهة عن الزلل. يتحدث "ويلز" عن رجال الكنيسة قائلاً:
      ولم تعد لهم رغبة في رؤية مملكة الرب موطدة في قلوب الناس، فقد نسوا ذلك الأمر، وأصبحوا يرغبون في رؤية قوة الكنيسة التي هي قوتهم هم متسلطة على شئون البشر، وكانوا في سبيل توطيد تلك القوة على أتم استعداد للمساومة مع أي شئ، حتى البغض والخوف والشهوات المستقرة في قلوب البشر، ونظراً لأن كثيراً منهم كانوا على الأرجح يرون الريبة في سلامة بنيان مبادئهم الضخم المحكم وصحته المطلقة، لم يسمحوا بأية مناقشة فيه، كانوا لا يحتملون أسئلة، ولا يتسامحون في مخالفة، لا لأنهم على ثقة من عقيدتهم، بل لأنهم كانوا غير واثقين فيها، وقد تجلى في الكنيسة في القرن الثالث عشر ما يساورها من قلق قاتل حول الشكوك الشديدة التي تنخر بناء مدعياتها بأكمله، وقد تجعله أثراً بعد عين، فلم تكن تستشعر أي اطمئنان، وكانت تتصيد الهراطقة في كل مكان، كما تبحث العجائز الخائفات عن اللصوص تحت الأسرة وفي الدواليب قبل الرجوع إلى فراشهن" .
      وعززت الكنيسة سلطتها الدينية الطاغية بادعاء حقوق لا يملكها إلا الله، مثل حق الغفران، وحق الحرمان، وحق التّحلة، ولم تتردد في استعمال هذه الحقوق واستغلالها، فحق الغفران أدَّى إلى المهزلة التاريخية، "صكوك الغفران" السالفة الذكر، وحق الحرمان عقوبة معنوية بالغة كانت شبحاً مخيفاً للأفراد والشعوب في آن واحد، فأما الذين تعرضوا له من الأفراد فلا حصر لهم، منهم الملوك أمثال "فردريك" وهنري الرابع الألماني، وهنري الثاني الإنجليزي، ورجال الدين المخالفين من آريوس حتى لوثر، والعلماء والباحثون المخالفون لآراء الكنيسة من "برونو" إلى "أرنست رينان" وأضرابه.
      وأما الحرمان الجماعي فقد تعرض له البريطانيون عندما حصل خلاف بين الملك يوحنا ملك الإنجليز وبين البابا، فحرمه البابا وحرم أمته، فعطلت الكنائس من الصلاة، ومنعت عقود الزواج، وحملت الجثث إلى القبور بلا صلاة، وعاش الناس حالة من الهيجان والاضطراب حتى عاد يوحنا صاغراً يقر بخطيئته ويطلب الغفران من البابا، ولما رأى البابا ذله وصدق توبته رفع الحرم عنه وعن الأمة .
      أما حق التّحلة، فهو حق خاص يبيح للكنيسة أن تخرج عن تعاليم الدين، وتتخلى عن الالتزام بها متى اقتضت المصلحة -مصلحتها هي- ذلك .
      على أن الكنيسة لم تقتصر على هذا، بل طبقت عملياً ما يثبت إصرارها على الطغيان، وحشدت الجيوش الجرارة لمحاربة من سولت له نفسه مخالفة آرائها أو اعتنق ما يخالف عقيدتها، ولا نعني بذلك المسلمين أو اليهود، بل الطوائف النصرانية التي اختلفت مع الكنيسة في قضية من قضايا العقيدة أو الشريعة.
      ومن أوضح الشواهد على ذلك في العصور الوسطى ما تعرض له "الكاثاريون" و"الوالدونيون" الذين لم يتخلوا عن الدين، بل كانوا يطالبون بحياة مسيحية حقيقية، تستمد مقوماتها من الكتاب المقدس نفسه، وأنكروا على الكنيسة ثراءها ودنيويتها، ومع ذلك فقد أعلنت الكنيسة الحرب عليهم، وحرَّض البابا "أنوسنت" كما يقول ويلز: على حرب صليبية ضد هذه الشيع، وأذن لكل نذل زنيم أو متشرد أثيم أن ينضم إلى الجيش وأن يعمل السيف والنار واغتصاب الحرائر، ويرتكب كل ما يمكن أن يتصوره العقل من أنواع انتهاك الحرمات ويعلق المؤرخ الإنجليزي على ذلك بقوله:
      "القصص التي تروى عن هذه الحروب الصليبية تحكي لنا من أضرب القساوة والنكال البشع ما يتضاءل إزاء بشاعته قصة استشهاد المسيحيين على أيدي الوثنيين، وهي فوق هذا تسبب لنا رعباً مضاعفاً لما هو عليه من صحة لا سبيل إلى الشك فيها، كان هذا التعصب الأسود القاسي روحاً خبيثاً... يتعارض تماماً مع روح يسوع الناصري، فما سمعنا أنه لطم الوجوه أو خلع المعاصم لتلاميذه المخالفين له، ولكن البابوات كانوا طوال قرون سلطانهم في حنق مقيم ضد من تحدثه نفسه بأهون تأمل في كفاية الكنيسة الذهنية" .
      ولم يقف الأمر عند هذا الحد لا سيما بعد أن اتضح للكنيسة الأثر الإسلامي الظاهر في الآراء المخالفة لها، فأنشأت ذلك الغول البشع والشبح المرعب الذي أطلق عليه اسم "محاكم التفتيش"، ولا يفوتنا أن نقول: إن الضحية الأولى لمحاكم التفتيش كانت المسلمين الأندلسيين الذين أُبيدوا إبادة تامة بأقسى وأشنع ما يتخيله الإنسان من الهمجية والوحشية، ثم ظلت تمارس أعمالها على مخالفي الكنيسة وإن لم يكونوا مسلمين أو متأثرين بالحضارة الإسلامية.. وانتقلت من أسبانيا إلى بقية أقاليم الكنيسة، وكانت المحكمة الأم لها هي "المحكمة المقدسة" في روما، ولا يكاد المؤرخون الغربيون يتعرضون للحديث عنها إلا ويصيبهم الاضطراب، وتتفجر كلماتهم رعباً، فما بالك بالضحايا الذين أزهقت أرواحهم والسجناء الذين أذاقتهم ألوان المر والنكال!
      "كان الإنسان في تلك العصور يكبس منـزله وهو هادئ وادع، فيحمل في جوف الليل ويعتقل الأشهر بل السنين وهو لا يدري ماهية التهمة التي سيتهم بها، لأن "خصماً" له من الجيران قد أبلغ المحكمة بأنه سمعه يقول كيت وكيت عن الرؤيا أو عن الثالوث أو عن المعجزات، ثم إذا أصر المتهم على إنكار ما نُسب إليه من التهمة جاز للمحكمة تعذيبه بأن تقطعه أشلاء شلواً بعد شلوٍ أمام عينيه، وأن تقرض لحمه بالمقراض، وأخيراً تحرقه" .
      وكانت المحكمة عبارة عن سجون مظلمة تحت الأرض بها غرف خاصة للتعذيب، وآلات لتكسير العظام وسحق الجسم البشري، وكان الزبانية يبدءون بسحق عظام الأرجل، ثم عظام الصدر والرأس واليدين تدريجياً" حتى يهشم الجسم كله ويخرج من الجانب الآخر كتلة من العظام المسحوقة والدماء الممزوجة باللحم المفروم، وكان لدى المحكمة آلات تعذيبية أخرى منها: آلة على شكل تابوت تثبت فيه سكاكين حادة، يلقون الضحية في التابوت ثم يطبقونه عليه فيتمزق جسمه إرباً إرباً، وآلات كالكلاليب تغرز في لسان المعذب ثم تشد فتقصه قطعة قطعة، وتغرز في أثداء النساء حتى تتقطع كذلك.
      وصور أخرى تتقزز منها النفوس وتشمئز لذكرها .
      وبفضل هذا الإرهاب البالغ والطغيان العاتي، عاش الناس تلك الأحقاب ترتعد قلوبهم وترتجف أوصالهم عند ذكر الكنيسة، ووقف كبار الفلاسفة والنقاد مبهوتين مطرقين، لا يجرؤ أحدهم على التصريح بأنه لا يؤمن بـالمسيحية مهما كانت آراؤه مخالفة لتعاليمها، ولم يداخل العلماء الأفذاذ آنذاك مثل "نيوتن، وبيكون، وديكارت وكانت" أن يعترضوا على عقائد الكنيسة الفجة -لا سيما التثليت والخطيئة والاستحالة-، أو على الأقل يجاهروا بمخالفتها، بل يخيل إلى الباحث أنهم كانوا يعيشون فترة من فقدان الوعي تجاه هذه العقائد رغم نبوغهم في مجالات أخرى، وإن كان للموضوع جانب آخر سنتناوله فيما بعد، إن شاء الله.
      يقول برنتن: ''لم يكن بوسع الكثيرين من أفراد المجتمع الغربي أن يعترفوا صراحة وجماعة بالإلحاد أو اللاأدرية أو بمذهب الاتصال بالله أو بأية عقيدة أخرى غير المسيحية إلا خلال القرون القلائل الأخيرة، وقد كان الكفار الذين يجاهرون بكفرهم قلة نادرة في الألف سنة التي استغرقتها القرون الوسطى، ولما كان الناس جميعاً مسيحيين فلم يكن هناك مفر من أن تكون المسيحية هي كل شيء لكل الناس، فلقد كان القديس فرانسيس وإرازمس ولويولا وميكافيلي وباسكال ووزلي ونابليون وغلادستون وجون روكفلر جميعاً مسيحيين'' .
    3. ثانياً: الطغيان السياسي

      طبيعي جداً أن يكون لرجال الدين سلطة سياسية في الأمة التي تدين بدينهم، بل إن الافتراض الذي لا يصح سواه هو أن تكون أزمة الأمور كلها -والسياسة خاصة- في يد فئة مؤمنة متدينة تطبق شريعة الله وتقيمها في واقع الحياة، لكن الذي لا يصح على الإطلاق هو أن يتحول رجال الدين إلى طواغيت ومحترفين سياسيين، مع نبذ شريعة الله وإسقاطها من الحساب ليحل محلها شهوة عارمة للتسلط ورغبة شرهة في الاستبداد، ومفاد ذلك أنه لا حرج على الكنيسة في تقويم انحرافات الملوك وممارسة الضغوط عليهم، إذا سولت لهم أنفسهم خرق التعاليم الدينية وتجاوز الأوامر الإلهية لتردهم إلى حظيرة الدين وتعبدهم لله وحده، فهذا عين مهمتها في الحياة ولا ينبغي لها بحال أن تتخلى عنها، أما أن تسهم الكنيسة في طمس الدين وتعطيل الشريعة ثم تفرض نفسها وصية على الملوك والأمراء وترغمهم على الخضوع المذل لها وتجعل معيار صلاحهم منوطا" بمقدار ما يقدمونه لها من مراسم الطاعة وواجبات الخدمة، لا بمقدار ما يحفظون حدود الله ويستقيمون على منهجه، فذلك هو الأمر الشائن والعيب الفاضح، ومع هذا فهو الذي حصل بالفعل للكنيسة المسيحية طيلة عصور ازدهارها.
      لقد ظلت النفسية الأوروبية تعاني تمزقاً رهيباً، ما تزال آثاره ممتدة إلى اليوم بسبب الصراع المزمن الذي دار بين الكنيسة وبين الملوك، والمنافسة الشديدة بين الطرفين للقبض على مقاليد المجتمع وكسب ولاء الأفراد.
      ولم تكن الحرب بين أتباع البابوات وأنصار الأباطرة أو "الجوالف والجبليين" -كما يعرفهم التاريخ الأوروبي- إلا حرباً بين حزبين متناحرين لا يكاد أحدهما يتميز عن الآخر إلا في الشعارات التي يخفي تحتها مطامعه الدنيوية البحتة.
      كان ملوك أوروبا يضيقون ذرعاً بتدخل الكنيسة المتعنت في كل شئونهم، ذلك التدخل الذي لا يجدون له مبرراً على الإطلاق، وفي نظرهم لم يكن لرجال الدين عليهم ميزة إلا "القداسة" ومع ذلك فهم أيضاً" مقدسون، إن لم يكن بأنفسهم فبنسبهم.
      يقول فيشر: ''كانت الأسر الحاكمة في أوروبا تستمد بقاءها من صلتها النسبية بأحد القديسين، فيرثون منه قداسته ولا يبالي الشعب بعد ذلك بتصرفاتهم لأنهم مقدسون'' .
      وقد جرؤ ادوارد الأول ملك انجلترا، وفيليب الجميل ملك فرنسا، على القول بأنه: ''ليس من الضروري أن يخضع الملك للبابا لكي يحظى بالجنة في الآخرة، وأن كلاَّ منهما قد نوى أن يكون سيداً في مملكته وأن شعبه يؤيده في هذه النية تمام التأييد''.
      إذن فقد كان غاية ما يطمح إليه أولئك أن تكف الكنيسة عن فرض وصايتها السياسية والدينية عليهم، دون أن يفكروا في تقويض بنيانها أو الخروج على تعاليمها.
      لكنهم كانوا في واد والكنيسة في واد، فقد كانت ترى أن خضوع الملوك لها ليس تطوعاً منهم، بل واجباً يقتضيه مركزها الديني وسلطانها الروحي.
      جاء في البيان الذي أعلنه البابا "نقولا الأول" قوله: ''إن ابن الله أنشأ الكنيسة: بأن جعل الرسول بطرس أول رئيس لها، وأن أساقفة روما ورثوا بطرس في تسلسل مستمر متصل... (ولذلك) فإن البابا ممثل الله على ظهر الأرض، يجب أن تكون له السيادة العليا والسلطان الأعظم على جميع المسيحيين، حكاماً كانوا أو محكومين'' .
      أما البابا الطاغية "جريجوري السابع" فقد أعلن أن الكنيسة بوصفها نظاماً إلهياً خليقة بأن تكون صاحبة السلطة العالمية، ومن حق البابا وواجبه -بصفته خليفة الله في أرضه- أن يخلع الملوك غير الصالحين، وأن يؤيد أو يرفض اختيار البشر للحكام أو تنصيبهم، حسب مقتضيات الأحوال".
      وسخر من الملوك والشعوب بقوله: ''من ذا الذي يجهل أن الملوك والأمراء يرجعون بأصولهم إلى الذين لا يعرفون الله، ثم يتعالون ويصطنعون العنف والغدر ويرتكبون جميع أنواع الجرائم، ويطالبون بحقهم في حكم من لا يقلون عنهم -أي: الشعب- جشعاً وعماية وعجرفة لا تطاق'' .
      وليس ثمة شك في أن النصر ظل حليف الكنيسة طيلة القرون الوسطى، بسبب سلطتها الروحية البالغة وهيكلها التنظيمي الدقيق واستبدادها المطلق، ولذلك فقد كان البابوات هم الذين يتولون تتويج الملوك والأباطرة، كما كان في إمكانهم خلع الملوك وعزلهم بإرادتهم المحضة، ولم يكن باستطاعة أحد الانفلات من ذلك، ومن رفض الرضوخ فإن حكمه غير شرعي، ومن حق البابوية أن تعلن الحرب الصليبية عليه وتحرم أمته، ولا يعوزنا الاستشهاد على ذلك من التاريخ الأوروبي، فالأمثلة فيه كثيرة، ولعل خير مثال لذلك حادثة الامبراطور الألماني "هنري الرابع" المشهورة مع البابا جريجوري السابع وذلك أن خلافاً نشب بينهما حول مسألة "التعيينات" أو ما يسمى "التقليد العلماني" فحاول الامبراطور أن يخلع البابا، ورد البابا بخلع الامبراطور، وحرمه وأحل أتباعه والأمراء من ولائهم له وألبهم عليه، فعقد الأمراء مجمعاً قرروا فيه أنه إذا لم يحصل الامبراطور على المغفرة لدى وصول البابا إلى ألمانيا، فإنه سيفقد عرشه إلى الأبد، فوجد الامبراطور نفسه كالأجرب بين رعيته، ولم يكن في وسعه أن ينتظر وصول البابا فضرب بكبريائه عرض الحائط، واستجمع شجاعته وسافر مجتازاً جبال الألب والشتاء على أشده، يبتغي المثول بين يدي البابا بمرتفعات كانوسا في تسكانيا وظل واقفاً في الثلج في فناء القلعة ثلاثة أيام، وهو في لباس الرهبان متدثراً بالخيش حافي القدمين عاري الرأس، يحمل عكازة مظهراً كل علامات الندم، وأمارات التوبة، حتى تمكن من الظفر بالمغفرة والحصول على رضا البابا العظيم .
      وفي بريطانيا حدثت قصة أخرى مماثلة: فقد حصل نزاع بين الملك هنري الثاني وبين "تومس بكت" رئيس أساقفة كنتربري، بسبب دستور رسمه الملك يقضي على كثير من الحصانات التي يتمتع بها رجال الدين، ثم إن رئيس الأساقفة اُغتيل، فروعت المسيحية وثار ثأرها على هنري ودمغته بطابع الحرمان العام، فاعتزل الملك في حجرته ثلاثة أيام لا يذوق فيها الطعام، ثم أصدر أمره بالقبض على القتلة وأعلن للبابا براءته من الجريمة، ووعد بأن يكفر عن ذنبه بالطريقة التي يرتضيها، وألغى الدستور، ورد إلى الكنيسة كل حقوقها وأملاكها، وبالرغم من ذلك لم يحصل على المغفرة حتى جاء إلى كنتر بري حاجاً نادماً، ومشى الثلاثة أميال الأخيرة من الطريق على الحجارة الصُّوَّان، حافي القدمين ينزف الدم منهما، ثم استلقى على الأرض أمام قبر عدوه الميت، وطلب من الرهبان أن يضربوه بالسياط، وتقبل ضرباتهم وتحمَّل كل الإهانات في سبيل استرضاء البابا وأتباعه .
      وأعظم زعيم تحدى سلطات الكنيسة واستطاع مقاومتها مدة غير يسيرة، هو الامبراطور "فردريك الثاني" وتعود صلابته إلى المؤثرات الإسلامية في ثقافته وشخصيته، فقد كان مجيداً للعربية مغرماً بالحضارة الإسلامية، حتى أن الكنيسة اتهمته باعتناق الإسلام وسمته "الزنديق الأعظم" أما المفكرون المعاصرون فيسميه بعضهم "أعجوبة العالم" وبعضهم "أول المحدثين".
      وقد اشتد النزاع بينه وبين البابا "جريجوري التاسع" بسبب رفضه القيام بحملة صليبية على الشرق - وكانت الكنيسة تعد الملوك جنوداً طائعين لها... فحرمه البابا وشهر به في رسالة علنية عدد فيها هرطقاته وذنوبه، فكان على الامبراطور أن يدفع التهمة عن نفسه برسالة وصفها ويلز بأنها "وثيقة ذات أهمية قصوى في التاريخ، لأنها أول بيان واضح صريح عن النزاع بين مدعيات البابا في أن يكون الحاكم المطلق على عالم المسيحية بأسره، وبين مدعيات الحكام العلمانيين، وقد كان هذا النزاع يسري على الدوام كالنار تحت الرماد، ولكنه كان يضطرم هنا على صورة ما ويتأجج هناك على صورة أخرى، ولكن فردريك وضع الأمر في عبارات واضحة عامة، يستطيع الناس أن يتخذوها أساساً لاتحادهم بعضهم مع بعض للوقوف في وجه الكنيسة.
      على أن فردريك كان ظاهرة فذة لم تلبث أن تختفي تحت قهر قرارات الحرمان والسطوة الكنسية الباغية، ولم يعرف التاريخ الأوروبي من يماثله إلا بعد أجيال عديدة.
    4. ثالثاً: الطغيان المالي

      يستطيع المرء أن يقول دون أي مبالغة: إن الأناجيل المسيحية لم تنه عن شيء نهيها عن اقتناء الثروة والمال، ولم تنفر من شيء تنفيرها من الحياة الدنيا وزخرفها، حتى أن المتأمل في الأناجيل -رغم تحريفها- لابد أن يؤخذ بروعة الأمثلة التي ضربها المسيح -عليه السلام- للحياة الدنيا ومتاعها الزائل، كما أنه سيرى من سيرة المسيح العملية ما يؤيد مواعظه البليغة، فقد كان هو وحواريوه ورعين زاهدين ينظرون بعين المقت والازدراء إلى الكنوز المكدسة التي يحوزها بنو جنسهم "اليهود".
      وجاءت القرون التالية فشهدت مفارقة عجيبة بين مفهوم الكنيسة عن الدنيا وبين واقع الكنيسة العملي، فقد تشددت الكنيسة جداً حتى حرمت ما أحل الله من الطيبات، واقتبست النظرة البوذية التشاؤمية للحياة الدنيا -كما مر سلفاً- وفي الوقت نفسه كانت سيرتها الذاتية صفحة مخزية من التهالك على الدنيا وامتصاص دماء الأتباع، بما لا يضارعها فيه أثرياء اليهود وكبار الملاك الإقطاعيين الذين تسميهم الكنيسة "دنيويين" في حين أن المسيح يقول: ''مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله'' .
      ويقول لتلاميذه: ''ولا تقتنوا ذهباً ولا فضة ولا نحاساً في مناطقكم ولا مزوداً للطريق ولا ثوبين ولا أحذية ولا عصا'' .
      وفي الوقت الذي تفرض فيه الكنيسة على أتباع دينها التقشف والزهد، نجد حال الكنيسة نفسها مغايراً لروح وصايا المسيح ولمقتضى ما تدعو الناس إليه.
      يقول "كرسون": ''كانت الفضائل المسيحية كالفقر والتواضع والقناعة والصوم والورع والرحمة، كل ذلك خيراً للمؤمنين وللقسيسين وللقديسين وللخطب والمواعظ، أما أساقفة البلاد والشخصيات الكهنوتية الكبيرة، فقد كان لهم شيء آخر: البذخ والأحاديث المتأنقة مع النساء، والشهرة في مجالس الخاصة، والعجلات والخدم والأرباح الجسيمة والموارد والمناصب'' .
    5. خلاصة مظاهر الطغيان الكنسي

      ونستطيع أن نلخص مظاهر الطغيان الكنسي في هذا المجال بما يلي: -
      1-الأملاك الإقطاعية:
      يقول "ديورانت": ''أصبحت الكنيسة أكبر ملاَّك الأراضي وأكبر السادة الإقطاعيين في أوروبا، فقد كان "دير فلدا" مثلاً، يمتلك (15000) قصر صغير، وكان دير سانت جول يملك ألفين من رقيق الأرض، وكان "الكوين فيتور" (أحد رجال الدين) سيداً لعشرين ألفاً من أرقاء الأرض، وكان الملك هو الذي يعين رؤساء الأساقفة والأديرة، وكانوا يقسمون يمين الولاء كغيرهم من الملاك الإقطاعيين، ويلقبون بالدوق والكونت وغيرها من الألقاب الإقطاعية... وهكذا أصبحت الكنيسة جزءاً من النظام الإقطاعي'' . ''وكانت أملاكها الزمنية -أي: المادية- وحقوقها والتزاماتها الإقطاعية مما يجلل بالعار كل مسيحي متمسك بدينه، وسخرية تلوكها ألسنة الخارجين على الدين، ومصدراً للجدل والعنف بين الأباطرة والباباوات'' .
      2-الأوقاف:
      كانت الكنيسة تملك المساحات الشاسعة من الأراضي الزراعية باعتبارها أوقافاً للكنيسة بدعوى أنها تصرف عائداتها على سكان الأديرة وبناء الكنائس وتجهيز الحروب الصليبية، إلا أنها أسرفت في تملك الأوقاف، حتى وصلت نسبة أراضي الكنيسة في بعض الدول إلى درجة لا تكاد تصدق، وقد قال المصلح الكنسي "ويكلف" وهو من أوائل المصلحين: "إن الكنيسة تملك ثُلث أراضي انجلترا، وتأخذ الضرائب الباهظة من الباقي، وطالب بإلغاء هذه الأوقاف، وأتهم رجال الدين بأنهم "أتباع قياصرة لا أتباع الله" .
      3-العشور:
      فرضت الكنيسة على كل أتباعها ضريبة "العشور"، وبفضلها كانت الكنيسة تضمن الحصول على عشر ما تغله الأراضي الزراعية والإقطاعيات، وعشر ما يحصل عليه المهنيون وأرباب الحرف غير الفلاحين.
      يقول ويلز: '' كانت الكنيسة تجبي الضرائب، ولم يكن لها ممتلكات فسيحة ولا دخل عظيم من الرسوم فحسب، بل فرضت ضريبة العشور على رعاياها، وهي لم تدع إلى هذا الأمر بوصفه عملاً من أعمال الإحسان والبر، بل طالبت به كحق'' .
      ولم يكن في وسع أحد أن يرفض شيئاً من ذلك، فالشعب خاضع تلقائياً لسطوتها، أما الملوك فقد كانوا يخشون بأسها من جهة كما كانت بها مصالح مشتركة من جهة أخرى، إذ كانت هي أيضاً تمدهم بأسباب البقاء.
      يقول تولستوي: ''لقد استولى حب السلطة على قلوب رجال الكنيسة كما هو مستول على نفوس رجال الحكومات، وصار رجال الدين يسعون لتوطيد سلطة الكنائس من جهة ويساعدون الحكومات على توطيد سلطتها من جهة أخرى''.
      إذن فمصلحة السلطتين تقتضي بقاء الأوضاع على صورتها الواقعة.
      4-ضريبة السنة الأولى:
      لم تشبع الأوقاف والعشور نهم الكنيسة الجائع وجشعها البالغ، بل فرضت الرسوم والضرائب الأخرى، لا سيما في الحالات الاستثنائية: كالحروب الصليبية والمواسم المقدسة، وظلت ترهق بها كاهل رعاياها، فلما تولى البابا يوحنا الثاني والعشرون جاء ببدعة جديدة هي "ضريبة السنة الأولى" وهى مجموعة الدخل السنوي الأول لوظيفة من الوظائف الدينية أو الإقطاعية، تُدفع للكنيسة بصفة إجبارية، وبذلك ضمنت الكنيسة مورداً مالياً جديداً .
      5-الهبات والعطايا:
      كانت الكنيسة تحظى بالكثير من الهبات يقدمها الأثرياء الإقطاعيون للتملق والرياء، أو يهبها البعض بدافع الإحسان والصدقة، وصحيح أن الكنيسة لم تطالبهم بذلك، لكنهم لولا معرفتهم بحرصها على الدنيا وإمكان استمالتها بطريق البذل والعطاء لما فعلوا ذلك، كما أنهم كانوا يخشون غائلة غضب الكنيسة بحرمانهم من المغفرة عند الاحتضار على الأقل، وقد قويت هذه الدوافع بعد مهزلة صكوك الغفران إذ انهالت التبرعات على الكنيسة وتضخمت ثروات رجال الدين كما أسلفنا.
      هذا ولا ننسى المواسم المقدسة والمهرجانات الكنسية التي كانت تدر الأموال الطائلة على رجال الكنيسة، فمثلاً "في سنة (1300م) عقد مهرجان لليوبيل، واجتمع له جمهور حاشد من الحجاج في روما، بلغ من انثيال المال إلى خزائن البابوية أن ظل موظفان يجمعان بالمجاريف الهبات التي وضعت عند قبر القديس بطرس"
      6-العمل المجاني "السخرة":
      سبق القول بأن الكنيسة تملك الإقطاعيات برقيقها، وأن بعض رجال الدين كان يملك الآلاف من الأرقاء، غير أن ذلك لم يقنع الكنيسة، بل أرغمت أتباعها على العمل المجاني في حقولها وفي مشروعاتها، لا سيما بناء الكنائس والأضرحة، وكان على الناس أن يرضخوا لأوامرها ويعملوا بالمجان لمصلحتها مدة محددة هي في الغالب يوم واحد في الأسبوع، ولا ينالون مقابل ذلك جزاءً ولا شكوراً.
      وهكذا كانت الجماهير ترزح تحت أثقال الكنيسة وأعبائها المالية المرهقة، وكان الملوك والأباطرة ورجال الدين الصغار يحسون بذلك أيضاً، ويتحينون الفرصة لإعلان احتجاجهم.
      ومن الذين تضجروا من ذلك ودفعتهم جرأتهم إلى الاحتجاج العلني: الملك لويس التاسع ملك فرنسا، الذي كتب إلى البابا رسالة احتجاجية خطيرة بالنسبة لعصرها، قال فيها: ''إن الذي يشتد في إدرار الأضراع لابد أن يصيب الدم من حلماتها'' .
      أما رجال الدين فقد كان أحد الموضوعات التي نظر فيها المجلس الديني العام المنعقد في ليون سنة (1246م) شكوى مقدمة من بعضهم يستغيثون فيها من مطالب البابا والكنيسة الأم .
      ولكن هذه الاحتجاجات والاستغاثات ظلت صرخة في واد ولم تزحزح الكنيسة عن موقفها، وظلت الأمور على هذه الوتيرة حتى تضافرت عوامل أخرى سيأتي الحديث عنها فيما بعد بإذن الله.
  9. الفصل الثاني: الصراع بين الكنيسة والعلم

    الصراع بين الدين والعلم مشكلة من أعمق وأعقد المشكلات في التاريخ الفكري الأوروبي إن لم تكن أعمقها قاطبة، فمنذ عصر النهضة إلى عصرنا الحاضر والصراع على أشده بين مؤيدي العلم وأنصار الدين، ورغم كل الظواهر البارزة في الحياة الغربية التي تؤكد أن المعركة قد انتهت وأن العلم انتصر بصفة نهائية على خصمه اللدود، فإن هناك ما يدل دلالة قوية على أن الدين، أو على الأصح بعض قضاياه الاعتقادية والسلوكية، لم تكن في عصر من العصور أقوى حجة منها في هذا العصر، لا سيما بعد أن تنكرت الثقافة الغربية لأفكار القرن التاسع عشر التي تتسم بخاصيتي "الإطلاق والعقلانية " واعتنقت نظريات القرن العشرين التي تتميز بالنسبية واللامعقول.
    ولذلك فقد خيل للكثيرين أن المعركة لم ولن تنتهي، وأنها باقية ما بقيت المعرفة الإنسانية، وساعد على ترسيخ هذه الفكرة تقبل النفسية الأوروبية للازدواجية في كل شيء، وهو التقبل الذي تولد من خضوعها المستمر لسلطتين متباينتين، وإيمانها الطويل بفكرتين متناقضتين.
    وقليل منهم من فطن إلى السر الكامن وراء استمرارية المعركة دون نتيجة نهائية حاسمة، والواقع أن السبب الحقيقي في ذلك يمكن إدراكه بسهولة لو أن الإنسان الغربي -من أي الفريقين- تخلى عن غروره وتبجحه، ونظر إلى المشكلة نظرة تقييمية مجردة، وذلك أن أي خصمين يملك كل منهما نصف الحقيقة لا يمكن أن ينتصر أحدهما على الآخر انتصاراً نهائياً.
    وبتطبيق هذه البدهية على الصراع بين العلم والدين الأوروبـيِّين، نجد أن المواقع التي احتلها العلم من مناطق نفوذ الدين هي -في الحقيقة- المواقع التي انتصر فيها العقل واليقين على الخرافة والوهم، كما أن المواقع التي صمد فيها الدين أمام الهجوم العلمي الكاسح هي المواقع التي انتصرت فيها الحقيقة الموحاة على التخرصات والأهواء.
    وحينئذ نستطيع أن نقول مطمئنين: إن الحق في كل من الطرفين هو الذي انتصر -أو سينتصر- على الباطل في كليهما، وأنه لو كان الدين الأوروبي حقاً خالصاً والعلم الأوروبي يقيناً مجرداً لما حدثت معركة على الإطلاق.
    وبما أن الدين بصبغته الإلهية النقية لم يدخل المعركة، فإن الأوفق أن نسمي ما حدث في الغرب صراعاً بين الكنيسة والعلم، وليس بين الدين والعلم.
    ومن المؤسف حقاً أن جناية رجال الدين الأوروبيين -على الحقيقة- كانت أشنع وأنكى من جناية أنصار العلم عليها، وإن كان كل منهما مسئولاً عن النتائج المؤسفة لذلك الصراع، ذلك أن الكنسية ارتكبت خطأين فادحين في آن واحد:
    - أحدهما: تحريف حقائق الوحي الإلهي وخلطها بكلام البشر.
    - والآخر: فرض الوصاية الطاغية على ما ليس داخلاً في دائرة اختصاصها.
    والخطأ الأول مسئول عن تسرب الخرافات الوثنية والمعلومات البشرية إلى كثير من تعاليم المسيحية، إذ جعلتها الكنيسة عقائد إلهية تدخل في صلب الدين وصميمه، وعدت الكفر بها كفراً بالوحي والدين.
    والخطأ الثاني نشأ عن ضيق صدر الكنيسة بما يخالف تعاليمها الممزوجة وإصرارها الأعمى على التشبث بها، فكان الامتداد الطبيعي للطغيان الديني طغياناً فكرياً عاماً، وحاسبت الناس، لا على معتقدات قلوبهم فحسب، بل على نتائج قرائحهم وبنات أفكارهم، وتوهمت أن في قدرتها أن تملك ما لا تستطيع أية قوة طاغية أن تحتكره، وهو الحقيقة العلمية فيما يتعلق بالتجربة المحسوسة أو النظر العقلي السليم، وبذلك أقحمت نفسها في متاهات كانت غنية كل الغنى عن عبورها وأثارت على نفسها حرباً ضروساً لا هوادة فيها ولا تمييز.
    وأول عمل مارسته الكنيسة في هذا المجال هو احتكارها للعلم وهيمنتها على الفكر البشري بأجمعه.
    يقول برنتن: ''إن أكثر أصحاب الوظائف العلمية حتى في أوج العصور الوسطى كانوا ينتمون إلى نوع من أنواع المنظمات الدينية، وكانوا جزءاً من الكنيسة، حيث أن الكنيسة بدرجة لا نكاد نفهمها اليوم تتدخل في كل لون من ألوان النشاط البشري وتوجهها وبخاصة النشاط العقلي "..." وإذن فقد كان الرجال الذين يتلقون تعليمهم في الكنيسة يكادون يحتكرون الحياة العقلية، فكانت الكنيسة منصة المحاضرة والصحافة والنشر والمكتبة والمدرسة والكلية ، وكان أصحاب الميول الفلسفية في الدول الرومية، سواءً من رجال الكنيسة أومن المسيحيين العاديين، متأثرين بتراثهم من الفكر الإغريقي في ميادين العلم والفلسفة، لا سيما آراء أرسطو وبطليموس، وقد بذلوا جهودهم في التوفيق بين معتقداتهم الدينية وآرائهم الفلسفية، ونشأ عن ذلك فلسفة مركبة تسمى "الفلسفة المسيحية" وهي خليط من نظريات الإغريق وظواهر التوراة والأناجيل وأقوال القديسين القدامى، ولما كان العلم والفلسفة في ذلك العصر شيئاً واحداً، فقد أدمج الفلاسفة المسيحيون في صرح فلسفتهم كل ما وصل إليه العلم البشري في عصرهم من النظريات الكونية والجغرافية والتاريخية، ورأت الكنيسة في هذه الفلسفة التوفيقية خير معين على الدفاع عن تعاليمها ضد المارقين والناقدين، فتبنتها رسمياً وأقرتها مجامعها المقدسة حتى أضحت جزءاً من العقيدة المسيحية ذاتها وامتدت يد التحريف فأدخلت بعض هذه المعلومات في صلب الكتب الدينية المقدسة.
    ولم يبدأ عصر النهضة الأوروبية في الظهور حتى كانت آراء أرسطو في الفلسفة والطب ونظرية العناصر الأربعة ونظرية بطليموس في أن الأرض مركز الكون، وما أضاف إلى ذلك القديس أوغسطين وكليمان الإسكندري وتوما الأكويني، أصولاً من أصول الدين المسيحي وعقائد مقدسة لا يصح أن يتطرق إليها الشك''.
    وكانت الفلسفة المسيحية هذه تشتمل على معلومات تفصيلية عن الكون تقول: ''إن الله خلق العالم ابتداءً من سنة (4004 ق.م) وتوج ذلك بخلق الإنسان في جنة عدن على مسيرة يومين من البصرة بالضبط، والعجيب أنها ظلت مصرة على هذا الرأي حتى مطلع القرن التاسع عشر، فقد طبع كتاب الأسقف "آشر" الذي يحمل هذه النظرية سنة (1779م)'' .
    أما تاريخ الطوفان فتختلف فيه تقاويم التوراة، لكنه على أقصى آرائها وقع بعد خلق آدم بـ(2262) سنة .
    ومعنى ذلك أنه كان سنة (1742ق.م) ومن الطريف أن مجلساً كنسياً كان قد أعلن في بداية القرن العاشر للميلاد أن القرن الأخير من حياة العالم قد استهل؛ لأن الله قد جعل المدة بين إنزال ابنه ونهاية العالم ألف سنة فقط .
    أما معلوماتها الطبية، فقد كانت أفضل وأنجح الوسائل العلاجية في نظرها إقامة الطقوس لطرد الشياطين التي تجلب المرض، ورسم إشارة لصليب، ووضع صور العذراء والقديسين تحت رأس المريض ليشفى.
    وعرفت أوروبا الطريق إلى النهضة بفضل مراكز الحضارة الإسلامية في الأندلس وصقلية وجنوب إيطالية، التي كانت تشع نور العلم والمعرفة على القارة المستغرقة في دياجير الخرافة والجهل، فاستيقظ العقل الأوروبي من سباته، وأخذ يقتبس عن المسلمين طرائق البحث ومناهج التفكير التي تجعله يكد ويعمل في مجال اختصاصه دون وصاية ضاغطة.
    وثارت ثائرة رجال الكنيسة على الذين يتلقون علوم الكفار (المسلمين)، ويعرضون عن التعاليم المقدسة، فأعلنت حالة الطوارئ ضدهم، وشكلت محاكم التفتيش في كل مكان تتصيدهم وتذيقهم صنوف النكال.
    وأصدرت منشورات بابوية جديدة تؤكد العقائد السابقة وتلعن وتحرم مخالفيها، وبذلك قامت المعركة على قدم وساق وأخذت تزداد سعاراً بمرور الأيام.
    وكان من سوء طالع الكنيسة أن النظريات الكونية سبقت النظريات الإنسانية في الظهور، وهي نظريات أثبتت الأيام صحتها - إجمالاً - بخلاف الأخرى، وبذلك قدر للكنيسة أن تصطدم بالصحيح قبل الزائف، فلما خسرت معركتها معه سهلت هزيمتها أمام الآخر.
    هذا وسنستعرض بإيجاز هذا الصراع مراعين التسلسل التاريخي:
    1. أولاً: مطلع العصر الحديث والقرن السابع عشر

      إن النظرية التي هزت الكنيسة لأول مرة هي نظرية كوبرنيق (1543) الفلكية، فقبل هذه النظرية كانت الكنيسة المصدر الوحيد للمعرفة، وكانت فلسفتها تعتنق نظرية بطليموس التي تجعل الأرض مركز الكون وتقول: إن الأجرام السماوية كافة تدور حولها. .
      فلما ظهر كوبرنيق بنظريته القائلة بعكس ذلك كان جديراً بأن يقع في قبضة محكمة التفتيش، ولم ينج من ذلك لأنه كان قسيساً، بل لأن المنية أدركته بعد طبع كتابه بقليل؟. فلم تعط المحكمة فرصة لعقوبته، إلا أن الكنيسة حرمت كتابه حركات الأجرام السماوية ومنعت تداوله، وقالت: إن ما فيه هو وساوس شيطانية مغايرة لروح الإنجيل.
      وظنت أن أمر هذه النظرية قد انتهى، ولكن رجلاً آخر هو "جردانو برونو" بعث النظرية بعد وفاة صاحبها فقبضت عليه محكمة التفتيش وزجت به في السجن ست سنوات، فلما أصر على رأيه أحرقته سنة 1600م وذرت رماده في الهواء وجعلته عبرة لمن اعتبر.
      وبعد موته ببضع سنوات كان "جاليلو " قد توصل إلى صنع المرقب "التلسكوب" فأيد تجريبياً ما نادى به أسلافه نظرياً، فكان ذلك مبرراً للقبض عليه ومحاكمتة و" قضى عليه سبعة من الكرادلة بالسجن مدة من الزمان وأمر بتلاوة مزامير الندم السبعة مرة كل أسبوع طوال ثلاث سنوات" ولما خشي على حياته أن تنتهي بالطريقة التي انتهى بها برونو أعلن ارتداده عن رأيه وهو راكع على قدميه أمام رئيس المحكمة قائلاً: ''أنا جاليلو وقد بلغت السبعين من عمري سجين راكع أمام فخامتك، والكتاب المقدس أمامي ألمسه بيدي، أرفض وألعن وأحتقر القول الإلحادي الخاطئ بدوران الأرض، وتعهد مع هذا بتبليغ المحكمة عن كل ملحد يوسوس له الشيطان بتأييد هذا الزعم المضلل''.
      هؤلاء هم زعماء النظرية، وهذا هو موقف الكنيسة منهم، وليس غريباً أن تضطهدهم وتحارب أفكارهم، فإن أفكارها لا تعيش إلا في الظلام، وهي لن تستعبد الناس بالحق، بل بالخرافة.. ولكن الغريب هو أدلتها الدينية التي ساقتها لتكذيب النظرية وما كان ليضير الدين في شيء أن تصدق أو تكذب.
      قالت الكنيسة: إن الأرض يجب أن تكون مركز الكون الثابت لأن الأقنوم الثاني - المسيح - تجسد فيها، وعليها تمت عملية الخلاص والفداء، وفوقها يتناول العشاء الرباني، كما أن التوراة تقول: "الأرض قائمة إلى الأبد والشمس تشرق والشمس تغرب وتسرع إلى موضعها حيث تشرق" أما كروية الأرض وسكنى جانبها الآخر فنفتها الكنيسة بحجة أن " من خطل الرأي أن يعتقد الإنسان بوجود أناس تعلو مواطئ أقدامهم على رءوسهم، وبوجود نباتات وأشجار تنمو ضاربة إلى أسفل، وقالت: إنه لو صح هذا الزعم لوجب أن يمضي المسيح إلى سكان الوجه الآخر من الأرض ويموت مصلوباً هناك من أجل خلاصهم" .
      ومع ذلك، فلم يكد القرن السابع عشر يستهل حتى كان لنظرية كوبرنيق وما أضاف إليها برونو وجاليلو آثار واسعة، ظلت راسخة في الفلسفة الأوروبية عامة، فقد أفقدت الكثيرين ثقتهم في الكنيسة، وأدت إلى التشكيك في سلامة معلوماتها، وهو أثر له أهميته القصوى، كما أنها أعطت الأولوية للتجربة والبحث العقلي في الوصول إلى الحقائق، وإضافة إلى ذلك قدمت إيحاءات فلسفية جديدة، فقد هزت فكرة الثبات المطلق التي كانت مسيطرة على العقلية الأوروبية وحطت كذلك من قيمة الإنسان ومكانته في الوجود أو هكذا تخيل الناس آنذاك.
      وفي القرن السابع عشر تبلور النزاع واتخذ شكلاً جديداً؛ فقد أصبح النزاع بين مرقب جاليلو وحجج الكنيسة الواهية، نزاعاً بين النص الذي تعتمد عليه أدلتها وبين العقل والنظر الذي استند إليه أصحاب النظريات الجديدة.
      وثار العلماء ودعاة التجديد مطالبين بتقديس العقل واستقلاله بالمعرفة بعيداً عن الوحي، ولم يجرؤ دعاة المذهب العقلي أول الأمر على إنكار الوحي بالكلية، بل جعلوا لكل من الطرفين دائرة خاصة يعمل فيها مستقلاً عن الآخر.
      وكان مذهب "ديكارت " أبرز المذاهب الفلسفية في هذا العصر، وقد دعا إلى تطبيق المنهج العقلي في الفكر والحياة واستثنى من ذلك -لسبب ما - الدين والعقائد الكنسية والنصوص المقدسة، وكان يرى "أن ميدان العلم الطبيعة، وموضوعه استغلال القوى الطبيعية، وأدواته الرياضة والتجربة، ويختص الدين بمصائر النفس في العالم الآخر، ويعتمد على الاعتقاد والتسليم، فلا مضايقة بين العلم والدين ولا سلطان لأحدهما على الآخر" .
      وهذه الازدواجية الديكارتية وجدت لها نظيراً في منهج بيكون التجريبي، الذي قال عنه أندرسن: " إن أعظم مآثر بيكون الفصل بين العلم البشري والوحي الإلهي "، فعند بيكون يمكن أن تكون أي قضية خاطئة تماماً في نظر العقل، ولكنها صحيحة تماماً لأنها نظر الدين .
      والواقع أن المذهب الازدواجي ليس إلا مرحلة طبيعية في سلم التدرج من الإيمان المطلق بالوحي إلى الإنكار المطلق له.
      ومع ذلك فقد وجد فلاسفة آخرون معاصرون لهؤلاء لم ترق لهم هذه الفلسفة، بل أغرتهم تفاهة آراء الكنيسة وحقدهم عليها أن يهاجموا التعاليم الدينية هجوماً مباشراً.
      وكان "سبينوزا" -بحكم يهوديته- أعنف هؤلاء، فقد طبق المنهج العقلي على الكتاب المقدس نفسه، ووضع الأسس التي قامت عليها "مدرسة النقد التاريخي" التي ترى أنه يجب أن تدرس الكتب الدينية على النمط نفسه الذي تدرس به الأسانيد التاريخية -أي: على أساس أنها تراث بشري وليست وحياً إلهياً- وبالفعل حقق "سبينوزا " نتائج إيجابية:
      فمثلاً: استنتج أن أسفار التوراة لم يكتبها موسى، مستدلاً بما جاء في سفر التثنية من ذكر موت موسى ورثائه، وقول كاتب السفر: "لم يأت نبي مثله من بعده "، وأيضاً استطاع أن يثبت أن التوراة قد عينت أماكن بأسماء لم " توضع لها إلا بعد موسى بقرون عديدة " كما استطاع "باسكال" أن يوجه نقده إلى عقيدة الخطيئة قائلاً: " لا شيء يزحم العقل الإنساني بالألم كعقيدة الخطيئة الأصلية، وإنه ليبدو أبعد ما يكون عن العقل أن يعاقب إنسان من أجل خطيئة اقترفها أحد أسلافه منذ أربعة آلاف سنة " .
      أما "جون لوك " فقد خطا خطوة أبعد من ديكارت بأن طالب بإخضاع الوحي للعقل عند التعارض قائلاً: ''من استبعد العقل ليفسح للوحي مجالاً فقد أطفأ نور كليهما، وكان مثله كمثل من يقنع إنساناً بأن يفقأ عينيه ويستعيض عنهما بنور خافت يتلقاه بواسطة المرقب من نجم سحيق''.
      كما دعا إلى تطبيق مبدأ جديد على الحياة الأوروبية آنذاك، وهو مبدأ التسامح الديني، وإعطاء الحق لكل إنسان في أن يعتنق ما يشاء ويكفر بما يشاء من الأديان والمذاهب.
      على أن نقد هؤلاء الرواد لم يصل إلى إنكار الوحي والرسالات السماوية بصراحة، كما أنه ظل خافتاً أمام بطش محاكم التفتيش أو على الأقل أمام ضغط المجتمع الذي كان يدين بـالمسيحية ويراها جزءاً من كيانه وتراثاً عزيزاً عليه.
      وقد تعرضت كتب ديكارت وسبينوزا ولوك وأضرابها للحرق والمصادرة، كما تعرضوا شخصياً للإيذاء والمضايقة من قبل الكنيسة، إلا أن تفجر البركان العلمي في كل مكان والخلافات الداخلية بين الطوائف المسيحية شغلتها عن إعطائهم ما يستحقون من الاهتمام.
      كما أن النظريات الجديدة عن الكون في هذا القرن قد غمرت الأفكار الفلسفية، واستأثرت بالاهتمام البالغ من قبل الأوساط الدينية والعلمية على السواء، وأعظم هذه النظريات "نظرية الجاذبية" لـإسحاق نيوتن.
      ولد إسحاق نيوتن في السنة التي توفي فيها جاليلو 1642ق.م) ويعد عمله تتميماً لما بدأه جاليلو، فقد مهد اكتشاف جاليلو لقانون البندول سنة (1604م) الطريق أمام النظرية القائلة: "إنه من الممكن تفسير ظواهر الطبيعه بربط بعضها ببعض دون حاجة إلى تدخل قوى خارجية عنها" ، وبذلك كان هذا الاكتشاف الضئيل بمثابة النواة للمذهب "الطبيعي" والنظرية الميكانيكية اللذين كان لهما صدى واسع فيما بعد.
      وقد حاربت الكنيسة هذه النظرية وشنعت على معتنقيها قائلة: إن الأشياء لا تعمل بذاتها ولكن عناية الله هي التي تسيرها، ولم تكن الكنيسة من سعة الأفق على جانب يسمح لها بتفهم عدم المنافاة بين نسبة الأفعال إلى الله تعالى باعتباره الفاعل الحقيقي، وبين نسبتها إلى الأسباب باعتبارها وسائط مباشرة، بل كان حنقها على كل جديد صارفاً لها عن ذلك، كما أن أصحاب النظرية اندفعوا وراء رد الفعل الأهوج، فأنكروا عمل العناية الإلهية وربط الأسباب بالمسببات، معتقدين أن كل ما عرفت علته المباشرة فلا داعي لافتراض تدخل الله فيه حسب تعبيرهم.
      فلما جاء نيوتن بنظرية الجاذبية مؤيدة بقانون رياضي مطرد انبهرت عقول الفئات المثقفة واتخذها أعداء الدين سلاحاً قوياً حتى لقد سميت "الثورة النيوتونية" وأحس هؤلاء بنشوة انتصار عظيمة، فقد أمكن تفسير الكون كله بهذا القانون الخارق، كما تأكدت صحة نظريات كوبرنيق وبرونو وجاليلو، وفي الوقت نفسه اهتز موقف الكنيسة وتداعت حججها الواهية أكثر من ذي قبل، ولجأت إلى التعسف والعنف، وهاجم رجالها نيوتن الذي كان مؤمناً بوجود الله، بحجة أنها تفضي إلى إنكار وجود الله، بنفي العناية الإلهية من الكون، وقد ثبت أنهم كانوا على حق في توقعهم هذا، لكنهم كانوا مخطئين في موقفهم من النظرية، فقد ساعد هذا الموقف الخاطئ على الوصول إلى تلك النتيجة الباطلة.
      ولا شك أن نظرية نيوتن من أعظم النظريات العلمية أثراً في الحياة الأوروبية، فهي التي وضعت الفكر المادي الغربي، وإليها يعزى الفضل الأكبر في نجاح كل من المذهب العقلي والمذهب الطبيعي، كما أن مذهب الإيمان بإله مع إنكار الوحي والإلحاد ذاته مدانان لهذه النظرية من قريب أو بعيد، على أن هذه الآثار لم تظهر إلا فيما بعد.
      أما في القرن السابع عشر فإن النتائج الإيجابية التي أمكن للعلماء أن يُكوِّنوا منها النظرية العلمية المعادية لتعاليم الكنيسة، والتي اشتقت من نظريتي كوبرنيق ونيوتن - هي كما لخصها "برتراندرسل " ثلاث نتائج:
      1-أن تقرير الحقائق يجب أن يبنى على الملاحظة لا على الرواية غير المؤيدة (أي: النصوص).
      2-أن العالم غير الحيواني نظام متفاعل في نفسه مستبق لنفسه، وتنطبق كل التغيرات فيه مع قوانين الطبيعة.
      3-أن الأرض ليست مركز الكون وأن الإنسان ربما لا يكون الهدف من وجودها، إذا كان لوجودها أي هدف، وفوق ذلك أن فكرة الهدف فكرة لا فائدة منها من الناحية العلمية " .
      وإذا كان القرن السابع عشر هو قرن الانتفاضة العارمة على الكنيسة ومبادئها، فإنه كذلك القرن الذهبي لمحاكم التفتيش، فقد قاسى العلماء أنواع الاضطهاد، واستخدمت ضدهم أساليب القمع الوحشية وظهرت الفهارس أو "القوائم البابوية " التي تحتوي على أسماء الكتب المحرمة، وكان وجود شيء من هذه الكتب في حوزة إنسان ذريعة لسوقه إلى محكمة التفتيش وتعريضه لأليم عقابها.
      وقاومت الكنيسة كل محاولة للتجديد، وإن كانت نافعة خيرة، فقد كفرت رئيس بلدية في ألمانيا، لأنه اخترع غاز الاستصباح بحجة أن الله خلق الليل ليلاً والنهار نهاراً، وهو بمخترعه يريد تغيير مشيئة الخالق فيجعل الليل نهاراً" .
      واضطرب حبل الكنيسة بظهور الروح الجديدة اضطراباً واضحاً وألقت بكل ثقلها في معركة كانت في غنى عن دخولها أمام الناس -لا سيما المثقفون- فقد اهتبلوا الفرصة، وخيل إليهم أن الأقدار قد ألقت إليهم مفتاحاً سحرياً يخلصهم من سجن الكنيسة وأغلالها، ذلك هو مفتاح "العلم والتجربة ".
      كان إيمان هؤلاء بـالمسيحية متغلغلاً إلى درجة يصعب معها فراقه ولكن كفرهم برجال الدين - أولئك الطغاة المتغطرسين - كان كفراً صريحاً لا هوادة فيه.
      ونستطيع أن نقول: إن ما قام به علماء وفلاسفة القرن السابع عشر من هجوم على الدين، ليس في حقيقته سوى اندفاع أعمى، ورد فعل غير موجه هدفه الانفكاك من ربقة الكنيسة والتحرر من عبوديتها، فلم يكن همهم "إلى أين نتجه؟" بقدر ما كان "كيف نهرب؟".
      ولكن التأثيرات والايحاءات الفلسفية لنظرية نيوتن أسهمت في إيجاد فكر لا ديني منظم ينتهج طرائق محددة، وإن كان قد ظل مشوباً بالتعصب والسلبية، مندفعاً في مهاجمة الكنيسة ومعتقداتها.
      ولعل من الصواب أن نقول: إن نظرية نيوتن لم تمهد فكرياً للثورة الفرنسية فحسب، بل إنها قطعت نصف الطريق إلى داروين أيضاً.
      والكلام عن آثار النيوتونية ينقلنا إلى القرن الثامن عشر الذي كان دخوله إيذاناً بأفول نجم الكنيسة وولادة آلهة جديدة لا كنائس لها.
    2. ثانياً: القرن الثامن عشر

      يتميز القرن الثامن عشر بظهور روح الشك العام في كل شيء تقريباً، ومع ذلك فقد ظهرت فلسفات إيجابية متنوعة يدور محورها حول كلمتين، هما في الواقع صنمان استحدثهما الهاربون من نيران الكنيسة، ليحلا محل إلهها المخيف، وهما: "العقل والطبيعة".
      أما العقل فلم يعد مقيداً بأغلال الثنائية الديكارتية، بل بدأ يبحث عن ذاته ويسلك طريقه لكي يتصرف كما لو كان "إلها" بالفعل، وتعالت أصوات الباحثين والفلاسفة، منادية بأن العقل هو الحكم الوحيد والعقل هو كل شيء، وما عداه فوهم وخرافة، الوحي يخالف العقل فهو أسطورة كاذبة، والمعجزات لا تتفق ومألوف العقل فهي خرافات بالية، والفداء والصلب والرهبانية... إلخ، كلها أباطيل مضللة وعقائد مرذولة لأنها لا تتسق مع العقل، والصنم الثاني كان "الطبيعة ".
      يقول "سول": ''صار لزاماً على الذين نبذوا الإيمان بالله كلية أن يبحثوا عن بديل لذلك ووجدوه في الطبيعة''.
      وكتب الفكر الغربي تسمي ذلك العصر عصر "تأليه الطبيعة " أو عبادة الطبيعة، وليست هذه العبارات مجازاً، بل هي مستعملة على الحقيقة تماماً، فكل صفات الله التي عرفها الناس عن المسيحية نقلها فلاسفة الطبيعة إلى إلههم الجديد، مع فارق كبير بين الإلهين في نظرهم.
      فإله الكنيسة بطَّاش حقود يعذب السلالة البشرية ويقتل ابنه لأن الإنسان الأول أكل فاكهة من حديقته.
      وهو إله متعنت يضع القيود الاعتباطية على حرية الإنسان ويقيده بالالتزامات، ويفرض عليه الرهبانية والخضوع المذل لممثليه على الأرض.
      أما الطبيعة فإلهها "جذاب" رحب الصدر ليس له كنيس ولا التزامات، ولا يستدعي طقوساً ولا صلوات، وكل ما يطالب به الإنسان أن يكون إنساناً طبيعياً يلبي مطالبه الطبيعية في وضوح وصراحة.
      والإله الجديد ليس له رجال دين يستعبدون الناس لأنفسهم، ولا كتاب مقدس متناقض ولا أسرار عليا مقدسة، بل له دعاة من أمثال "روسو وفولتير وديدرو" وله كتب علمية هي "دائرة المعارف" أو "العقد الاجتماعي" أو "روح القوانين".
      والقانون الطبيعي "الجاذبية" يجعل الكون مترابطاً متناسقاً لا اضطراب فيه ولا خلل، وبالمقابل جعلت الطبيعة للإنسان قانوناً طبيعياً يكفل له السعادة التامة، ولكن النظم الإنسانية والأديان طمست هذا القانون فشقي الإنسان وتعذب.
      تلك هي المبادئ الأولى للمذهب الطبيعي الذي تبلور ليصبح ديناً إنسانياً عند "كومت " في القرن التاسع عشر، وعنه انبثقت الماديات المتعددة التي تفسر الكون تفسيراً آلياً حسب القوانين التي سميت "قوانين الطبيعة ".
      أما هنا في القرن الثامن عشر فإن عبادة العقل والطبيعة هي ميزة العصر الذي يسمى "عصر التنوير ".
      ويصف برنتن " شيئاً من مظاهر الصراع بين الدين والعلم في هذا العصر بقوله:
      "كان العقل للرجل العادي في عصر التنوير هو كلمة السر الكبرى لعالمه الجديد، العقل هو الذي يسوق الناس إلى فهم الطبيعة" وهذه هي كلمة السر الثانية الكبرى "وبفهمه للطبيعة يصوغ سلوكه طبقاً لها، وبذلك يتجنب المحاولات العابثة التي قام بها في ظل أفكار المسيحية التقليدية الخاطئة، وما يخالفها في الأخلاق والسياسة مما يناقض الطبيعة" .
      "والعقل يبين أن الرهابنية تعني إسرافاً عظيماً في قدرة الإنسان الإنتاجية، وأوضح من ذلك أن العقل يبين أنه من غير الطبيعي للكائنات البشرية صحيحة البدن أن تمتنع بتاتاً عن الاتصال الجنسي، وأن التبرير الديني لمثل هذا السلوك غير الطبيعي كان هراء كَهُراء فكرة الشياطين التي تستولي على المجنون ".
      "إن المسيحية التقليدية لم تعد قادرة على أن تمد المستنيرين بنظرية كونية، فقد بدأ الناس يعرفون ما يكفي من الجيولوجيا لكي يبين أن تاريخ الخليقة الذي حدده الأسقف "آشر" بعام (4004ق.م)، وتاريخ قصة الطوفان بعيدا الاحتمال، ولكن لم تكن هناك حاجة إلى أن ينتظر الناس نمو المعرفة الجيولوجية، خذ مبدأ التثليث في المسيحية مثلاً: إن الرياضة كانت ضد هذا المبدأ فإن أي نظام رياضي محترم لا يسمح بأن يكون الثلاثة ثلاثة وواحداً في آن واحد، أما عن المعجزات فلماذا توقفت؟ إذا أمكن إحياء الميت في القرن الأول فلماذا لا يحيا في القرن الثامن عشر؟
      وربما كان أعدى أعداء الكنيسة آنذاك هو فولتير، ولنقتطف نماذج من نقده للدين ورجاله من كتابه (القاموس الفلسفي):
      (أول ما انتقد فولتير العقيدة المسيحية في التثليث وتجسيم الإله والصور المقدسة، وأنحى باللائمة على بولس الذي طمس المسيحية وحرفها، ولذلك كان الإيمان بـالمسيحية في نظره هو " الاعتقاد بأشياء مستحيلة أو بأشياء تستعصي على الفهم، فالحية تتكلم، والحمار يتحدث، وحوائط أريحا تتساقط بعد سماعها صوت الأبواق، أن الإيمان على هذا النحو هو على ما يقول إرازم هو الجنون ".
      "أما الخطيئة الأولى فيرفضها فولتير ويعتبرها إهانة لله واتهاماً له بالبربرية والتناقض، وذلك للتجرؤ على القول بأنه خلق الأجيال البشرية وعذبها لأن أباهم الأول قد أكل فاكهة من حديقته" .
      وينقد فولتير الطقوس السبعة نقداً مريراً، ويسخر من الكتاب المقدس سخرية لاذعة، تتجلى في قوله تعليقاً على معلومات التوراة الجغرافية:
      (من الواضح أن الله لم يكن قوياً في الجغرافيا) ، وقوله: إن صيام المسيحية دواء للفقراء لا يتعاطاه الأغنياء "ويرى" أن الطقوس والشعائر والعبادات والاحتفالات الدينية جرائم محلية يعاقب عليها كل من يزاولها لأنها ضارة بالمجتمع خاصة إذا تمت في صورة أضاحٍ وقرابين " أما آراؤه السياسية فقد عبر عنها بقوله:
      ''إن التوحيد بين الدين والدولة لهو أبشع نظام، لذلك يجب إلغاؤه وإقامة نظام آخر يخضع فيه رجال الدين لنظم الدولة، ويخضع فيها الراهب للقاضي'' وقوله:
      ''إنه لا يمكن طاعة البشر باسم طاعة الله، لابد من طاعة البشر باسم قوانين الدولة'' ولقد جزعت الكنيسة من هذه الانتقادات والآراء جزعا شديداً، ولعنت فولتير وأشياعه وكفرتهم، وحرمت قراءة كتبهم وتعرض فولتير للمضايقة والاضطهاد من قبل رجال اللاهوت، حتى إنه قال مخاطباً إنسان ذلك العصر: " أنت طائر في قفص محاكم التفتيش، لقد قصت محاكم التفتيش جناحيك " .
      وفي إنجلترا طور جيبون النقد التاريخي للمسيحية في كتابه " سقوط الامبراطورية الرومانية واضمحلالها" " أما هيوم فقد ابتدع مذهب الشك المطلق، الذي كان ثورة نفسية على الإيمان المطلق طوال القرون الماضية.
      وجدير بالذكر أن شيوع المذهب العقلي الطبيعي في عصر التنوير قد نتج عنه بالاعتماد على نظرية نيوتن مذهبان جديدان على العالم المسيحي ينمان عن التخبط والضياع:
      الأول: مذهب المؤلهة الربوبيين "دايزم "deism" أو المؤمنين بإله مع إنكار الوحي، وهذا المذهب يمثل فكرة انتقالية لأن الوثبة من إله مسيحي إلى عدم وجود إله كانت مستحيلة كما يقول برنتن.
      "هذا المذهب هو أقرب انعكاس ممكن واضح لعالم نيوتن، الذي يخضع للنظام ويدور وفقاً للقانون، والإله في هذا المذهب هو الشخص المسئول عن التدبير والبناء وتحريك هذا العالم الآلي".
      وكان من زعماء هذا المذهب "فولتير وبوب "ومعهم عدد آخر ممن كانوا يرون ضرورة الإيمان بالله - ولو أمام الجمهور - أما الوحي فأنكروه لأن إثباته يعني صحة تعاليم عدوهم الكنيسة، وليس معنى ذلك أن إيمانهم بالله يمكن أن يسمى ايماناً على الحقيقة، فإن كل عمل هذا الإله في نظرهم هو أنه خلق الكون ثم تركه يدور وفق القوانين المودعة فيه والتي أوضحها نيوتن، فهو يشبه صانع الساعة الذي يديرها ثم يدعها تتحرك من تلقاء نفسها. أما الإنسان فقد منحه العقل وتركه وشأنه، فهو وإن كان جزءاً من آلة الكون العظمى، إلا أنه عليه أن يستغل مواهبه ويستخدم عقله بما يتمشى مع قانون الطبيعة ".
      ومن الواضح (في نظر أصحاب هذا المذهب) أنه ليست هناك فائدة من الصلاة للإله الذي يشبه صانع الساعة، والذي لا يستطيع -حتى إن أراد- أن يتدخل فيما صنعت يداه.
      "ومن الواضح كذلك أن هذا الإله لم يظهر لموسى في صحراء سيناء، ولم يرسل ابنه الأوحد إلى الأرض ليخلص الناس المذنبين، بل لا يمكن أن يكون له ابن" .
      - الثاني: المذهب الإلحادي المادي: إن تهافت مذهب المؤلهة وتفاهته، هي التي أوحت إلى بعض معاصريهم بإنكار هذا الإله البعيد البارد، الذي لا أثر له ولا ضرورة لاختراعه، كما تقول حكمة فولتير "إذا كان الله غير موجود فلا بد من اختراعه"! فالطبيعة تغني عنه، والاعتراف بوجوده هو نوع من الإقرار بصحة دعاوى الكنيسة، فالأولى أن نستبعد وجوده نهائيا إرغاماً لأنف الكنيسة على الأقل.
      وتطرف منهم طائفة "رأوا أن الله شر إيجابي، وبخاصة إذا كان إله الكنيسة الكاثوليكية الرومانية ".
      يقول "كرسون": ذهب بعضهم في الإنكار إلى أبعد حد، حتى أنهم يدعوننا حتى إلى حذف اسم الله نفسه وفي هذا يقول "دولباخ":
      إن عقيدة الله المأثورة نسيج من المتناقضات، إن فكرة الله هو الضلالة المشتركة للنوع الإنساني " .
      تلك هي الخطوط العامة في القرن الثامن عشر للصراع بين الكنيسة والدين، على أنه ينبغي أن ننبه إلى أن هذا الصراع كان مقتصراً على الفلاسفة والطبقات المثقفة، ولم يتجاوز ذلك إلى القاعدة الشعبية ويصبح قضية جماهيرية، إلا بعد الثورة الفرنسية التي قامت في أواخر هذا القرن سنة (1789م) وبقيامها رُسم معلم واضح من معالم التاريخ الأوروبي، وافتُتح عصر جديد من الصراع بين الدين واللادين يستحق أن يفرد له فصل مستقل.
  10. الفصل الثالث: الثورة الفرنسية

    إن النظام الاجتماعي الذي هيمن على الحياة الأوروبية طيلة القرون الوسطى هو نظام "الإقطاع "، وربما كان أبشع وأظلم النظم الاجتماعية في التاريخ.
    ولا شك أن الظلم دائماً سمة من سمات الحكم الجاهلي لأي مجتمع في كل زمان ومكان، ولكن صورته في المجتمع الأوروبي الإقطاعي كانت أتم وأظهر، ففي الفترة التي كان فيها الشرق المسلم ينعم بالحياة في ظل أفضل وأعدل مجتمع عرفه التاريخ. كان الغرب المسيحي يرزح تحت نير هذا النظام البغيض.
    والفطرة البشرية -كما خلقها الله - تأبى الظلم وتنفر منه، مهما طال خضوعها له، ولذلك فإنها تنتهز أدنى فرصة سانحة للثورة عليه وتقويض دعائمه.
    وترتبط أولى محاولات الإنسان الأوروبي الانفلات من المظالم الإقطاعية بالاحتكاك المباشر بالمسلمين عن طريق الفتوحات الإسلامية في أوروبا، وبلغ ذلك ذروته إبان الحروب الصليبية.
    وليس غريباً أن يكون أرقاء فرنسا هم رواد الثورة على الإقطاعيين؛ فإن موقعها الجغرافي المحاذي للجزء المسلم من أوروبا "الأندلس، ثم حملاتها الصليبية الكثيفة مضافاً إليهما بعدها النسبي عن مركز البابوية في روما، كل هذه جعلتها أقرب إلى روح التحرر والانطلاق.
    وهكذا قامت في فرنسا أول ثورة فلاحية "الجاكريه" في القرن الرابع عشر للميلاد، وهي وإن أخفقت، كالشأن في المحاولات الأولى، فقد هيأت الأذهان لإمكان القيام بعمل ناجح مستقبلاً، وأثرت في ظهور انتفاضات مماثلة في أنحاء القارة.
    وكان من العوائق الكبرى التي خيبت جهود الثائرين أن الكنيسة " أكبر الملاك الإقطاعيين " وقفت ضدهم وأجهضت محاولاتهم.
    فالكنيسة لم تكتف بصد الناس عن نور الإسلام، بل ناقضت تعاليم الإنجيل الداعية إلى المحبة والتسامح، ونافست الأمراء الإقطاعيين في إذلال الشعوب وقهرها.
    ويأتي التبرير المسيحي لنظام الاسترقاق الإقطاعي على يد القديس توما الأكويني، الذي فسره بأنه "نتيجة لخطيئة آدم " وكأن رجال الكنيسة والبارونات ليسوا من بني آدم. وهناك حقيقة ينبغي ألا تغيب عن أذهاننا فيما يتعلق بالثورات الفلاحية، وهي أن هذه الثورات لم تكن تمرداً على الكنيسة لأنها كنيسة بل لأنها "مالك إقطاعي ".
    يقول ويلز: ''كانت ثورة الشعب على الكنيسة دينية...فلم يكن اعتراضهم على قوة الكنيسة بل على مساوئها ونواحي الضعف فيها، وكانت حركات تمردهم على الكنيسة حركات لا يقصد بها الفكاك من الرقابة الدينية بل طلب رقابة دينية أتم وأوفى... وقد اعترضوا على البابا لا لأنه الرأس الديني للعالم المسيحي، بل لأنه لم يكن كذلك -أي: لأنه كان أميراً ثرياً دنيوياً- بينما كان يجب أن يكون قائدهم الروحي'' .
    وحدث إلى جانب ذلك وبعده تحولات ظاهرة في الحياة الأوروبية:
    فالملوك المركزيون استطاعوا أن يذوبوا البارونات في رعاياهم ويدمجوا إقطاعياتهم في الدولة، وإن كان قد بقي لهم امتيازات ومخصصات كثيرة، وتمت هذه العملية بفضل حصول الحكومات على البارود عن طريق الشرق، وهو سلاح لم تصمد له قلاع البارونات طويلاً.
    وأدى هذا إلى مزيد من الاستغلال للأرقاء من قبل أسيادهم، كي يعوض الأسياد عن الضرائب التي فرضتها الحكومة المركزية على إقطاعياتهم، ولم يَدُر ببال الملوك أن يفكروا في شأن الأرقاء، بل كان كل همهم أن تأتي الضريبة كاملة من أي طريق.
    والتحول الآخر يتمثل في ظهور الحركات التي تزعمها (لوثر، كالفن، هس) وأمثالهم، فقد حطمت هذه الحركات الوحدة الشكلية للعالم الغربي المسيحي، وأضعفت السلطة الكنسية المركزية بكثرة ما أحدثته من مذاهب وفرق لا حصر لها.
    وهذا التحول -بالإضافة إلى سابقه- أدى إلى تخلخل المجتمع الأوروبي وتغيير بعض ملامحه الثابتة، فابتدأت المدن الأوروبية في النمو، وظهرت الطبقة الوسطى "البورجوازية " فظهر منافس قوي للإقطاعيين يتمثل في طبقة تجار المدن البورجوازيين، الذين كانوا بمثابة الطلائع للرأسماليين الكبار.
    وإلى جانب ذلك كانت اليقظة التي عرضناها في الفصل السابق، وكان ظهور الورق والمطابع العامل الفعال في نشرها وتوسيع ميدانها.
    كل هذه التحولات آذنت بهبوب رياح التغيير على القارة وأنذرت بافتتاح عصر جديد مغاير للماضي في قيمه وتصوراته وأوضاعه، وكانت أحوال فرنسا الثقافية والاجتماعية تؤهلها لافتتاح ذلك العصر.
    في السنوات السابقة للثورة بلغ الفساد السياسي والتدهور الاقتصادي في فرنسا غايته، حتى إن "كالون" وزير الخزانة الملكية اعترف بذلك سنة (1787م) وأرادت الحكومة سد عجز الميزانية بإرهاق الشعب بضرائب جديدة فادحة، فازدادت أحوال الطبقات المسحوقة سواءً، وعصفت بالبلاد موجة من الجوع ونقص المؤن.
    وفي الوقت الذي عيل فيه صبر الشعب وأنهكته المجاعة والبؤس، كان هناك طبقتان تترنحان في أعطاف النعيم وتنغمسان في مختلف الملاذ هما: طبقة رجال الدين، وطبقة الأشراف، بالإضافة إلى الأسرة المالكة التي كانت عبئاً ثقيلاً على الجميع.
    وكان إنقاذ الشعب يتطلب منه أن يقوم بعمل يودي بالظلم ويزيح كابوسه عن المهضومين، ووقف الشعب بكل فئاته "الفلاحين، المهنيين، القساوسة الصغار" جبهة واحدة، وكانت الجبهة الأخرى ائتلافاً بين الطبقتين المحتكرتين "رجال الدين والأشراف".
    وقضت سنة الله أن ينتصر الشعب على جلاديه، وأن تحصد "المقصلة" معظم الرءوس المترفة الطاغية.
    وتمخضت الثورة عن نتائج بالغة الأهمية، فقد ولدت لأول مرة في تاريخ أوروبا المسيحية دولة جمهورية لا دينية، تقوم فلسفتها على الحكم باسم الشعب "وليس باسم الله "، وعلى حرية التدين بدلاً من الكثلكة، وعلى الحرية الشخصية بدلاً من التقيد بالأخلاق الدينية، وعلى دستور وضعي بدلاً من قرارات الكنيسة.
    وقامت الثورة بأعمال غريبة على عصرها، فقد حلت الجمعيات الدينية، وسرحت الرهبان والراهبات وصادرت أموال الكنيسة، وألغت كل امتيازاتها، وحوربت العقائد الدينية هذه المرة علناً وبشدة، وأصبح رجل الدين موظفاً مدنياً لدى الحكومة .
    هذه النتائج والتطورات تستحق أن يقف عندها الإنسان باحثاً عن أسبابها ودوافعها، وبالنظرة الفاحصة نجد أن عوامل متعددة قد تضافرت على تحقيقها، وأهمها ثلاثة:
    1. أولاً: الفكر اللاديني الذي طبع عصر التنوير

      -كما يسمى- بطابعه الخاص، والذي كانت مدارسه رغم تباينها تسعى إلى غاية واحدة، هي تقويض الدين واجتثاث مبادئه من النفوس، وقد سلكت كل مدرسة منحى خاصاً لتحقيق ذلك وأشهرها:
      1- مدرسة ذات طابع علمي عام، وأبرز الأمثلة عليها الكتاب الموسوعيون الذين كتبوا دائرة المعارف بزعامة "ديدرو"، وكانوا كما يقول ويلز: " يناصبون الأديان عداوة عمياء ".
      2- مدرسة ذات طابع اجتماعي وسياسي: ويرأس هذا الاتجاه "روسو" صاحب كتاب "العقد الاجتماعي " الذي أطلق عليه "إنجيل الثورة الفرنسية" و"مونتسكيو" صاحب "روح القوانين"، ومن كتابات هؤلاء استلهم زعماء الثورة مبادئهم واقتباساتهم.
      والغرض من فكرة العقد الاجتماعي واضح للعيان؛ فهي تهدف إلى استبدال "المصلحة الاجتماعية" أو الرابطة النفعية للأفراد "بالأخلاق والنظم الدينية وتحل عبادة "المجتمع" ممثلاً في الوطن أو القوم محل عبادة الله، وذلك ما نادت به الثورة حرفياً.
      وتجدر الإشارة إلى أن هذه الفكرة ليست من بنات أفكار روسو، فقد سبقه إليها الفلاسفة المثاليون في المدينة الفاضلة، ففي "جمهورية أفلاطون" و"اليوتوبيا" لـتوماس مور، و"مدينة الشمس" لـكامبانيللا، نماذج واضحة للحياة اللادينية، التي تقوم على أساس من التفاهم والوفاق المجرد بين الأفراد، وهو ما عبر عنه روسو بالعقد الاجتماعي، إلا أنه أضاف إلى هذا النموذج ما اقتبسه من "هوبز" و"ميكافيلي"، اللذين غلَّبا جانب الشر لدى الإنسان على الخير، لذلك كان روسو هداماً أكثر منه فيلسوفاً .
      3- مدرسة ذات طابع فلسفي هدام: سبق الفلاسفة العقلانيون غيرهم في بحث علاقة الفرد بالدولة، والمناداة بمجتمع ينفصل فيه الدين عن الدولة، وكانت فكرتهم اللادينية أوسع مما تصوره ميكافيلي، لأن الدين نفسه عندهم يجب أن يلغى ليحل محله "الدين الطبيعي، أو القانون الطبيعي" وربما كان الفيلسوف اليهودي "سبينوزا" رائد الفكرة العلمانية باعتبارها منهجاً للحياة، فهو يقول في كتابه"رسالة في اللاهوت والسياسة":
      "ومن الخطورة على الدين وعلى الدولة على السواء إعطاء من يقومون بشئون الدين الحق في إصدار القرارات أياً كانت، أو التدخل في شئون الدولة، وعلى العكس يكون الاستقرار أعظم إذا اقتصروا على الإجابة على الأسئلة المقدمة إليهم، والتزموا في أثناء ذلك بالتراث القديم الأكثر يقيناً والأوسع قبولاً بين الناس" .
      واكتملت لدى فولتير فكرة الدين الطبيعي التي ورثها عن سبينوزا ولايبنتز، واشتق منها فكرة "القانون الطبيعي" حيث نجده يقول:
      "إن دين أهل الفكر دين رائعٍ خالٍ من الخرافات والأساطير المنتاقضة، وخال من العقائد المهينة للعقل والطبيعة، لقد منع الدين الطبيعي آلاف المرات المواطنين من ارتكاب الجرائم، أما الدين المصطنع فإنه يشجع على جميع مظاهر القسوة... كما يشجع على المؤامرات والفتن وعلى أعمال القرصنة وقطع الطريق..ويسير كل فرد نحو الجريمة مسروراً تحت حماية قديسه ".
      ويقول: "هناك قانون طبيعي مستقل عن الاتفاقات الإنسانية، يبدو لي أن معظم الناس قد أخذوا من الطبيعة حساً مشتركاً لسن القوانين " .
      وإذا كان روسو وفولتير لم يدركا الثورة الفرنسية، فإن الفيلسوف الألماني "كانت" (1804م) عاصرها واشتهر بتأييدها، وهو الذي طور فكرة "العقد الاجتماعي" في كتابه "الدين في حدود العقل وحده " .
      كما أن كاتباً ثائراً معاصراً لها، هو "وليم جدوين"، نشر سنة 1793 كتاب "العدالة السياسية" الذي كان دعوة علمانية صريحة .
      وهكذا بتأثير هذا الفكر اللاديني جسمت الثورة الفرنسية الفكرة الفلسفية القديمة بإقامة مجتمع يرفض القيم والأخلاق الدينية، ويجعل العلاقات النفعية المحضة هي الرباط المقدس الوحيد.
    2. ثانياً: وقوف الكنيسة ضد مطالب الجماهير

      كان من الممكن ألا تعتنق الجماهير المسيحية أفكار الكتاب العلمانيين هؤلاء وتتخلى عن عقيدتها الراسخة، لولا الموقف الشائن الذي وقفته الكنيسة من مطالبهم المشروعة.
      ربما كان للكنيسة عذر أو بعض عذر في شكوكها الحائمة حول القائمين على الثورة، لكن الأمر الآن قد أفلت من يدها، فإن هيجان الرعاع الهالكين جوعاً وظلماً لا يسمح لهم بالتروي والأناة في مثل هذه المواقف الصاخبة، وأصبح لزاماً عليها أن تسدد ديون قرون طويلة من الاستغلال البشع والطغيان الجائر.
      إن ذهن الفلاح الساذج قد لا يستطيع أن يستوعب شيئاً من أفكار روسو وانتقادات فولتير، لكنه يستطيع بسهولة أن يرى مخازي الكرادلة والقساوسة وفضائحهم وثراءهم الباذخ، لقد رأى بأم عينيه ما عبر عنه توماس جفرسن بقوله:
      "إن القسيس في كل بلد وفي كل عصر من أعداء الحرية، وهو دائماً حليف الحاكم المستبد يعينه على سيئاته في نظير حمايته لسيئاته هو الآخر". وكان ذلك مدعاة لأن تصب الجماهير جام غضبها على الكنيسة، وتصرخ خلف "ميرابو": (اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس).
    3. ثالثاً: القوى الشيطانية الخفية


      كان من الممكن -كذلك - أن تثأر الجماهير من الكنيسة فتصادر أملاكها وتقضي على نفوذها، وتظل مع ذلك مؤمنة بدينها وفيهً لتاريخها متمسكة بتقاليدها العريقة، لولا أنه وجد عامل آخر قلب أهداف الثورة وحول خط سيرها.
      عندما اندفعت الجموع الغوغائية لهدم الباستيل -رمز العبودية والاستبداد- لم تكن ترفع سوى شعار واحد هو "الخبز " والخبز وحده.
      غير أنها لم تبدأ في قطف أولى نتائج ثورتها حتى وجدت نفسها تهتف بشعار، الحرية، المساواة، الإخاء، وهو شعار لقنت إياه تلقيناً، وبرز أيضاً شعار آخر لم يكن الرعاع ليصنعوه، هو "لتسقط الرجعية" وهي كلمة ملتوية تعني الدين.
      وعندما كانت المقصلة دائبة العمل كان الضحايا يقدمون على مذبحها بحجة واحدة هي أنهم من أعداء "الشعب" مع أنه كان بينهم من يعرف الشعب براءته، ودهش الشعب حين كان يرى من يقرأ بيان القتل اليوم باسم الشعب يقدم هو نفسه غاص إلى المقصلة باسم الشعب أيضاً. إذن ما وراء هذه التطورات المفاجئة والتدبيرات الغريبة؟
      يدعي اليهود في تبجح وغرور أنهم صناع الثورة الفرنسية ومدبروها، فتقول البروتوكولات: "تذكروا الثورة الفرنسية التي نسميها "الكبرى" إن أسرار تنظيمها التمهيدي معروفة لنا جيداً لأنها من صنع أيدينا وتقول:
      (كذلك كنا قديماً أول من صاح في الناس "الحرية والمساواة والإخاء" كلمات ما انفكت ترددها منذ ذلك الحين ببغاوات جاهلة، متجمهرة من كل مكان حول هذه الشعائر) .
      وصدق ذلك بعض الكتاب من أمثال وليم كار، في "أحجار على رقعة الشطرنج" وسيبريدوفيتش في "حكومة العالم الخفية" .
      والواقع أنها دعوى مسرفة يعلم مقدار المبالغة فيها من له بصيرة بحركة سير التاريخ وسنة الله فيه.
      كان اليهود يعانون من المسيحيين أشد احتقار وازدراء، وكانوا بحكم الذلة التي ضربها الله عليهم، أمة مرذولة مستهجنة أينما حلت وسارت، منطوية على نفسها في مجتمع منعزل " الجيتو "، ولم ينعموا بالحياة الكريمة إلا في ظل الحكم الإسلامي.
      والمفارقة العجيبة أن هذ الشعب الحقير الممتهن يملك تراثاً عريقاً ينفث في نفسه الكبرياء الكاذبة، والأثرة البغيضة ويعده الوعود الخيالية، فـالتلمود كتابهم الخطير يقول: "تتميز أرواح اليهود عن باقي الأرواح بأنها جزء من الله، كما أن الابن جزء من والده "فهم شعب الله المختار، أما غيرهم فيقول عنه التلمود" الخارج عن دين اليهود حيوان فسمه كلباً أو حماراً أو خنزيراً، والنطفة التي هو منها هي نطفة حيوان" .
      وهكذا نجد اليهود يرون أنهم شعب الله المختار ولهم وحدهم خلقت خيرات الكون وكنوزه، وأن الله أوجب عليهم إبادة كل الأميين (غير اليهود) لأنهم كفار ووثنيون، والقضاء عليهم لا يتم إلا بالقضاء على أديانهم وتدمير أخلاقهم.
      إلى جانب ذلك كانت العداوة التي أغرى الله بين اليهود والنصارى، وهي عداوة تقليدية لا تنفك بحال، وكان اليهود في ظل فرنسا الكاثوليكية أقلية محتقرة لا تحسب في عداد المواطنين وليس لها "حق المواطنة"، وكان اليهود موقنين من أن تحقيق أحلام التلمود بكسر أطواق الذل المضروبة عليهم والخروج من "الجيتو" للسيطرة على الأميين لن يتم ما دام في الكنيسة عرق ينبض، فكانوا يتحينون الفرصة للإجهاز عليها ويتلهفون شوقاً إلى اليوم الذي يثأرون فيه منها ومن دينها وأخلاقها، ويسيطرون على أتباعها.
      فلما نزلت الضائقة الاقتصادية، واندلعت الثورة على الكنيسة، وجدها اليهود فرصة ذهبية لا ينبغي أن تفوت، وهي فرصة ساقتها المقادير إليهم، وما صنعوها كما يزعمون إلا أنهم أجادوا استغلالها.
      وحين يقول فيشر ''إن أرباب الأموال مولوا الغوغاء الذين قاموا بالثورة نستطيع أن نعرف أن أرباب الأموال هؤلاء ليسوا سوى المرابين اليهود؛ لأن من عداهم كانوا هدفاً للثورة''.
      واستطاع اليهود أن يتغلغلوا في منظمات الثورة المختلفة، كـالجمعية التأسيسية، ونادي اليعاقبة وبلدية باريس، وأن ينفثوا تلك الشعارات التي رددتها الجماهير ببلاهة -لا سيما- شعار الثورة البارز "الحرية والإخاء والمساواة " هذا الشعار الذي قامت عليه الثورة وحققته، كان له عند اليهود تفسير آخر:
      فهم يقصدون بالحرية تحطيم القيود الأخلاقية والتقاليد الموروثة، التي تحول بينهم وبين إفساد الأمم وتدميرها، ويقصدون بالإخاء والمساواة كسر الحواجز النفسية والاجتماعية التي تحول بينهم وبين الانسلال إلى أجهزة الدولة وتنظيماتها، وإذابة الفوارق الدينية بينهم وبين غيرهم كي تزول عنهم وصمة الاحتقار والمهانة.
      وهكذا نجحوا في تحويل الثورة من ثورة على مظالم رجال الدين إلى ثورة على الدين نفسه، وجعلوا لفظة الدين عند الشعوب الأوروبية مرادفة للظلم والرجعية والتخلف والاستبداد.
      وأياً ما كان الأمر؛ فإن الثورة الفرنسية كانت فاتحة عصر جديد في التاريخ الأوروبي، إذ توالت الثورات كالبراكين في أنحاء القارة وعرفت أوروبا - ربما لأول مرة - شيئاً اسمه حقوق الإنسان، ولا تزال تنسبه لهذه الثورة إلى اليوم، وكان نجاح أي ثورة يعني انهيار النظام الإقطاعي وانهيار نفوذ الكنيسة، ولذا فإن من الطبيعي لتغير عميق كهذا أن يصحبه فراغ هائل في المعتقدات والقيم، فإذا علمنا أن هناك من يستغل هذا الفراغ لتحطيم إنسانية الإنسان وتدمير قيمه، أدركنا المغزى الحقيقي للحرية التي نادت بها تلك الثورات.
      إن كل الشعارات البراقة التي رفعت لتحل محل الإيمان الديني لم تفِ بهذا الغرض، كما فشلت جميع الدساتير والنظم في جلب الاستقرار للقارة، ولذلك شهدت أوروبا في الفترات التالية ما لا يحصى من الاتجاهات الفكرية والاجتماعية الحائرة، كما شهدت حروباً طاحنة مدمرة جعلت خريطة أوروبا عرضة للتغير المستمر، وحلت الفاجعة الكبرى بالدين والأخلاق والتقاليد التي أصبحت ينظر إليها وكأنها قطعة متحجرة من الماضي البغيض.
  11. الفصل الرابع: نظرية التطور

    قبل أن تبصر نظرية (داروين) النور كان الإيمان المسيحي والأخلاق المسيحية قد تعرضا لضربات قاسية وهزات عنيفة:
    تهافت النظرية المسيحية عن الكون، انتقادات سبينوزا وفولتير الشديدة، الثورة الفرنسية وما أصاب الكنيسة على يديها من نكبات، النظرية الآلية (الميكانيكية) المنبثقة عن نظرية نيوتن، الدين الطبيعي الذي نادى به الفلاسفة العقليون، نظرية التطور الفكري كما تخيلها كومت، النجاح الذي صادفه المذهب اللاأدري ومذهب الربوبيين، الجمعيات السرية الهدامة وأفكارها الموبوءة... وأحداث فكرية واجتماعية لا يظهر أحدها إلا وينهش من جسد الكنيسة نهشة أو يطوح من بنيانها بلبنة أو لبنات.
    لكن ذلك كله لم يكن ليسمح لأي مفترض أو متكهن بأن يتنبأ بانهيار كامل للمسيحية قبل قرون عدة، على الأقل، فقد بقيت رغم الطعنات النافذة كياناً قائماً تدعمه عواطف الكثرة الكاثرة من الناس، وتسانده موروثات عميقة الجذور من القيم والمثل والتقاليد.
    نعم، لقد تغيرت نظرة الناس إلى المسيحية، لكنها -إلى ذلك الوقت- لم تتغير بالنسبة للتصور الديني في حد ذاته، فقد بقي هذا التصور سائغاً، بل متأصلاً، بدليل الجهد الذي بذله الفلاسفة لاصطناع دين طبيعي أو دين إنساني كما يدعون.
    وتغيرت كذلك نظرية الإنسان إلى الكون وحجمه فيه، لكن نظرته لم تتغير أبداً بالنسبة لإنسانيته وتفرده بوصفه كائناً روحياً متفوقاً على كل الموجودات، إن لم يكن بجسمه فبعقله وروحه.
    وتغيرت نظرة الناس إلى حركة التاريخ وخط سير الحياة، ولكن لم يكن في وسع أحد أن يعتقد - أو أن يجاهر - بأنه لا توجد قيم ثابتة ولا أخلاق ثابتة ولا تقاليد ثابتة.
    ولقد صدق الناس الكثير مما قاله أعداء الدين، كـفولتير وهيوم ودولباخ، ولكنهم إلى الآن يعدون مثل هؤلاء الناس ملاحدة ومجدفين.
    وفي سنة (1859م) نشر الباحث الإنجليزي (تشارلز داروين) كتابه (أصل الأنواع) فأحدث ضجة لم يحدثها أي مؤلف آخر في التاريخ الأوروبي قاطبة، وكان له من الآثار في المجالات الفكرية والعملية ما لم يكن في الحسبان.
    والغرض الذي يدور حوله الكتاب هو افتراض تطور الحياة في الكائنات العضوية من السهولة وعدم التعقيد، إلى الدقة والتعقيد وتدرجها من الأحط إلى الأرقى، وأن الفروق الخلقية داخل النوع الواحد تنتج أنواعاً جديدة مع مرور الأحقاب الطويلة، ولذلك يفترض داروين أن أصل الكائنات العضوية ذات الملايين من الخلايا كائن حقير ذو خلية واحدة.
    وحسب قانون (الانتقاء الطبيعي وبقاء الأنسب) نمت الأنواع التي استطاعت التكيف مع البيئة الطبيعية ومصارعة الكوارث المفاجئة، وتدرجت في سلم الرقي في حين هلكت الأنواع التي لم يحالفها الحظ في ذلك.
    وعلة ذلك أن الطبيعة -حسب تعبير داروين- وهبت بعض الكائنات عوامل البقاء ومؤهلات حفظ النوع بإضافة أعضاء أو صفات جديدة تستطيع بواسطتها أن تتواءم مع الظروف الطارئة، وقد أدَّى ذلك إلى تحسن نوعي مستمر نتج عنه أنواع جديدة راقية كالقردة ونوع أرقى وهو الإنسان، أما البعض الآخر؛ فقد حرمته الطبيعة من ذلك فتعثر وسقط، والطبيعة إذ تهب هذا وتحرم ذاك لا تنتهج خطة مرسومة، بل تخبط خبط عشواء -على حد قوله- كما أن خط التطور ذاته متعرج ومضطرب، لا يسير على قاعدة منطقية مطردة.
    ذلك بايجاز شديد هو لب النظرية التي طلع بها داروين في ذلك الكتاب، وهي في جوهرها فرضية بيولوجية أبعد شيء عن أن تكون نظرية فلسفية عامة، كما أنها بعيدة عن أن تكون حقيقة علمية ثابتة.
    ولقد قال عنها اثنان من أساطين علم الأحياء في القرن الماضي، وهما: أوين في إنجلترا، وأغاسيز في أمريكا:
    (إن الأفكار الداروينية مجرد خرافة علمية وأنها سوف تنسى بسرعة) .
    ولن نبحث الآن في السبب الذي لأجله خاب ما توقعه هذان العالمان، لكننا نستدل على حقيقة ما كان متوقعاً لها إبان ظهورها من قبل أصحاب الفن المعترف بهم.
    والواقع أن الجديد الذي جاء به داروين ليس فكرة التطور ذاتها، ولكنه القانون الذي تسير عليه عملية التطور، بغض النظر عن قيمته العلمية.
    فقد عرفت الفكرة سلفاً من قبل علماء اكتشفوا من استقرائهم للسجل الجيولوجي للحياة، أن الحياة لم توجد على الأرض دفعة واحدة -كما يتوهم الناس- بل وجدت تدريجياً في ترتيب تاريخي، ولاحظوا أن الأنواع المتأخرة في الظهور أكثر رقياً من الأنواع المتقدمة، ومن هؤلاء (راي، وباركنسون، ولينو).
    أما السبب في إهمال النتائج التي توصلوا إليها فهو -على ما يبدو- التفسير الذي قدموه للتطور، فقد قال هؤلاء: (إن التطور خطة مرسومة فيها رحمة للعالمين). ولذلك وصفت نظريتهم بأنها (لاهوتية) وكان ذلك كافياً لإضفاء النسيان عليها حتى داخل معامل الأحياء.
    ذلك أن الصراع بين العلم والدين آنذاك، كان في حالة من الهيجان لا تسمح بانتشار نظرية تشم منها رائحة إله الكنيسة السفاح الحقود!!
    وكان العلم النيوتوني قد ألقى في روع أعداء الكنيسة إمكان تفسير الظواهر الطبيعية (ميكانيكياً) أي دون الحاجة إلى مدبر، ولذلك فلم تكن ظروف الصراع تستدعي إلا إيجاد فكرة عن الحياة، تقوم على قانون ميكانيكي كقانون نيوتن في الفلك.
    وفعلاً حاول الكثيرون الحصول على شرف اكتشاف هذا القانون، فبذل كل من: بوفون ولامارك وكوفييه وبترس كمبر جهوداً مضنية في هذا الشأن، أما داروين فقد استطاع العثور على ذلك القانون المزعوم من طريق بعيد عن مجال الحياة والأحياء، إذ استوحاه من علم آخر هو (علم دراسة السكان)، ومن نظرية مالتوس بالذات.
    استنتج داروين من إفناء الطبيعة للضعفاء لمصلحة بقاء الأقوياء، كما توهم مالتوس، قانونه في التطور المسمى (الانتقاء (أو الانتخاب) الطبيعي وبقاء الأنسب) بواسطته والاستعانة بأبحاث (ليل) الجيولوجية تمكن من صياغة نظرية ميكانيكية للتطور، فعثر أعداء الدين على ضالتهم المنشودة.
    وقبل أن نبحث عن الآثار التي خلفتها النظرية في مختلف الحقول والميادين، يحسن بنا أن نقف لنرى مكانها من العلم والحقائق العلمية:
    وأول ما ينبغي مراعاته بهذا الشأن هو التفرقة بين جوهر النظرية نفسها وبين الايحاءات الفلسفية والتفسيرات المنبثقة عنها والتطبيقات التعسفية لها، وهى أمور ربما لم تخطر لـداروين على بال، كما أنها ليست نظريات علمية، إذ كان الوضع الطبيعي للنظرية حتى في حالة ثبوتها كحقيقة علمية أن تظل محصورة داخل المعمل متجردة عن ذلك كله.
    وأول من نقد هذه النظرية علمياً هم العلماء المعاصرون لـداروين، وقد مرَّ قول أغاسيز، وأوين قريباً، وانتقدها كذلك العالم الفلكي الشهير (هرشل) ومعظم أساتذة الجامعات في القرن الماضي.
    ولنضرب عن هؤلاء صفحاً فربما قيل أنهم هاجموها لأسباب دينية أو عاطفية، ولننظر إلى ما نال هذه النظرية على يد أكثر الداروينيين حماسة وتعصباً.
    لقد اضطر أصحاب (الداروينية الحديثة) إلى إجراء سلسلة من التعديلات على النظرية تستحق أن توصف -علمياً- بأنها نظريات جديدة.
    فأرغموا على الاعتراف بأن قانون (الانتقاء الطبيعي) قاصر عن تفسير عملية التطور، فأضافوا إليه واستبدلوا به -في الواقع- قانوناً جديداً أسموه (قانون التحولات المفاجئة) أو (الطفرات) وهو قانون لا سند له إلا المصادفة البحتة.
    ثم أرغموا على القول بأنه ليس هنالك أصل واحد نشأت عنه الحياة كلها كما تخيل داروين، بل إن هناك أصولاً عدة تفرع عن كل منها أنواع مستقلة.
    ثم أرغموه -كذلك- على الاعتراف بتفرد الإنسان (بيولوجياً) رغم التشابه الظاهري وهو المنزلق الذي سقط منه داروين ومعاصروه.
    يقول جوليان هكسلي، بعد أن سرد الكثير من خصائص الإنسان الفذة: (هكذا يضع علم الأحياء الإنسان في مركز مماثل لما أنعم عليه كسيد المخلوقات كما تقول الأديان). ومن الداروينيين المتعصبين -أرثر كيث- الذي اضطر إلى كتابة النظرية من جديد رغم اعترافه بأنها ما زالت حتى الآن بدون براهين كما سيأتي.
    ومن أشهر التطوريين المحدثين ليكونت دي نوي، وهو في الحقيقة صاحب نظرية تطورية مستقلة، ومع ذلك فهو يقول:
    (أما تطور الكائنات الحية بجملتها فإنه يناقض علم المادة الجامدة تناقضاً تاماً، وهو يتنافى مع المبدأ الثاني من مبادئ علم القوة الحرارية، وهو حجر الزاوية في علمنا المرتكز على قوانين المصادفة، فلا سبب التطور ولا حقيقته يدخلان في نطاق علمنا الحاضر، وليس من عالم يستطيع إنكار ذلك .
    ذلك هو موقف أنصار النظرية فماذا قال العلماء المحايدون في هذا القرن؟
    يقول كريسى موريسون: (إن القائلين بنظرية التطور لم يكونوا يعلمون شيئاً عن وحدات الوارثة) (الجينات) وقد وقفوا في مكانهم حيث يبدأ التطور حقاً -أعني: عند الخلية- .
    أما أنتوني ستاندن في كتابه العلم بقرة مقدسة، فيناقش مشكلة الحلقة المفقودة، وهى ثغرة من ثغرات كثيرة عجز الداروينيون عن سدها بقوله:-
    (إنه لأقرب من الحقيقة أن نقول: إن جزءاً كبيراً من السلسلة مفقود وليس حلقة واحدة، بل إننا لنشك في وجود السلسلة ذاتها) .
    ويقول (ستيوارت تشيس): (أيد علماء الأحياء جزئياً قصة آدم وحواء كما ترويها الأديان، وإذا كانت تواريخ سفر التكوين في التوراة خاطئة وحوى كثيراً من الحذف والتهذيب والبيان الشاعري، فإن الفكرة صحيحة في مجملها) .
    وليت شعري ماذا سيقول هذا الرجل لو قرأ القصة كما وردت في القرآن؟! وتقول مجلة العلوم المصورة:
    (إن العلم يؤيد قصة آدم وحواء إلى حد ما، إننا نعترف بحقيقة فكرة الأسرة البشرية ذات الأصل الواحد) .
    ويقول أوستن كلارك: (لا توجد علامة واحدة تحمل على الاعتقاد بأن أياً من المراتب الحيوانية الكبرى ينحدر من غيره، إن كل مرحلة لها وجودها المتميز الناتج عن عملية خلق خاصة متميزة، لقد ظهر الإنسان على الأرض فجأة وفي نفس الشكل الذي نراه عليه الآن .
    هذا من الوجهة العلمية، فما الحكم على النظرية من الوجهة المنطقية المجردة؟
    إن نظرية التطور تقوم على أصلين كل منهما مستقل عن الآخر:
    1- إن المخلوقات الحية وجدت على الأرض في مراحل تاريخية متدرجة ولم توجد دفعة واحدة.
    2- إن هذه المخلوقات متسلسلة وراثياً نتج بعضها من بعض بطريق التعاقب خلال عملية التطور البطيئة الطويلة.
    والذي عملته الداروينية: أنها دمجت بين الأصليين، وجمعت شواهد ودلائل الأصل الأول لتؤيد بها الثاني. وهذا اللبس غير العلمي هو الذي أغرى بعض العلماء بقبول النظرية وأضفى عليها المسحة (العلمية)، مع أن هذه المسحة يصح أن تضفى على الأصل الأول، ولكن إضفاءها على الثاني خطأ محض، إذ من المعلوم بديهياً أن الترتيب التاريخي للوجود لا يستلزم التسلسل الوراثي، بل إن العقل ليؤكد ما هو أبعد من ذلك، وهو أن الترتيب المنطقي لا يستلزم الترتيب التاريخي، فالترتيب المنطقي للكائنات الحية هو -تصاعدياً- النبات ثم الحيوان ثم الإنسان، وليس في هذا الترتيب ما يدل على أن الوجود التاريخي لهذه الأجناس وقع بهذا الترتيب، بل نحتاج في إثبات ذلك إلى دليل خارجي، وذلك يشبه تماماً الترتيب المنطقي للأعداد: (1، 2، 3، 4) وبديهي أنها ليس لها ترتيب تاريخي ولا يوجد بينها علاقة وراثية.
    ولن نفيض في مناقشة النظرية أكثر من هذا، لكن ألا يحق لنا الآن أن نسأل: إذا كان هذا هو حكم العلم والعقل على النظرية، وإذا كانت تتعرض للطعون والاعتراضات من كل جهة؛ فلم يتشبث بها بعض علماء الغرب -بغض النظر عن غيرهم- ويصرون عليها إصراراً أعمى؟
    والجواب على ذلك أقرب ما يكون إلينا: أنه الفصام النكد والعداوة الشرسة التي قامت بين العلم والدين في ظروف غير طبيعية، ولقد كفانا السير آرثر كيث مئونة الجواب بقوله:-
    (إن نظرية النشوء ما زالت حتى الآن بدون براهين -وستظل كذلك- والسبب الوحيد في أننا نؤمن بها، هو أن البديل الوحيد الممكن لها هو الإيمان بالخلق المباشر وهذا غير وارد على الإطلاق) .
    وإضافة إلى ذلك يقول واطسن: (إن علماء الحيوان يؤمنون بالنشوء لا كنتيجة للملاحظة أو الاختبار أو الاستدلال المنطقي، ولكن لأن فكرة الخلق المباشر بعيدة عن التصور) .
    ويقول د.هـ سكوت: (إن نظرية النشوء جاءت لتبقى، ولا يمكن أن نتخلى عنها حتى لو أصبحت عملاً من أعمال الاعتقاد) .
    موقف واضح صريح، أدنى ما يوصف به هو ما قاله ليكونت دي نوى حين اعترض عليه بعض المتعالمين بسبب استعماله كلمة (الله) في أحد كتبه قال: ''إن عدم التسامح المنتشر في القرون الوسطى لم يمت مع أنه انتقل إلى المعسكر الثاني''، وهذا حق؛ فإن الموقف غير العلمي الذي يتخذه هؤلاء المسمون (علماء) هو بعينه موقف الكنيسة في عقيدتها القائلة بأن الله خلق آدم خلقاً مستقلاً سنة (4004ق.م) وإذا كان هناك من فرق فهو أن الكنيسة لم تدعِ أنها (علمية) كما يفعل هؤلاء المتعصبون، وإن في هذه الاعترافات الصارخة لعبرة بالغة للببغاوات في الشرق لو كانوا يعتبرون!!
    1. آثار الداروينية

      أولاً: انهيار العقيدة الدينية:
      وجد الإلحاد في العالم الغربي المسيحي قبل داروين، فقد أباحت الثورة الفرنسية حرية الإلحاد تحت شعار (حرية الاعتقاد) وقدمت الميكانيكية النيوتونية للملاحدة خدمة كبيرة، لكن الإلحاد ظل حتى سنة (1859م) قضية فلسفية محدودة النطاق، وظلت العقيدة المسيحية محتفظة بمركز قوي ليس في الطبقات الدنيا من الشعب فحسب، بل حتى في الجامعات الأكاديمية العلمية التي كانت في الغالب هيئات دينية أو خاضعة لنفوذ رجال الكنيسة.
      وبعد سنة 1859 أصيب العالم بنقص حقيقي في الإيمان -على حد تعبير ويلز- بسبب ما أشاعه أعداء الدين من تفسيرات باطلة لنظرية التطور، والاستغلال البشع الذي قام به المغرضون، والحماس المنقطع النظير الذي استقبلت به النظرية، أما موقف الكنيسة فقد كان مهزوزاً منذ البداية -لا سيما- وأن الزمن قد أثبت خطأ المواقف التي اتخذتها من النظريات الكونية السابقة، ولذلك خشي الكثير من المتعاطفين معها أن يقعوا في الخطأ نفسه، ناهيك عن الأعداء الذين شهروا بالدين ورجاله أشنع تشهير.
      ونشبت معركة من أعظم المعارك الفكرية في التاريخ، واشتط أصحاب النظرية في موقفهم، وتطرفوا إلى حد إنكار التصور الديني جملة وإعلان إلحادهم الصريح، كما تطرفت الكنيسة وأشياعها فأعلنت كفر وهرطقة كل من لم يكن في جانبها.
      وانتهت المعركة إلى نتيجة مفزعة، فقد تزلزلت العقائد الدينية جملة، وانتشر الإلحاد وشاع بطريقة غريبة شاذة.
      والواقع أن طبيعة الفلسفة المسيحية تجعلها أكثر الأديان تعرضاً للانهيار في حالة ثبوت النظرية، صحيح أن الأديان كلها تؤمن بعقيدة الخلق المستقل، لكن المسيحية تزيد على ذلك بأنها تجعل هذه العقيدة قطب الرحى للإيمان المسيحي برمته.
      فالمسيحية البولسية تعتقد أن الله خلق آدم وحواء ونهاهما عن الأكل من شجرة معرفة الخير والشر، فأغرتهما الحية فأكلا من الشجرة، فارتكبا بذلك خطيئة لا تغتفر، وظل الجنس البشري يرسف في أغلال الخطيئة الموروثة، حتى رحم الله العالم فأرسل ابنه الوحيد -تعالى عن ذلك- الذي هو الأقنوم الثاني من الثالوث، فقتل على الصليب ليخلص البشرية من الخطيئة.
      وهذه العقيدة هي محور التعاليم الكنسية، ولا يمكن بحال أن يعد المرء مؤمناً بـالمسيحية ما لم يعتقدها، لذلك فبدهي أن تقض نظرية داروين مضاجع رجال الدين، والغيورين من المسيحيين الذين رأوا - محقين- أن التصديق بأن الإنسان خلق بالطريقة التي فسرها داروين معناه بوضوح أنه لم يكن هناك آدم ولا حواء ولا عدن ولا خطيئة (وإذا لم يكن ثمة خطيئة فإن الصرح التاريخي للمسيحية وقصة الخطيئة الأولى، والكفارة التي أسس عليها التعليم الساري للعواطف المسيحية فإن كل ذلك ينهار كبيت من ورق اللعب .
      وما دام أن الإنسان الغربي عموماً لا يعرف عن الدين إلا أنه المسيحية، فإنه سيجد نفسه تلقائياً قد أصبح ملحداً.
      يقول ويلز: ''الحق أنه لم يخل عصر من العصور من متشككة في المسيحية، على أن هؤلاء كانوا أُناساً غير عاديين، أما الآن (أي: بعد نظرية داروين) فقد أصبحت كل المسيحية بوجه الإجمال متشككة إذ مست الخصومة كل إنسان قرأ كتاباً أو سمع محاورة بين أذكياء'' .
      والحق الذي لا مرية فيه أن هذه النظرية لو تركت وشأنها أو وجدت في غير الظروف والملابسات التي وجدت فيها، لما كان لها هذا الشأن كله، أو على الأقل لما استشرت ايحاءاتها وصبغت الحياة والفكر بهذه السرعة المخيفة، ولكن الذي أعطى الداروينية هذا الحجم الكبير هو تضافر عاملين خارجيين عنها، هما:
      1- الظروف التاريخية السيئة:
      فقد ولدت النظرية في عصر كان فيه الصراع بين العلم والدين على أشده، وكانت الثورة الصناعية قد أخذت تطمس ملامح المجتمع الأوروبي، وتصبغه بصبغة جديدة متحللة من الدين والأخلاق، وكان الإنسان الأوروبي في كل مكان يتحفز للأخذ بثأره من رجال الكنيسة الذين أذاقوه ألوان الذل والاستعباد، فكان ظهور النظرية فتحاً جديداً بالنسبة له، صحيح أن الجماهير وقفت أول الأمر بجانب الكنيسة ضد داروين، (ولكن موقف الجماهير بعد ذلك تغير، فلئن كانت قد عز عليها أن يسلبها داروين إنسانيتها ويردها إلى أصل حيواني، فقد أخذت تشمت في الكنيسة ورجالها الذين وجدت أن الفرصة سانحة للتخلص من نيرها المرهق وسلطانها البغيض) .
      هذا بالإضافة إلى طبيعة الإيمان المسيحي ذاته، فهو إيمان عاطفي لا يقوم على الاقتناع العقلي بل على العكس تماماً، فسواء لدى من أوتي حظاً من الثقافة والمعرفة أن إله الكنيسة قد قتل ابنه ليخلصه من الخطيئة أم لم يفعل ذلك، فهو أصلاً غير مقتنع بأنه ولد مخطئاً وأن للرب ابناً، كما أن عقيدة التثليث والأساطير المسيحية الأخرى تسبب لعقله إزعاجاً مستمراً، لذلك فلا غضاضة في أن يضحي بهذه العقيدة الهشة في سبيل نجاته من قبضة الكنيسة الجائرة.
      2- الاستغلال البشع للنظرية من قبل القوى الشيطانية الهدامة:
      غني عن البيان أن نقول: إن اليهود يخططون للقضاء على البشرية و(استحمارها) من طريق القضاء على دينها وأخلاقها وتقاليدها، فهي حقيقة آمن بها كثير من العقلاء في الغرب، وإن الزمن ليكشف تدريجياً خيوط المؤامرة الشيطانية التي يدبرونها ضد الجنس البشرى بجملته، وما من شك في أن نظرية داروين سلاح فتاك لم يكن هؤلاء ليحلموا به.
      تقول البروتوكولات: (لا تتصوروا أن تصريحاتنا كلمات جوفاء، ولاحظوا هنا أن نجاح داروين وماركس ونيتشة قد رتبناه من قبل، والأثر غير الأخلاقي لاتجاهات هذه العلوم في الفكر الأممي سيكون واضحاً لنا على التأكيد، ويستطيع المرء أن يتأكد من حقيقة هذه الدعوى إذا استعرض السرعة المذهلة التي طبقت بها الداروينية في مختلف مجالات الحياة وميادين العلوم والفكر والرءوس اليهودية البارزة في هذا التطبيق، ولعلنا الآن نتذكر السبب في خيبة النبوءة التي تنبأ بها أوين وأغاسيز لمستقبل الداروينية.
      وليس التطبيق العاجل للنظرية والرواج المنقطع النظير هو السبب الذي يؤكد ذلك، فهناك أسباب أخرى مؤيدة.
      الإهمال الكامل للنظريات التطورية اللاهوتية، حتى إن (والاس) قرين داروين وشريكه في اكتشاف النظرية لا يكاد يعرف عند غير المختصين، وليس لذلك من علة، إلا أنه قال بأن وراء عملية التطور قوة مدبرة .
      الطريقة الغريبة التي استقبلت وأشيعت بها النظرية، والتي جعلت الناس يتلقفونها لا بوصفها نظرية علمية بل كما لو كانت ديناً جديداً بالفعل، وطرحت لا كمناقض للمسيحية فحسب بل كبديل لها.
      التمجيد الأسطوري لصاحب النظرية فقد حاز داروين من الشهرة ما لم يظفر به أعظم خدام البشرية من أمثال (باستور وفلمنغ وأديسون) وجعله مؤرخو الفكر الغربيون أعظم محرر للفكر البشري، بل إن بعضهم ليشبهه بالمسيح، وقال عنه أرنست هيكل: (إنه أطلس يحمل عالم الفكر على منكبيه)، ووصفه آخرون بأنه (قاهر الطبيعة) .
      الحملة الصحفية المكثفة للتشهير بأعداء النظرية، وتحيز الصحف شبه الكامل لـداروين على الكنيسة، إذ كانت الصحافة قد وقعت في قبضة المرابين اليهود، بفضل المركز المالي الذي هيأته لهم الثورة الصناعية.
      وهذه جميعاً دلائل واضحة على أن المعركة لم تكن طبيعية، وأن عنصراً غريباً كان ينصب شباكه في الظلام للإجهاز على القيم الدينية والأخلاقية، وهو غاية ما تهدف إليه البروتوكولات.
      ولقد كانت النتيجة المنطقية لانتصار الداروينية على المسيحية وهو الانتصار الذي سببه العاملان السابقان - أن عمت موجة الإلحاد المجتمعات الغربية، وانتقلت منها إلى بقاع العالم الأخرى، وسيطرت الأفكار المادية على عقول الطبقة المثقفة، وتخلت جموع غفيرة من الناس عن إيمانها بالله تخلياً كاملاً أو شبه كامل، وطغت على الحياة الأوروبية فوضى عقائدية غريبة.
      والحق أن أوروبا بعد داروين، قد عبدت الشيطان بعد أن كانت تعبد المسيح، عبدته مرة عن طريق عبادة الطبيعة تلك الكلمة غير العلمية، فقد قال داروين: (الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق) وقال (إن تفسير النشوء والارتقاء بتدخل الله، هو بمثابة إدخال عنصر خارق للطبيعة في وضع ميكانيكي بحت) .
      صحيح أن الطبيعة عبدت قبل داروين، ولكن داروين كان نبياً جديداً لها، -إن صح التعبير- وعبدته مرة عن طريق عبادة الإنسان، وهى الفكرة التي دعا إليها الفيلسوف اليهودي (نيتشة) قائلاً: (إن الإله قد مات وإن الإنسان الأعلى )سوبرمان) ينبغي أن يحل محله، ومن هنا قرنته البروتوكولات بـداروين وماركس) كما نادى بها في القرن العشرين الـدارويني الملحد دوليان هكسلي الذي ألف كتاب (الإنسان في العالم الحديث)، زاعماً أن الإنسان اختلق فكرة الله إبان عصور عجزه وجهله، أما الآن فقد تعلم وسيطر على الطبيعة بنفسه ولم يعد بحاجة إليه، فهو العابد والمعبود في آن واحد.
      وعبدته مرة عن طريق عبادة المادة ولا غرابة في أن يكون نبي هذه العبادة يهودياً كذلك، وهى ديانة ماركس التي يدين بها اليوم مئات الملايين من البشر.
      وعبدته مرة عن طريق عبادة (الجنس) وكان اليهودي فرويد هو بطل هذه العبادة.
      وعبدته في صور شتى تتفق جميعها في الاستمداد من داروين ونظريته.
      وهكذا نجد أن نظرية التطور أسهمت إسهاماً عظيماً في هدم العقيدة الدينية وتحطيمها، وليس من المبالغة أن نقول: إن دورها في ذلك لا يوازيه أي نظرية بشرية أخرى.
      ثانياً: نفي فكرة الغاية والقصد:
      من الحقائق التي تتطابق عليها الأديان وتتضافر على الإيمان بها العقول والفطر السليمة؛ أن للوجود الإنساني على الأرض غاية مقصودة أرادها الخالق واقتضتها حكمته النافذة، ومهما اختلفت الآراء والمذاهب في ماهية هذه الغاية وتصورها، فإن حقيقتها العامة لا تقبل الجدل.
      وهذه الحقيقة درجت الأجيال البشرية المتعاقبة على الإيمان بها، ليس لأنها منبثقة عن فكرة الخلق المستقل -كما يتوهم دعاة التطور- بل لأن الفكرتين كلتيهما عميقتان في التصور الإنساني مركوزتان في الفطرة البشرية.
      لذلك نجد أن الرسالات السماوية لم تأتِ لإثبات هذه الغاية، بل للتذكير بها وأيضاح حقيقتها، وكذلك نلاحظ أن المباحث الفلسفية كانت تركز جهدها على الخوض في العلل الغائية للأشياء لتبني عليها نظرياتها عن الكون والحياة، ولا تبالي كثيراً بالعلل الصورية، فكان الفلاسفة يجهدون أنفسهم في البحث حول الغاية من خلق الإنسان ووظيفته في الوجود، دون أن يهتموا كثيراً في كيفية الخلق وعللها المباشرة.
      فلما ظهرت نظرية التطور العضوي، ونادت بأن الإنسان وليد سلسلة طويلة من التطورات المتعاقبة، بدأت من جرثومة في مستنقع آسن وانتهت في خط سيرها المتخبط إلى صورته الراهنة، لم يعد هناك ما يدعو إلى التفكير في الغاية من خلق الإنسان.
      إن هذه النظرية تنسب عملية التطور إلى العوامل الطبيعية البحتة، والطبيعة كما قال داروين: (تخبط خبط عشواء) وإذن فإنه من العبث أن نبحث عن غاية مرسومة وهدف مقصود لعملية الخلق وللوجود الإنساني، فلو أن الطبيعة وهبت الضفدعة - مثلاً - القدرة على التطور ومنحتها ما منحته صدفة واعتباطاً للإنسان؛ لكانت هي سيدة المخلوقات، وقد قال دوليان هكسلي: (من المسلَّم به أن الإنسان في الوقت الحاضر سيد المخلوقات، ولكن قد تحل محله القطة أو الفأر) .
      وكان ظهور هذه النظرية في عصر ازدهار النظرية المكانكية أحد العوامل المشجعة على قبولها فكلا النظريتين ترجع الحوادث الكونية كلها إلى قوانين الطبيعة العمياء فراراً من نسبتها إلى إله الكنيسة.
      ويشيد الفيلسوف الملحد برتراندرسل بالأثر الداروينى في هذا المجال قائلاً:
      (بالرغم من أنه لا يزال في إمكان الفيلسوف أو عالم، اللاهوت أن يقول: إن لكل شيء غرضاً ظهر أن الغرض ليس فكرة نافعة، حين نبحث في القوانين العلمية، وقد قيل في الإنجيل: إن القمر قد خلق لينير بالليل، ولكن العلماء مهما كانوا متدينين لا يعتبرون ذلك أيضاحاً علمياً لأصل القمر، ولقد كان عمل داروين فاصلاً بهذه المناسبة، فالذي فعله جاليلو ونيوتن من أجل الفلك فعله داروين من أجل علم الحياة).
      (إن الذي جعل من الممكن تفسير التكيف دون الكلام عن الغرض، لم يكن حقيقة التطور، بل كان الميكانيكية الداروينية كما تتضح من تنازع البقاء وبقاء الأصلح، فالاختلاف الاعتباطي واختيار الطبيعة لا يستخدمان إلا العلل الصورية) .
      ونجم عن ذلك أن أهملت العلوم الغربية بجملتها فكرة (الغائية)، بحجة أنها لا تهم الباحث العلمي ولا تقع في دائرة عمله، وتحللت علوم الطب والفلك والجيولوجيا والأحياء وسائر العلوم من التأثيرات الدينية -كما سيأتي في فصل علمانية العلم- وأدى الإيمان بهذه الفكرة إلى اعتناق فكرة هزيلة لا قيمة لها ولا وزن في حساب العلم، تلك هي فكرة المصادفة، فبعد أن أبطل (باستور) أسطورة (التولد الذاتي) إلى الأبد، لم يجد دعاة الإلحاد والهاربون من الدين ما يسترون به عورتهم إلا هذه النظرية التافهة.
      وإنه لمن المدهش حقاً أن يرى الإنسان الكثير ممن يسمون علماء، يعتقدون أن الكون بدقته المذهلة وعظمته الهائلة وجد صدفة واعتباطاً ((ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ))[ص:27].
      هذا على المستوى النظري، أما على مستوى الحياة الواقعية فقد كانت النتائج مروعة، إذ تزعزعت قيمة الحياة لدى الناس -لا سيما- ذوى الإحساس المرهف، واستبد بهم شعور يائس بالقنوط والضياع، وظهرت في أوروبا أجيال حائرة مضطربة لا تطمح إلى غاية ولا تفكر في هدف، وخيم الخواء الروحي على المثقفين بصفة خاصة، وأصبح شغلهم الشاغل هو البحث عن الذات المفقودة واستكناه أسرار النفس، وذلك هو المناخ الخصب الذي استغله اليهود لبذر نظرياتهم الهدامة، فجاء (فرويد) بالتحليل النفسي، و(برجسون) بالروحية، و(سارتر) بـالوجودية.
      يقول الفيلسوف (جود) تحت عنوان تفاهة الحياة:
      (إذا كان الماديون على حق فلا ينبغي أن نعتبر الحياة شيئاً مهماً في صميم الكون، نتخذه أساساً لتفسير سائر الموجودات الأخرى، بل أنها لا تعدو أن تكون حصيلة ثانوية قذف بها سير التطور مصادفة واتفاقاً، أو هي تحوير عرضي للمادة أصبحت بموجبه تملك الشعور بذاتها) .
      ولقد تجلى الشعور بتفاهة الحياة أكثر ما تجلى في الأدب الأوروبي، حيث تلمح الإحساس بالضياع هو السمة العامة للمدارس الأدبية التي ظهرت عقب الحرب العالمية الأولى بصفة خاصة.
      وهذا الشعور الناجم عن فقدان الإيمان هو العلة الحقيقية للتمزق الرهيب الذي تعانيه النفسية المعاصرة في الغرب، رغم الرفاهية المادية المتناهية، ومن هنا استحق هذا العصر أن يطلق عليه (عصر القلق)!!
      ولقد صدق أحد العلماء في قوله (إن أشقى الناس -جميعاً- هو الذي يأتي إلى هذه الدنيا ثم يخرج منها وهو لا يدري لماذا جاء ولماذا خرج)!
      ثالثاً: حيوانية الإنسان وماديته:
      عندما طلع كوبرنيق بنظريته الفلكية القائلة: بأن الأرض ليست مركز الكون، أحس الضمير الأوروبي بأنه قد صدم في صميم كرامته ومركزه في الوجود، واعتقد البعض أن الإيمان بهذه النظرية إهانة مباشرة للإنسان (سيد المخلوقات)، فلما جاء داروين بنظريته، لم يزد الطين بلة فحسب بل جاء بالطامة الكبرى، فزعم أن الإنسان حيوان كسائر المخلوقات الحيوانية، فوجه بذلك إلى الكرامة الإنسانية أعنف لطمة في تاريخها، وقلب الشعور الإنساني رأساً على عقب، وهز المشاعر والمعتقدات والقيم التي كانت منذ فجر التاريخ حتى عصره راسخة لا مراء فيها، وأصبح الحال كما قال جوليان هكسلي:
      (بعد نظرية داروين لم يعد الإنسان يستطيع تجنب اعتبار نفسه حيواناً) .
      وداروين لم يكتف بأن جعل بين الإنسان وبين القردة نسباً، بل زعم أن الجد الحقيقي للإنسان هو جرثومة صغيرة عاشت في مستنقع راكد قبل ملايين السنين.
      لقد كانت بالفعل صدمة هائلة وانتكاسة خطرة.
      نعم إن داروين لم يصدر أحكاماً مستقلة على الإنسان -وليس من حقه ذلك- ولكن الذين جاءوا من بعده أصدروا أحكاماً وأي أحكام!
      ذلك أنهم تلقفوا النظرية -أصلاً- بدوافع مغرضة ووجهوها لتخدم أهدافاً خفية، ولهذا فليس غريباً أن يثوب (الداروينيون المحدثون) -راضين أم راغمين- إلى رشدهم، ويعترفوا بحقيقة تفرد الإنسان عن كل المخلوقات، بينما لا يزال أولئك المغرضون ينفثون أفكارهم الهدامة التي تنظر للإنسان على أنه حيوان، وتحدد مطالبه بمطالب الحيوان وتدرسه كما تدرس الحيوان.
      وليس الإيحاء بحيوانية الإنسان هو الأثر الدارويني الوحيد الذي حط من قدره وكرامته، بل اقترن به إيحاء آخر لا يقل خطورة عن الأول، وهو الإيحاء بـ(مادية الإنسان) أي: خضوعه للقوانين المادية التي تفرض عليه ما تفرضه على المادة الجامدة.
      فالإنسان في نظر الداروينية لم يتطور مختاراً، بل كان تطوره مظهراً لخضوعه المطلق للبيئة الطبيعية، أي لعوامل خارجية حتمية، صحيح أن هذا التطور لمصلحته لكنه لم يكن نابعاً من إرادته، ولم يكن متوقعاً من الداروينية أن تقول في تلك الظروف السيئة إن الله هو الذي اختار للإنسان، لأن ذلك يفقدها صفة (الميكانيكية).
      بل ويجرها إلى اعترافات أخرى كالإقرار بأن له روحاً، وأن لوجوده غرضاً، كما تقول الكنيسة، وإذن فلا مناص من القول بأن العوامل الطبيعية وحدها صانعة التطور وفارضته على الإنسان، والإنسان ما هو إلا مرآة تنعكس عليها تقلبات الطبيعة المفاجئة وتخبطاتها غير المنهجية.
      وعليه نستطيع أن نقول: إن فكرة التطور في ذاتها أوحت بحيوانية الإنسان، بينما أوحى تفسير العملية التي سار عليها التطور بماديته.
      وظهر أثر هذين الإيحاءين جلياً في الدراسات الاجتماعية والنفسية التي تناولت موضوع الإنسان فرداً أو جزءاً من مجموع.
      وهي دراسات تقوم على نظريات تلتقي بجملتها في نقطة واحدة (حيوانية الإنسان وماديته) ثم يسلك كل فرع منها طريقاً مستقلاً.
      ومن أبرز الأمثلة على الأفكار الاجتماعية نظريتان: (النظرية الشيوعية، ونظرية العقل الجمعي) فاليهودي كارل ماركس -صاحب النظرية الأولى- استمد من حيوانية الإنسان ما ظهر جلياً في البيان الشيوعي، إذ حدد المطالب الرئيسية له بـ(الغذاء والسكن والجنس).
      واستمد من ماديته التي أوحت بها (جبرية التطور) التفسير المادي للتاريخ، والجبرية الاقتصادية، فهو يرى (أن القوى المادية أو القوى الاقتصادية هي التي تكيف الحياة البشرية وتعطيها طابعها، وتنشئ أفكارها ومفاهيمها وعقائدها حسب درجتها من التطور، فإذا انتقلت البشرية من طور إلى طور بحكم قوة التطور الدائمة المفروضة على الإنسان من خارج نفسه والتي لا علاقة لها بإرادته الذاتية؛ فإن صور الحياة تتغير، ومشاعر الناس تتغير، وأفكارهم ومفاهيمهم وعقائدهم تتغير، ويتغير كل شيء في المجتمع من أخلاق وعادات وتقاليد تغيراً حتمياً .
      أما اليهودي (دور كايم) فقد جمع بين حيوانية الإنسان وماديته بنظريته في (العقل الجمعي) التي تقول: إن الإنسان حيوان خاضع (الجبرية الاجتماعية)، أو قهر اجتماعي يفرضه عليه العقل الجمعي للقطيع البشري ويستمد شواهده المؤيدة من عالم الحيوان ومجتمع الحيوان .
      أما المذاهب النفسية فمن واضح الأمثلة عليها (مدرسة التحليل النفسي):
      فاليهودي (فرويد) استمد من حيوانية الإنسان نظريته في تفسير السلوك الإنساني من الولادة حتى الوفاة تفسيراً حيوانياً بشعاً، فهو يرى أن الدافع الجنسي هو دافعه الوحيد، فالمولود يرضع ثدي أمه بدافع جنسي، ويتبرز بدافع جنسي، ويظل يتعامل مع الآخرين بناءً على هذا الدافع وحده، والدين والأخلاق والمثل العليا كلها نابعة من هذا الدافع أيضاً، وهكذا فالإنسان عند فرويد ليس حيواناً فحسب، بل هو حيوان جنسي، وراء كل حركة منه شهوة جنسية ظاهرة أو خفية، واستمد من ماديته (جبرية نفسية تجعل الإنسان خاضعاً لغريزته مسَّيراً بها بلا اختياره، فهو لا يملك إلا الانصياع لأوامرها وإلا وقع فريسة الكبت المدمر للأعصاب .
      واليهودي (دور كايم) وعلم النفس -بصفة عامة- يدرس الإنسان كما يدرس أي حيوان ثديي، والنظريات النفسية التي استنتجها (بافلوف، وثورندايك، وواطس، وهول) وأضرابهم، إنما استنبطت من التجارب التي أجراها أولئك على الكلاب والقردة والفئران... إلخ!! .
      وهكذا تركت نظرية داروين فيما يتعلق بحيوانية الإنسان وماديته بصمات واضحة في كل حقل من حقول الفكر، وصادفت هوى في نفوس الباحثين الماديين في كل مجال.
      رابعاً: فكرة التطور المطلق:
      كانت الحياة الأوروبية طيلة القرون الوسطى مستغرقة في سكون مطبق وجمود عام، أوحى إلى العقلية الأوروبية الخاملة -آنذاك- بفكرة الثبات المطلق في كل شيء، وأسهمت الكنيسة -بطقوسها الجامدة ووقوفها ضد كل جديد- في ترسيخ هذه الفكرة وتعميقها .
      وأول هزة تعرضت لها هذه الفكرة كانت على يد (كوبرنيك) - من غير قصد - فدوران الأرض التي نادت به نظريته يناقض المسلَّمة البدهية في نظر عصره، وهى أنها ثابتة وما عليها ثابت كذلك، ثم إن التقدم في الكشف والبحث الذي ابتدأ منذ عصر النهضة، والذي اقتبس حيويته ونشاطه من الشرق المتحضر كان عاملاً مؤثراً في إضعاف الإيمان بهذه الفكرة.
      وظهرت فكرة التطور لدى بعض الباحثين مثل: (أوجست كومت) صاحب نظرية التطور العقلي (من الخرافة إلى الدين إلى الوضعية)، وظهرت كذلك لدى (هوبز) الذي يرى أن المجتمع الإنساني تطور من الوحشية الغابيَّة إلى الحالة الاجتماعية، وكذلك (روسو) الذي قال بتطور المجتمع من الحالة الطبيعية إلى الحالة الفوضوية، مما استوجب وجود (عقد اجتماعي) بين الأفراد.
      لكن هذه النظريات لم تكن من القوة والتعميم بحيث تزلزل فكرة الثبات كلية، وإن كان لها فضل في التمهيد لذلك.
      وتمت هذه الزلزلة على يد (داروين) ونظريته في التطور العضوي، وبعد داروين انتقلت أوروبا من الإيمان بالثبات المطلق إلى الاعتقاد في التطور المطلق.
      لقد حدث في القرن التاسع عشر تحول شامل في الحياة الأوروبية كلها، بسبب ما أحدثه الانقلاب الصناعي من نقل الناس من البيئة الزراعية إلى البيئة الصناعية مما كان له أثره البالغ في أخلاق الناس وتقاليدهم وأوضاعهم عامة، فكان ذلك تطوراً اجتماعيا واقتصادياً موازياً للتطور العلمي والثقافي.
      في ظل هذه الظروف المتغيرة والمتطورة ولدت نظرية التطور في كتاب داروين (أصل الأنواع) الذي قال عنه وست:
      (لقد كان تأثير هذا الكتاب عظيماً ولا شك، فعن طريق وضع مبدأ جديد للدراسة وهو مبدأ ديناميكي، وليس مبدأ استقرارياً أو استاتيكياً، استطاع أن يحدث ثورة في كل فروع المعرفة من علم الفلك إلى التاريخ، ومن علم الحفريات القديمة إلى علم النفس ومن علم الأجنة إلى علم الدين) .
      والواقع أن التطور الديني الذي أوحت به النظرية ليتجاوز الأثر العلمي إلى ميادين الحياة كافة (الاجتماعية والسياسية والاقتصادية)... إلخ، ونزلت الضربة القاضية على رأس الدين والأخلاق. والحق أن داروين لم يقل صراحة: إنه لا شيء ثابت على الإطلاق وأن الحياة البشرية تمضي في حلقات متباينة تختلف كل لاحقة عن سابقتها اختلافاً كاملاً، ولكن نظريته توحي بذلك وتومئ إليه، وذلك أن التطور كما شرحه داروين يشتمل على عنصرين بارزين: (الحتمية والاضطراب) فكل مرحلة من مراحل التطور أعقبت سلفها بطريقة حتمية، بمعنى أن العوامل الخارجية - كما أسلفنا - هي التي تحدد نوعية هذه المرحلة، أما خط سير التطور ذاته بمراحله جميعها فهو مضطرب لا يسعى إلى غاية مرسومة أو هدف بعيد؛ لأن (الطبيعة) التي أوجدته غير عاقلة ولا واعية، بل تخبط خبط عشواء!!
      عن طريق هذين العنصرين أوحت النظرية بتطور حتمي مطلق لا غاية له ولا حدود، الحتمية تجعل الإيمان بثبات أي شيء وإن كان الدين والقيم أو التقاليد جموداً ورجعية، وكل محاولة للثبات على شيء من ذلك هي معركة خاسرة مع القدر الذي لا يقهر، واضطراب خط التطور يلغي كل المعايير الثابتة المتعارف عليها للحكم على الأشياء، ويستبدل بها معياراً واحداً لا ميزة له في ذاته إلا عدم قبوله صفة التطور وهو (الزمان) فكل عقيدة أو نظام أو خلق هو أفضل وأكمل من غيره ما دام تالياً له في الوجود الزمني.
      يقول لوبون: ''إن الزمان (إله) لأنه (هو الذي يولد المعتقدات فينميها ثم يميتها ومنه تستمد قوتها وبفعله يتولاها الضعف والانحلال'' ''إن الزمان هو صاحب السيادة الحقيقية فينا، وما علينا إلا أن نتركه يعمل لنرى كل شيء يتحول ويتبدل'' .
      وهكذا آمنت أوروبا بالتطور المطلق، وحسبت كل تغير -وإن كان انتكاسة وانحطاطاً- تطوراً وتقدماً.
      فـالشيوعية أكبر المذاهب الأرضية وأوسعها انتشاراً تستمد تفسيرها المادي للتاريخ من هذه الفكرة (فكرة التطور الحتمي) فالمجتمع البشرى مر -كما تخيل فلاسفتها- بخمس مراحل حتمية، لكل مرحلة منها عقائدها وأخلاقها وتقاليدها النابعة من الظروف الاقتصادية والأوضاع المادية.
      فمثلاً في المجتمع الزراعي كان الإنسان متديناً؛ لأن الزراعة عملية غيبية لا يستطيع أن يتحكم فيها بجهده الذاتي، فلجأ إلى الاعتقاد في (قوى غيبية) لتسيير العملية وإنجاحها.
      وكان المجتمع الزراعي مجتمعاً أسرياً ذا تقاليد؛ لأن الرجل هو المنتج الرئيسي فيه وهو الذي يعول المرأة، ولذلك كان يرى أن له الحق في امتلاكها وحده، ففرض عليها قيوداً أخلاقية نشأ عنها أخلاق وتقاليد زراعية.
      ثم تطور المجتمع الإنساني -حتمياً- وانتقل إلى الطور الصناعي فتبدلت الأحوال... عملية الإنتاج لم تعد (غيبية) فهي عملية منظورة يقوم بها الإنسان وليس (الله)!! ولذلك فلا داعي للإيمان بالغيبيات، بل إن التطور ليفرض على المجتمع أن يكون بلا دين.
      والمرأة قد استقلت اقتصادياً ومن ثم تحررت من سيطرة الرجل وقيوده، فأصبح من حقها -أو من واجبها- أن تنبذ تقاليد وأخلاق العصر الزراعي، وتساير موكب التطور الذي يغري، بل يدفع إلى الإباحية الجنسية.
      وباختصار ترى الشيوعية أن لكل عصر دينه وأخلاقه وتقاليده، ولا ضير في ذلك، لكن العيب الشائن هو أن يعيش المرء في عصر الصناعة والتطور متحجراً على دين وتقاليد العصر الزراعي الجامد، ولم يقتصر الأمر على الشيوعية، بل إن علوم النفس والاجتماع، أو على الصحيح زعماء هذين من اليهود وأتباعهم ليؤمنون بالتطور في كل شيء، حتى الدين نفسه، بل لعل الدين هو الهدف المقصود من العملية كلها!!
      فعلم الاجتماع -بل يهودية دور كايم- ينفي أن يكون الدين والزواج والأسرة فطرية في الإنسان، وإنما هي من عمل (العقل الجمعي) ذي السطوة القاهرة على الأفراد، وهذا العقل دائم التغير والتطور والتشكل (وهنا نلحظ عنصر الاضطراب) فإذا قال العقل الجمعي في طور من أطواره: ليكن دين أو زواج أو أسرة فليكن ذلك، أما إذا قال حسب هواه: ليكن لا دين ولا زواج ولا أسرة، فسرعان ما يخضع الأفراد لقهره فينسلخون من دينهم وأخلاقهم وتقاليدهم، ويتفق علم النفس مع علم الاجتماع في عدم فطرية الدين ولكنهما يختلفان في تفسير تطوره.
      فعلم الاجتماع يرى أن أصل الدين شيء خارجي هو -الأرواح أو القوى الطبيعية أو المحرم (التابو)- وابتدأ الإنسان تدينه بالسحر والشعوذة، ثم تطور إلى عبادة آلهة متعددة، ثم تطور إلى التوحيد الذي يمثل آخر حلقة في عصر الدين أعقبها مباشرة -بفعل التطور- عصر العلم الذي ينفي الدين بجملته.
      أما علم النفس أو يهودية (فرويد) فيرى حسب تفسيره الدنِس للدين أن أصل الدين هو الشعور بالندم الذي استولى على أبناء الأسرة البشرية البدائية الأولى حين قتلوا أباهم، ولماذا قتلوه؟ لأنه كان يحول بينهم وبين اللقاء الجنسي مع الأم، فابتداء الدين في صورته الأولى عبادة للأب، ثم تطور إلى عبادة (الطوطم)، ثم تطور إلى عبادة القوى الخفية في صورة الدين السماوي وهو في الأطوار كلها ينبع من العقدة نفسها عقدة (أوديب) كما يصرح بذلك في كتابه الذات والغرائز.
      والأخلاق تطورت في المراحل نفسها باعتبارها جزءاً من الدين أو مستمدة منه، بل إن (برتراندرسل) ليرى أنها تطورت خلال ثلاث مراحل(أخلاق المحرم (التابو) ثم أخلاق الطاعة الإلهية، ثم أخلاق المجتمع العلمي) .
      ويقول (وليم جيمس) عن الأثر الدارويني في الأخلاق:
      (إن فلسفة النشوء والارتقاء قد ألغت المعايير الأخلاقية التي سبقتها كلها لأنها رأتها معايير ذاتية شخصية وقدمت لنا بدلها معياراً آخر، نتعرف به الخير من الشر، وبما أن المعايير السابقة معايير نسبية فهي مدعاة للقلق والاضطراب، وأما هذا المعيار الذي ارتضوه وهو أن الحسن ما قدر له أن يبقى ويظهر ويبقى فهو معيار موضوعي محدد) .
      وإجمالاً فقد آمنت أوروبا شرقها وغربها بأن لا شيء ثابت على الإطلاق وهو الإيمان الذي عبر عنه (رسل) بقوله:
      (ليس ثمة كمال ثابت ولا حكمة لا تَقدم بعدها... وأي اعتقاد نعتقده وإن كان مما نظنه بالغ الأهمية ليس بباق مدى الدهر، ولو تخيلنا أنه يحتوى على الحق الأبدي، فإن المستقبل كفيل بأن يضحك منا .
      ومن الحق أن نقول: إن هناك علماء عارضوا فكرة التطور المطلق لكنهم قوبلوا بالنقد العاصف والاستنكار الشديد بحجة أنهم رجعيون متخلفون يعرقلون مسيرة التطور الحضاري، يقول كارل بوير: ''إنني أشعر بشيء من الإرهاب مما يميل إليه أصحاب مذهب التطور من إلصاق تهمة الوقوف في وجه الإصلاح والتنوير بكل من لا يشاركهم موقفهم العاطفي إزاء التطور باعتباره تحدياً جريئاً ثورياً للفكر التقليدي''.
      وقال لوبون: ''الملوكي بمقتضى كونه ملوكياً يعتقد أن الإنسان ليس متولداً من القرد، والجمهوري يعتقد الضد تماماً''.
      وهكذا رسخت فكرة التطور المطلق في كل فرع من فروع المعرفة النظرية، وفي كل حقل من حقول التطبيق الواقعي وأصبحت السمة الظاهرة للحضارة المعاصرة.
  12. الباب الثالث: العلمانية في الحياة الأوروبية

    الباب الثالث العلمانية في الحياة الأوروبية الفصل الأول: علمانية الحكم الفصل الثاني: علمانية الاقتصاد الفصل الثالث: علمانية العلم الفصل الرابع: علمانية الاجتماع والأخلاق الفصل الخامس: علمانية الأدب والفن الفصل السادس: ماذا بقي للدين؟
  13. الفصل الأول: علمانية الحكم

    سبق أن ذكرنا في الباب الأول أن الشريعة المسيحية لم تطبق في عالم الواقع، وذكرنا هنالك بعض العوائق التاريخية التي عرقلت قيام مجتمع إسلامي تحكمه هذه الشريعة.
    على أن إقصاء الشريعة المسيحية عن واقع الحياة لا يعني أنها كانت عديمة التأثير في النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن السلوك الشخصي للحكام المسيحيين، وذلك بفضل المنهج الأخلاقي المثالي الذي كان الدعاة المسيحيون المخلصون يبثونه بحرارة وإصرار، والنفوذ القوي الذي كان رجال الدين يتمتعون به في الأمم.
    وكان للكنيسة آراؤها السياسية التي يمكن أن يستخلص من مجموعها نظرية سياسية تعبر عن وجهة نظرها الذاتية وإن كانت -طبعاً- لا تعبر عن أحكام الدين كما أنزل من عند الله.
    والنظرية الكنسية في أكمل صورها أشبه شيء بالنظريات الخيالية التي تتحدث عن مدن فاضلة وهمية، هذا إذا نظرنا إلى أوغسطين على أنه قديس مسيحي وليس فيلسوفاً رومانياً، فهو الذي عبر عن هذه النظرية في كتابه مدينة الله وفكرة أوغسطين الأساسية صحيحة تماماً من جهة أنه ليس في الوجود إلا مملكتان أو مدينتان لا ثالث لهما إحداهما مدينة الله، والأخرى مدينة الشيطان.
    ولكن الخطأ الذي يفسد هذه الفكرة ذاتها عنده يكمن في تحديده لخصائص كل مدينة، فهو يرى أن مدينة الله هي التي يحكمها آباء الكنيسة بخلاف مدينةالشيطان التي يسوسها رجال الدنيا، ثم إن الصورة التي تخيلها لمدينة الله موغلة في الخيال إلى درجة تجعل إمكان تطبيق نظريته عملياً خارقة نادرة إن لم تكن مستحيلة.
    أما النظرية الأكثر واقعية والتي سادت عملياً طيلة فترة نفوذ الكنيسة، فالحكام في نظرها لا يشترط أن يكونوا رجال دين؛ ولكن يجب أن يخضعوا في ذواتهم لسلطة رجال الدين.
    فعلى الرغم من قصور النظرية الكنسية وعجزها عن تنظيم شئون الحياة بسب تحريفها وإهمالها لشريعة الله ونظرتها الخاطئة إلى الحياة الدنيا، وإيمانها بقاعدة: "اعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله" بالمدلول الخاص لهذه العبارة - على الرغم من ذلك فقد كان الملوك والأباطرة في القرون الوسطى يخضعون -في صورة ما- لرجال الدين، ولا يعدون أنفسهم مسيحيين فحسب، بل جنوداً للمسيحية -كما حدث في الحروب الصليبية- والخطأ الفادح جاء من قبل الكنيسة، إذ وجهت واستغلت عواطفهم الدينية لخدمة مصالحها الذاتية وجهدت في إخضاعهم لا لشريعة الله بل لأهواء البابوات .
    صحيح أن إيمانهم بالدين كان محصوراً في الحدود الضيقة التي رسمتها الكنيسة، ومشوباً بالتصورات الوثنية، لكنهم كانوا يرون أنفسهم ملزمين بالأخلاق الدينية في تعاملهم السياسي - ولو ظاهراً - لأن ذلك هو مقتضى كونهم مسيحيين.
    وكانت ضرورات العمل السياسي - كما يدَّعون - تلجئهم إلى مخالفة الروح المسيحية فينكثون بالعهود، ويزهقون أرواح الأبرياء ويستبيحون الكذب والمواربة في سبيل تحقيق مصالحهم السياسية، غير أنهم لم يتخذوا ذلك مسلكا عاماً ولم يختلقوا له تبريراً عقلياً منافياً لتعاليم الدين.
    ربما كان منهم من يتلهف للحصول على مبرر ما ليقيه على الأقل وطأة التناقضات النفسية وعقاب الضمير، لكن العثور على ذلك ظل مستحيلاً أمداً غير يسير.
    وصحيح أن الكنيسة أهملت تنظيم شئون الدولة، وأن القانون الروماني كان يطبق على مسمع منها ومرأى، لكنها كانت متشددة فيما يتعلق بالسلوك الشخصي للحكام، يشاركها في ذلك عواطف الشعب وضمير الأمة، وكان الأباطرة مضطرون للتمسك بالأخلاق المسيحية كي يكسبوا ود الكنيسة، حيث أن إبقاء سلطانهم وشرعيته مرهونان برضاها عنهم، فهي التي تتولى تتويجهم وتقدس حكمهم وتباركه، ثم إن من حقها - كما قال البابا جريجوري السابع - أن تخلع المسيئين منهم وتحل رعيتهم من طاعتهم.
    لهذه الاعتبارات يصح القول بأن عملية الفصل بين السياسة وبين الدين والأخلاق بمفهومها المعاصر لم تكن معروفة لدى سياسيي القرون الوسطى، وإن كانت أوروبا -حقيقة وواقعاً- لم تحكم بما أنزل الله قط في أية مرحلة من تاريخها.
    وإذا تجاوزنا النظرية الكنسية إلى الفكر السياسي اللاديني، فسنجد نظريات عديدة قبل أن نصل إلى النظريات المعاصرة.
    وأشهر تلك النظريات ثلاث:
    1-النظرية الخيالية.
    2-نظرية العقد المجتمع.
    3- نظرية الحق الإلهي.
    1. أولاً: النظرية الخيالية

      عرفت هذه النظرية قديماً في الفكر الإغريقي حيث كان الفلاسفة يهربون من الواقع السيئ إلى عالم الخيال الواسع، ويبنون من الأوهام والأحلام الجانحة مجتمعات مثالية أو مدناً فاضلة تتمتع بالوئام التام والإيثار المتناهي والمساواة الكاملة في جو ملائكي حالم!
      ومن النماذج القديمة لها: جمهورية أفلاطون ( ) لـأفلاطون (348ق.م)، ومن أبرز المحاولات التي قام بها مسيحيون لصياغة هذه النظرية يوتوبيا لـتوماس مور (1535)؛ ومدينة الشمس لـكامبانيلا (1639).
      والذي يهمنا من هذه النظرية هو أنها لا تجعل الدين هو المنهج الذي تقوم عليه الحياة، والأساس الذي تنبثق منه كل التصورات والقيم، بل إن الانسجام العقلي والمصلحة الدنيوية المجردة هما الدعامة التي بنت النظرية عليها مجتمعاتها اللادينية، وإن كان بعض متخيليها كـتوماس مور تخيل وجود دين في مدينته إلا أنه دين شخصي بارد لا أثر له في الحياة.
      هذه الفكرة الخطرة ترسبت - لا شعورياً - في أذهان المثقفين الذين كانوا شغوفين بقراءة مثل هذه المؤلفات، وولدت فيهم إحساساً بأن الحياة تكون سعيدة فاضلة لو عزل الدين عن الواقع وبقي طقوساً جامدة لا علاقة لها بالحياة؛ بل أوحت إليهم بإمكان قيام حياة بهيجة متكاملة بلا دين
      ولا شك أن مثل هذه الأفكار يسهل استيعابها وتقبلها في بيئة تخضع لطغيان الكنيسة الأعمى ومضايقاتها المرهقة.
    2. ثانياً: نظرية العقد الاجتماعي

      كانت الفلسفة المدرسية - أشهر المذاهب الفلسفية في القرون الوسطى - تقدس فلسفة أرسطو (322ق.م) وأفلاطون والتراث الإغريقي جملة - رغم الوثنية المشبع بها هذا التراث - وكان مذهب أرسطو "الإنسان حيوان اجتماعي " ، أو كما تعبر المصادر العربية مدني بطبعه، -أي: أن الحالة الاجتماعية للإنسان مقترنة بوجوده منذ القدم- وكانت هذه النظرية من المسلمات التي لا تحتاج إلى دليل.
      ولكن أحد الباحثين المجتمعين الأوائل وهو: هوبز خالف -وربما عن غير قصد- هذه الفكرة حيث اعتقد أن الإنسان لم يكن في الأصل إلا ذئباً على أخيه الإنسان - على حد تعبيره - وأن الحالة الفطرية أو الطبيعية كانت حرباً لا هوادة فيها بين أفراد النوع الإنساني؛ ولذلك احتاج الناس إلى عقد يتنازل بواسطته بعضهم لبعض عن شيء من الحقوق في سبيل أمن وسلامة الجميع.
      ولما كانت طبيعة الإنسان -كما يراها هوبز- هي الشر دائماً استلزم الأمر وجود قوة نفوذها أعلى من العقد تكون مهمتها تنفيذ العقد إجبارياً على الأفراد، هذه القوة هي الدولة أو الحكومة .
      وبغض النظر عن النتيجة الخاطئة التي وصل إليها هوبز وهي تبرير الطغيان بحجة تنفيذ العقد بالقوة، فإن فكرة العقد ذاتها حظيت بعناية الباحثين من بعده .
      وتلا هوبز جون لوك (1704) الذي اتفق معه في وجود عقد اجتماعي بين الدولة والأفراد، إلا أنه خالفه في كون سلطة الحكومة المشرفة على تنفيذ العقد مطلقة، فهو يرى أن السلطة مقيدة بقبول الأفراد لها؛ ولذلك يمكن سحب السلطة منها بسحب الثقة فيها .
      وأخيراً اكتملت الفكرة على يد جان جاك روسو (1778) مع فارق أساسي بينه وبين هوبز، ذلك أن روسو يرى أن الحالة الطبيعية للإنسان هي الفترة الذهبية من تاريخه، ولكن الإنسان بفعل الأطماع وبتأثير (الأديان!) تجرد من النقاء الطبيعي، وانتقل إلى حالة من الفوضوية اقتضت وجود عقد اجتماعي لتنظيم حياة الناس ومحاولة العودة بهم إلى الحالة الطبيعية .
      والملاحظ على النظرية بشكل عام هو إغفالها لدور الدين سواء فيما هو كائن أو فيما ينبغي أن يكون إلى درجة أن روسو لا يكتفي بإهمال الأثر الديني في توجيه المجتمع، بل يعد الدين الإلهي عاملاً من العوامل التي تعوق الرجوع إلى الحالة الطبيعية السوية.
      وحين يطالب روسو بفصل السياسة عن الدين، فإنه يتهم الأديان بأنها هي التي سببت هذا الفصل حيث نجده يقول: ''إن الشعوب القديمة كانت تعبد الملوك، وكان لكل دولة ملكها وإلهها في الوقت نفسه، فكانت السياسة والدين شيئاً واحداً، ولكن الأديان ومن بينها المسيحية فصلت بين العالم المادي والعالم الروحي فهي تتعلق بالعالم الروحي ولا تشرع للمجتمع السياسي، فلماذا لا يكون لهذا المجتمع دين سياسي خاص؟''.
      ونظراً لتهجم روسو على الدين ومطالبته بعزله عن واقع الحياة وصفه بعض الباحثين الغربيين بأن مؤلفاته كانت إعلاناً صارخاً لحرب ضد المجتمع وضد الله .
      ومن العوامل المشجعة التي دفعت هذه النظرية إلى الأمام قيام الثورة الفرنسية على وحي من مبادئها وآراء فلاسفتها -لا سيما روسو- إذ يعد كتابه الذي يحمل اسم النظرية إنجيل الثورة الفرنسية.
      وأوحت نظرية العقد الاجتماعي إلى الناس بفكرة جديدة هي الوطنية أو القومية إذ أن العقد يكون بين الإنسان والمجتمع الذي يعيش فيه، وتتفق مصالحه مع مصالح الفرد ورغباته، لا مع مجتمع آخر بعيد مهما كانت قوة الصلة الدينية به، فهي تهدف إلى نزع ولاء الفرد من الكنيسة وإعطائه للدولة وإلى قطع الروابط الدينية ليحل محلها روابط وطنية، كما أنها جعلت القيمة العليا للمصلحة المادية الدنيوية التي بسببها تم إبرام العقد، وليست للملكوت الذي تبشر به المسيحية أو المثل أو الفضائل التي كان المجتمع يعدها أغلى ما يملك.
      لذلك فليس بعيداً ما قاله ويلز من أن روسو كان يلتمس المعاذير لنقض العقد الاجتماعي وهدمه أكثر مما يؤكد ضرورته .
    3. ثالثاً: نظرية الحق الإلهي

      في المرحلة السابقة للإسلام كان الملوك يستعبدون الناس لأنفسهم زاعمين أن لهم سلالة عرقية خاصة أسمى من العنصر البشري المشترك، وغلا بعض الطواغيت، فادعى أنه إله أو من نسل الآلهة كما فعل أباطرة الروم، ولم يكن ليدور في خلد أي منهم أن للأمة عليه واجبات وحقوقاً، وأن الكرسي والمنصب تكليف لا تشريف، بل كانوا يرون أن ما تقدمه لهم الأمم من مراسم الخدمة والولاء والخضوع المذل والتضحية بالنفس والنفيس لأجلهم ليس إلا واجباً مقدساً يقومون به تجاه العرش المحروس!
      جاء الإسلام فنسف هذه الفكرة من أساسها، ورد العبودية كلها لله وحده، وفرض على الحكام تبعات ومسئوليات تناسب مركزهم في الأمة، فرأى الناس في معظم أنحاء المعمورة الولاة المسلمين يرعون مصالحهم، وينهضون بأعباء المسئولية كاملة في الوقت الذي لا يتميزون فيه عن الأمة بكبير فرق.
      ولكن الأقطار التي لم يشملها نور الإسلام - لا سيما في أوروبا الهمجية - ظلت ترزح تحت نير الطغاة وظل الفرد الأوروبي عدة قرون يعبد الهين من البشر: الامبراطور والبابا، الأول يدعي أن له الحق في حكم الناس وفق مشيئته ويخضعهم لهواه، والثاني يبارك خطواته ويلزم الشعب بإطاعته لأن ذلك يأمر به الله وتمليه السماء.
      وظلت عروش أوروبا تتوارثها سلالات وعائلات معينة لا يجرؤ أحد أن ينافسهم ولا يستسيغ إنسان أن يسأل لماذا يحكم هؤلاء؟ وبماذا يحكمون؟، فالرعاع كلهم مقتنعون تماماً بأنهم يستمدون حكمهم من الله مباشرة!!
      وظهر فلاسفة وباحثون برروا هذا الاستبداد والعبودية وفلسفوها في قوالب متعددة؛ فجاء هوبز ليتملق ملوك عصره مطالباً بأن لهم الحق في سلطة مطلقة يستطيعون بها تنفيذ العقد الموهوم، وكذلك كان جان بودان (1596) وجروتس (1645) من المدافعين عن الحكم المطلق، ويعلل بودان ذلك بأن الحكم غير المطلق معرض للثورات والفتن وصراع الأحزاب، وينكر نظرية العقد المجتمع لأنها تمنح الفرد الشعور بالمشاركة في تكوين الدولة.
      أما جروتس فيدافع عن الاستبدادية بذريعة أنها أفضل السبل لتطبيق القانون الطبيعي، وأن الناس إذ قد ارتضوا هذا النوع من الحكم، فليس من حقهم أبداً أن يتراجعوا عنه .
      وفي القرن التاسع عشر تطورت هذه الفكرات إلى فكرة فلسفية معقدة على يد هيجل (1900)، ومدرسته التالية التي تمثل حلقة وصل بين العقائد المسيحية وبين النظريات الفلسفية المجردة، ولعل أعظم ما حققه أساتذتها هو تحويل الدين إلى فكر ومنطق.
      فتحول الله إلى مطلق، والوحي إلى معرفة مطلقة، والمسيح إلى توسط، والشريعة إلى قانون مجرد، أي: أن العقيدة هي الحياة نفسها، والعقائد رموز تفكك إلى حقائق .
      ويرى هيجل أن التاريخ هو عبارة عن (تطور منطقي قائم على أساس مفهوم التقدم نحو النظام والمعقولية والحرية)، والدولة ليست مصطنعة عن طريق عقد اجتماعي أو غيره، بل هي كائن طبيعي له وجوده المتميز إذ هي تجسيد للحرية التي يرنو إليها التطور التاريخي.
      والتاريخ -في نظره- ظل يتطور وفق قانون: الجدلية حتى بلغ القمة في الدولة البروسية - التي كانت معاصرة لـهيجل - ففيها تجسد المطلق والحرية والألوهية!!
      وعلى الرغم من النقد العاصف الذي تعرضت له النظرية من قبل أنصار النظريات الأخرى بسبب تقديسها الزائف للاستبداد، فقد كان لها أثر بالغ -لا سيما- في نفوس الألمان الذين ظلوا على استعداد للانقياد لحكومة ديكتاتورية يرون فيها تجسيداً لأعلى مثلهم القومية فكان بسمارك في القرن الماضي وهتلر في القرن العشرين.
      واشتق منها ماكس فيبر نظريته في الكاريسما، ومعناها -عنده- القوة الخاصة التي منحتها الطبيعة للقلة المختارة للدلالة على الزعماء الذين يقوم نفوذهم على اعتقاد عام عند الناس بأن روحهم من روح الله مثل يوليوس قيصر ونابليون.
      وهذه النظرية -رغم أن عداوتها للدين ليست كسابقتها - ألحقت بالدين ضرراً بالغاً بتمسحها به وانتسابها اللفظي إليه وادعاء أن طواغيتها يستمدون سلطتهم من تفويض الله لهم، إذ نجم عن ذلك رد فعل عنيف ضد الدين من قبل من يسمون دعاة الحرية الذين وجدوا في هذه الدعوى فرصة لمهاجمة الأديان متذرعين بأنها تبارك الطغيان وتقدس الدكتاتورية.
      والحق الذي لا مرية فيه أن الحكام الذين مارسوا الطغيان متسترين بهذه الدعوى هم أبعد ما يكون عن تنفيذ القانون الإلهي أي الحكم بما أنزل الله، فوق أنهم لا يستطيعون إقامة الدليل على أن الله منحهم الحق في التسلط على الأمم وإذلال الشعوب باسمه.
      وواقع التاريخ يؤكد أن العدل الرباني والطغيان البشري نقيضان لا يجتمعان، وأن الذين كانوا يحكمون بما أنزل الله -فعلاً- ويستندون في سلطتهم إلى الوحي الإلهي حقيقة هم أعظم حكام البشرية عدلاً وإنصافاً وأشدهم رحمة وتواضعاً، وأنهم بفضل ذلك قد حققوا في دنيا الواقع ما كان الفلاسفة يحلمون به في الخيال، وهاهي ذي سيرة الأنبياء الذين حكموا بني إسرائيل وسيرة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والخلفاء الراشدين ومن حذا حذوهم تظهر فيها الصورة المشرقة والنموذج الرفيع للحكم الأمثل، وعكس ذلك تماماً كان الحكام الطغاة الذين يتبجحون بنظرية الحق الإلهي، فهم يمثلون أسوأ النماذج للجبروت والاستبداد.
      وهكذا كلما كان الحاكم أقرب إلى الحكم بما أنزل الله كان حكمه أقرب إلى النزاهة والاستقامة، وحالت خشية الله بينه وبين أي لون من ألوان الطغيان، وكلما ابتعد عن الحكم بما أنزل الله سقط في مهاوي الظلم؛ وتلطخت صفحة حكمه بصنوف الاستبداد وأنواع الجور.
      إذن فليست نظرية الحق الإلهي على حق فيما تضفيه على حكامها من القداسة المصطنعة والعمل حسب تفويض الله وإرادته، وكذلك ليس خصومها على حق في دعوى أن الدين يحبذ الطغيان ويشجع على الاستبداد.
    4. النظريات الحديثة والمعاصرة

      انتقد المفكرون السياسيون في القرن الماضي والقرن العشرين النظريات السياسية السابقة، وأبدوا اعتراضاتهم المتباينة عليها.
      فهل انتقدوها لأنها تعطي حق الحاكمية لغير الله، وتضرب صفحاً عن الدين، وضرورة قيام الحياة كلها على تعاليمه وانبثاق معاييرها وتصوراتها كافة من مبادئه وأحكامه؟.
      كلا، لم يحدث ذلك، بل إن احتمال حدوثه في هذه المرحلة التاريخية أبعد منه في المراحل السابقة، أما النظرية الخيالية فيرى هؤلاء أن من العبث أن يضاع الوقت في نقدها، وحسبها أن تكون خيالية بينما يعدون أنفسهم واقعيين.
      وأما نظرية الكنيسة القائمة على أساس مملكة الله أو مملكة المسيح كما كانت تسميها، فما أسهل أن تنتقد ويشدد عليها اللوم، فهي نظرية رجعية، لا لأنها مخالفة لحقيقة الدين، بل لأنها -في نظرهم- تقوم على أساس تحكيم الدين.
      والدين -أياً كانت صورته- هو العدو اللدود للباحثين العلميين هؤلاء، بعضهم يرى أن الدين عاطفة وجدانية أو رابطة روحية تصل قلب الإنسان في فترات من حياته بالسماء، ولا ينبغي بحال من الأحوال إقحامه فيما لا علاقة له به، وهو واقع الحياة اليومية بالنسبة للفرد فضلاً عن الدولة والمجتمع عامة، وإلا فالدمار والاستبداد!
      ويستشهدون بالتاريخ - تاريخ الكنيسة الكاثوليكية - التي كان رجالها أعتى الطغاة وأظلم الجبابرة.
      وبعضهم يغلو ويشتط فيقول: إن الدين من أساسه شر محض وداء عضال يجب أن يستأصل ويزال؛ لأنه مخدر للشعوب وعائق عن التطور ووسيلة يتقنع بها المستبدون والمحتكرون لامتصاص ثروات الطبقات الكادحة المنكوبة.
      ونظرية الحق الإلهي ينحى عليها باللائمة للعلة نفسها علة استمدادها من الدين؛ وإن كانت نسبتها إليه لا تعدو أن تكون من قبيل التزويق اللفظي.
      ولنأخذ هارولد لاسكي وهو كاتب سياسي بارز مثالاً للكتاب المحدثين:
      يلخص لاسكي هاتين النظريتين بإيجاز، ثم ينقدهما نقداً علمياً فيقول: ''يمكننا أن نسمي نظرة الإنسان السائدة إبان تجربته البدائية بالنظرة اللاهوتية؛ فالقانون ليس سوى مجموعة من القواعد الإلهية التي منحها الإله أو الآلهة لمن يعيشون في ظلها، وبناء على ذلك فهي خليقة بأن تطاع لأن مصدرها الوحي المقدس، والمثل الواضح على ذلك قوانين موسى وشريعة حمورابي...".
      وتصبح هذه النظرة عند هيجل نظرة كونية عندما ينظر إلى سير التاريخ على أنه فكرة تكشف عن حرية تتزايد على الدوام، وتحقق وجودها خلال تطور الدولة.
      هذه النظريات كلها تتفق في خاصية واحدة هي أنها تجعل إبرام العقد خارج سيطرة الإنسان، فجوهر القانون دائماً بعيد عن الإنسان، وعليه أن يجده، ويكمن الصلاح في اتباع الإنسان شريعة لا يد له في وضعها.
      ومن الواضح قصور مثل هذه النظريات، فقد أثبتت البحوث التاريخية خطأ كل النظم التي تدعي أنها تعمل في ظل العقوبات اللاهوتية. فالإله الذي أوحى بها يتكلم لغة غامضة لا سحر فيها إلا على من نصبوا أنفسهم أتباعاً له.
      ومع أن لمناقشة هذه الأفكار -إجمالاً- موضعاً آخر من البحث؛ فإن مثل هذا الكلام لا ينبغي أن نتجاوزه دون تمحيص؛ لا سيما وأنه ليس فلتة من كاتب، وإنما هو اتجاه سائد وظاهرة عامة في الفكر السياسي الغربي.
      إن هذا الكلام وما شاكله من مواقف غير علمية يتخذها معظم الباحثين اللادينيين حيال أية قضية من قضايا الدين مما لا يليق بالباحث النزيه الذي يتحرى الدقة والموضوعية فيما يقول.
      ويتجلى فيه بوضوح جهالة مزدوجة بحقائق التاريخ وحقائق العلم على حد سواء، أما الجهالة التاريخية فتبدو في تعميم الأحكام، وهو خطأ ندر من ينجو منه من كتاب الجاهلية الغربية الصليبية، إذ يعممون أحكامهم عن الدين والشرائع جاهلين - أو متجاهلين - أن الدين في صورته الإلهية الحقة (الإسلام) لا يصح مطلقاً أن يعبر عنه ضمن الأديان والنحل الأخرى وأن يوصم بما توصم به المسيحية الرسمية التي دانت بها أوروبا ولا بما توصف به شريعة التوراة المحرفة التي يسميها لاسكي قوانين موسى.
      إن التاريخ - على العكس مما توهم لاسكي - ليسجل للأمة الإسلامية إبان تطبيقها الكامل لشريعة الله أزهى عصر عرفته البشرية عدالة ورخاء، وأنصع صفحة من صفحاته على الإطلاق، اللهم إلا إذا كانت البحوث التاريخية التي يقصدها لاسكي هي بحوث المتعصبين الغربيين الحاقدين!
      وأما الجهالة العلمية فتبرز في دعوى أن القانون الأمثل هو الذي يضعه الإنسان لنفسه، وليس الذي يضعه له الإله.
      وهي دعوى ناشئة لا عن الجهل بمقام الألوهية فحسب، بل عن الجهل الفاضح بحقيقة الإنسان وقصور علمه وعجز إدراكه ومحدودية معرفته، حيث أن في طبيعته وتكوينه من صفات النقص ونواحي الضعف ما يجعله أعجز وأجهل من أن يشرع لنفسه.
      وهو مهما اكتشف من نواميس الكون وأسرار الوجود فلن يصبح إلهاً بحال من الأحوال كما يتوهم المغرمون بالعلم، وصفة الحاكمية التي تعني حق التشريع من أخص صفات الألوهية وأوجبها.
      والإنسان في كل مرحلة من مراحل وجوده خلق ليعبد الله لا ليعبد نفسه؛ بدليل أنه يجد نفسه محكوماً بسنن ونواميس إلهية لا يستطيع - بالغاً ما بلغ - أن يتجاوز نطاقها.
      أما الجانب الإرادي من حياته فإنما أعطاه الله حرية الاختيار فيه ليبتليه أيكفر أم يشكر، وفي ذلك تكريم له ورفع لقدره بين المخلوقات، فإن اتبع فيه شريعة الله حصل له الانسجام مع نفسه ومع الكون كله، وإن اتبع هواه وتمرد على خالقه كان التصادم بينه وبين فطرته والكون، وعاش عيشة ضنكاً في الدنيا، فضلاً عن مصيره المحتوم في الآخرة.
      وما لنا نذهب بعيداً وهاهو لاسكي نفسه يعيب النظريات السياسية قديمها وحديثها - كما سيأتي قريباً - وينقد الديمقراطية معبودة قومه نقداً لاذعاً، ثم يقف عاجزاً عن الإتيان بنظرية سياسية عادلة لا تحابي فرداً على حساب آخر أو تظلم طبقة لمصلحة أُخرى .
      وهذا الموقف العاجز يقفه كل الكتاب السياسيين المعاصرين، والإنسان العصري يرى بأم عينه الأزمة الحادة في السياسة الدولية على الرغم من النظريات السياسية التي لا حصر لها.
      أما نظرية العقد الاجتماعي فإن محور الدراسات الحديثة هو فكرتها القائلة بأن العلاقة بين الحاكم والمحكوم مصلحية نفعية متبادلة، ولا سند للسلطة الحاكمة سوى ذلك، ولكن العيب الذي أخذ عليها هو تصورها الخيالي للعقد، ذلك العقد الذي لا يستطيع أصحاب النظرية إثباته تاريخياً، فهو عقد وهمي لجأ الكتاب السياسيون الأوائل إلى افتراضه، إما هروباً من المواجهة الصريحة للسلطات الحاكمة آنذاك أو تزلفاً لها - على اختلاف بين أصحابها .
      أما بعد أن تخلصت الشعوب من عبادة الملوك ورجال الدين، وبلغت درجة لا بأس بها من الوعي السياسي وفي الوقت نفسه تخلص الكتاب من أحلام الرومانتيكية، واتجهوا إلى الواقعية فلم يعد هناك ما يدعو إلى افتراض نظريات لا أساس لها تاريخياً.
      وانطلاقاً من ذلك وجد علم السياسة الحديث بغيته المنشودة في كاتب آخر يتجلى بنظرة عصرية إلى الأمور، وإن كان وجوده التاريخي سابقاً لمشاهير النظريات الأخرى ذلك هو نيقولا ميكيافيللي الذي أطلق عليه لقب أول المحدثين، ويعد كتابه الأمير مصدر الإلهام في العصر الحديث بالنسبة للحكام والمفكرين السياسيين على حد سواء .
      هذا وقد كان للنظريات اللادينية في القرن التاسع عشر ونظرية التطور بصفة خاصة الإسهام الأكبر في بحث الميكافيلية، وإلباسها اللباس العلمي المبهرج بعد أن كانت من قبل مسبة لأصحابها، ومدعاة للتنفير من معتنقيها.
      لقد كانت مملكة المسيح التي يتحدث عنها بابوات الكنيسة الكاثوليكية تشتمل على تنظيمين:
      1- التنظيم الروحي؛ ويمثله رجال الدين؛ ومجال عمله الكنائس والأديرة؛ ووظيفته الوعظ والتوجيه للخلاص من الخطيئة.
      2- التنظيم الزمني؛ وتمثله الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية، وميدانه شئون الحياة الدنيوية.
      وكلا التنظيمين يمارس نشاطه في ظل روح أخلاقية مسيحية مع تفاوت بالالتزام بهذه الروح.
      فمن الوجهة العلمية كان الفصل بين الدين والسياسة موجوداً بالفعل أي أن نوعاً من العلمانية الموضوعية كان يسود الحياة الأوروبية طيلة القرون الوسطى، وذلك أمر طبيعي ما دام الحكم بما أنزل الله غير نافذ في المجتمع.
      ولكن أول من تبنى دعوة علمانية ذاتية، ودعا بصراحة إلى استبعاد للدين وعزله عن جانب مهم من جوانب الحياة هو مكيافيللي.
      والمكيافيلية باعتبارها منهجاً عملياً للحكم تقوم كما رسمها واضعها في الأمير على ثلاثة أسس متلازمة مستمدة من تصور لاديني صرف هي:
      1-الاعتقاد بأن الإنسان شرير بطبعه، وأن رغبته في الخير مصطنعة يفتعلها لتحقيق غرض نفعي بحت ، وما دامت تلك هي طبيعته المتأصلة فلا حرج عليه ولا لوم إذا انساق وراءها.
      2-الفصل التام بين السياسة وبين الدين والأخلاق؛ فقد رسم مكيافيللي للسياسة دائرة خاصة مستقلة بمعاييرها وأحكامها وسلوكها عن دائرة الدين والأخلاق، وفرق مكيافيللي تمام التفريق بين دراسة السياسة ودراسة الشئون الأخلاقية وأكد عدم وجود أي رابط بينهما .
      صحيح أن مكيافيللي لم ينكر الدين والأخلاق في ذاتهما كما هو الشأن في بعض النظريات المعاصرة، لكنه يجعل الحاكم في حل من التمسك بالضوابط المستمدة منهما، ويقصرها على أفراد الشعب.
      3-إن الغاية تبرر الوسيلة، وهذه هي القاعدة العملية التي وضعها مكيافيللي بديلاً عن القواعد الدينية والأخلاقية، ولذلك فإن لها عنده تفسيراً خاصاً.
      كان الكتاب السياسيون منذ القدم، ومنهم فلاسفة الاغريق كـأفلاطون وأرسطو وغيرهم يبحثون عن الغاية من الدولة والهدف من وجودها فرأى بعضهم أن غايتها هي تحقيق المثل العليا السامية، ولهذا جاء اشتراطهم كون الحاكم فيلسوفاً، بينما ذهب آخرون إلى أنها تنفيذ القانون الإلهي أو القانون الطبيعي كما يسمونه.
      ولكن مكيافيللي ذا النزعة العملية ذهب إلى أن الدولة غاية بذاتها، والقبض على زمام الحكم هدف برأسه، ولا داعي للخوض فيما وراء ذلك.
      وفى سبيل تحقيق هذه الغاية لا مانع من سلوك أي سبيل يوصل إليها، واستخدام أية وسيلة من شأنها تسهيل ذلك مهما وصفت تلك السبل والوسائل بأنها غير أخلاقية، ومهما تنافت مع الدين ومنهجه في السلوك.
      فالمعيار الذي تقاس به صلاحية الوسيلة أو عدمها ليس معياراً موضوعياً؛ بل هو معيار ذاتي شخصي، وللسياسي وحده الحق في الحكم بصحة أي لون من ألوان السلوك أو خطئه وبطلانه.
      تلك صورة موجزة للمكيافيلية كما ظهرت في عصر النهضة.
      وبسبب نزعتها اللاأخلاقية الظاهرة عورضت بشدة في الأوساط الدينية والفكرية؛ فحرمت الكنيسة قراءة الأمير ونقده المؤلفون بعنف، وظلت كلمة مكيافيللي أشنع وصف يمكن أن يطلق على إنسان متحلل من قيود الدين والخلق، متجرد من الإنسانية والضمير.
      وهكذا بقيت زهاء ثلاثة قرون وهي في موضع المقت والازدراء، بينما نمت النظريات التي عُورضت آنفاً.
      ولما جاء القرن التاسع عشر قرن الانتفاضة الشاملة على الدين والأخلاق فكرياً وواقعياً ظهرت نظرية التطور العضوي على يد داروين. وكان قانونها وقاعدتها أن الحياة صراع والبقاء للأنسب أي للأقوى بطبيعة الحال.
      حينئذ آمن الناس على أساس علمي، بأن الوجود مرتبط بالقوة، وأن الصراع الحتمي على البقاء لا يسمح بالتفريق بين وسيلة وأخرى، فليست العبرة بنوعية الوسيلة، لكنها بضمان النتيجة وتحقيق الغاية التي هي البقاء في ذاته.
      المكيافيللية تقول إن الحق هو القوة!
      والداروينية تقول: إن الوجود هو القوة.
      والداروينية نظرية علمية -إذن- فلتكن المكيافيلية كذلك.
      وكانت الظروف تهيئ لمثل هذه المعادلة، فالكنيسة فقدت سلطانها الطاغي، والحياة السياسية والمجتمعة في القارة تموج بالصراعات والحروب الطاحنة والشحناء المدمرة، هذا من ناحية.
      ومن ناحية أخرى ارتبطت السياسة - في ذلك القرن - بالاقتصاد ارتباطاً قوياً، فازدادت بعداً عن الدين والمؤثرات الدينية.
      والواقع أن السياسة والاقتصاد وكل جوانب الحياة مترابطة ومتلازمة بحيث يصعب فصل كل منها عن الآخر، إلا أن الاقتصاد بصفة خاصة أصبح المحور الرئيسي للسياسة الدولية؛ بسبب الأوضاع التي كانت تعيشها القارة الأوروبية.
      ففي هذه الفترة شهدت الحياة الأوروبية انهيار نظام اجتماعي، وقيام نظام آخر محله، لقد انهار الإقطاع وولدت الرأسمالية.
      كان النظام الإقطاعي الذي ألمحنا عنه سابقاً يمثل صورة بشعة لإهدار الكرامة الإنسانية والحط من قيمة الإنسان، واستعباده بفظاعة لأناس من بني جنسه تجردوا من المعاني الإنسانية النبيلة.
      كان الإنسان في ظل هذا النظام مستعبداً لسلطتين غاشمتين: سلطة السادة الإقطاعيين، وسلطة رجال الدين فالسيد يملك الإقطاعية بمن عليها من الفلاحين، ويسن لها القوانين ويفرض عليها العقوبات كما يشاء -أي: أنه كان يجمع بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في آن واحد.
      أما رجل الدين فيبارك الاستعباد بحجة أنه نتيجة للخطيئة الأولى، ويشارك السيد في تسخير العبيد لمصلحته الشخصية، إذ أن الكنيسة -كما سبق أن أوضحنا- جزء لا ينفك من النظام الإقطاعي، وفي ظل هذا الواقع المزري انبعث هنالك حركتان لهما أهمية قصوى في التاريخ الأوروبي: الحركة العلمية، والحركة الإصلاحية الدينية، وغير خاف الأثر الإسلامي فيهما وظهرت الطبقة البرجوازية مستندة إلى أقوال لوثر وكالفن، ومستفيدة من ثمار التقدم العلمي التجريبي، وظل دور هذه الطبقة محدوداً حتى بدأ ما يسمى الثورة الصناعية؛ حيث بدأ المصنع يستأثر بما كان للأرض من قيمة ونفوذ، واشتد التنافس بين رجال الصناعة في المدن والملاك الزراعيين في إقطاعيات الأرياف.
      وكانت الصناعة آنذاك تحتاج إلى أيد عاملة متوفرة ورخيصة، والعمال بطبيعة الوضع يعيشون في الريف تحت سيطرة السادة الإقطاعيين، فكان لابد من كسر السور المفروض عليهم؛ وإتاحة الفرصة لهم للانفلات من قيود الإقطاعية، لا لمصلحة حريتهم ولكن لمصلحة السادة البرجوازيين.
      حينئذ ظهر المذهب الطبيعي أو الفيزيوقراطي الذي كان ينادي بشعار دعه يعمل، دعه يمر، أي: دعه يعمل ما يشاء، ويمر من حيث يشاء، وكان ذلك فتحاً جديداً في الحياة الأوروبية.
      فعلى الرغم من أن حرية الإنسان في اختيار سبيل الرزق الحلال، وحقه في الانتقال إلى حيث شاء من أرض الله كانت بالنسبة للإنسان في الشرق الإسلامي أمراً بديهياً كالماء والهواء، فإن الحصول عليها في الغرب الإقطاعي يعد ظفراً بمكسب كبير للغاية.
      وكان نجاح الثورة الفرنسية حافزاً قوياً لبقية الشعوب الأوروبية، فاندلعت الثورات المتتابعة، وارتفعت صرخات المفكرين ممن يسمون دعاة الحرية منددين بالمساوئ التي يعج بها المجتمع، والقيود التي يرزح الفرد تحت نيرها.
      وبسبب ما عانته الشعوب من ويلات الحروب الطاحنة بين الطوائف الدينية، لا سيما بين الكاثوليك والبروتستانت وبسبب الطغيان الجائر الذي كان رجال الدين يفرضونه على الناس، وبسبب الحقد الصليبي الذي حجب الأوروبيين عن الاهتداء بهدى الله والدخول في دينه الحق؛ بسبب ذلك كانت الحرية التي طولب بها لا دينية، وكان الأساس الذي يراد بناء المجتمع الجديد عليه لادينياً كذلك، واستلهم الباحثون من التراث الفلسفي الإغريقي، ومن كتابات سبينوزا وجون لوك والموسوعيين الفرنسيين فكرة صياغة المجتمع وفق قوالب وتنظيمات علمانية.
      وفى الظلام تارة وعلانية تارة كانت المنظمات التلمودية تضرم الأحقاد، وتؤجج نار العداوة ضد الدين وتدفع الناس دفعاً إلى الإباحية والإلحاد.
      والتقت مشاعر الناس وتعلقت عواطفهم بكلمة سحرية خلابة ترمز لمبدأ جديد جذاب اتفق في المناداة به الطبيعيون والنفعيون والجماعيون والفرديون؛ ذلك هو مبدأ الديموقراطية، ومن الذي لا تخلب الديمقراطية لبّه من الشعوب المضطهدة والعقول المغلولة؟! الشعب هو سيد نفسه، وهو مصدر السلطات، ولا وصاية لأحد عليه.
      وللمواطن - أياً كانت عقيدته أو جنسيته حريات وحقوق لم يكن ليحلم بها من قبل؛ حرية العمل، حرية التنقل، حق إبداء الرأي، حرية السلوك، حرية العقيدة، حق التظاهر والاحتجاج...
      وله كذلك ضمانات لم تكن - وهو في ظل الإقطاع -لتدور له في خلد: ضمان الاتهام، ضمان التحقيق، ضمانة المحاكمة، ضمانة التنفيذ .
      كل الناس بهرتهم هذه الشعارات وأسكرتهم هذه الأحلام، فحاولوا بكل جهدهم نسيان ذلك الماضي الرهيب ونبذه بكل قيمه ومثله، وإن كان من بينها الدين والأخلاق، وتحرقوا مشتاقين إلى مستقبل باهر وضاء، وطغى على الفكر والأدب اتجاه مغرق في التفاؤل واثق ثقة مطلقة في السعادة والتقدم اللذين لا حد لهما.
      وكان هنالك - بطبيعة الحال - فئة واحدة فقط تدرك النهاية الحقيقية والمغزى العميق للعملية، هذه الفئة هي طبقة الرأسمالية الذين يمثلون الخلاصة المتطورة للطبقة البرجوازية، وغني عن البيان القول بأن الرءوس البارزة في هذه الطبقة هم المرابون اليهود .
      ولنستمع إلى القصة من رواية باحث سياسي غربي:
      يقول كارل بيكر في كتاب: السبيل إلى عالم أفضل : ''كان كل رجل أياً كانت المملكة التي يعيش فيها يدين بالولاء والطاعة للكنيسة ورجالها في الأمور الدينية كما كان يدفع للكنيسة مكوساً معينة، فضلاً عن تقاضيه أمام محاكمها التي لها أيضاً اختصاص توقيع العقوبة عليه في جرائم معينة. ولكنه كان يدين في الوقت ذاته بالولاء والطاعة لحكومة بلاده المدنية في المسائل المدنية، فكان يدفع لأمير المقاطعة أو للملك ضرائب أخرى معينة، وكان يتقاضى أمام محاكم الأديرة أو الملك، كما كانت هذه المحاكم توقع عليه العقوبة لارتكابه جرائم معينة، وهكذا كان أمراً مقضياً أن ينشب النزاع بين هاتين السلطتين التي تطالب كل منهما الناس بواجب الولاء لها، ولم يكن تاريخ غرب أوروبا طيلة العصور الوسطى، وفي كل جزء من أجزائه إلا تاريخاً لهذا الكفاح المستمر بين الكنيسة والدولة'' .
      ولقد تم انتقال السلطان والقوة من الكنيسة إلى الدولة خلال المائة عام التي انقضت في حروب أهلية ودولية بسبب المنازعات الدينية، وكانت هذه الحروب كفاحاً وحشياً دامياً لا يلين ولا يهدأ للظفر بالسلطان السياسي.
      وهكذا اختفى من أوروبا الغربية مجتمعها المسيحي الموحد، وأصبحت سيادة هذه الدول واستقلالها حقيقة واقعة... ولقد جاءت المبادئ النظرية بعد ذلك لتؤيد هذه الحقيقة، فقد عرَّف ميكافيللي في كتابه المشهور الأمير الذي نشره قرابة عام 1513 الدولة بأنها قوة سياسية بحتة، كما أعلن فيه أن مهمة الأمراء والحكام أو وظيفتهم الوحيدة هي اكتساب السلطة واستخدامها، وهم في استخدامهم لهذه السلطة لهم أن يحكموا وحدهم على الأغراض والغايات والتي تتحقق عن طريقها، وهم من أجل ذلك غير مقيدين بقواعد الدين والأخلاق.
      وفي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ألغت الثورة الديموقراطية الحكم المطلق الذي كان للملوك، وأحلت محله سلطان الحكومة الذي تولته جمعيات نيابية ينتخبها الشعب، وجعلت هذه الثورة الدول على اختلافها أكثر اهتماماً بالأمور الدنيوية، وبالتالي أكثر استقلالاً من ذي قبل، وهكذا حلت إرادة الشعب محل الحق الإلهي.
      وكما كان الناس على استعداد لأن يقاتلوا ويموتوا في سبيل الدين والكنيسة، أصبح الرجل على أهبة القتال والموت في سبيل دولته وشعبه .
      ثم ننتقل مع بيكر إلى الكلام عن الديموقراطية حيث يقول: ''الديمقراطية العصرية من حيث الفكرة والواقع إن هي إلا نتيجة لمعارضة قامت في وجه ذلك النظام الذي سار عليه المجتمع والحكومة، وكان سائداً في معظم الدول الأوروبية خلال القرنين (17و18) وقت أن كان يحكم الدول ملوك ادعوا السلطة المطلقة استناداً إلى الحق الإلهي، وقد استندت سلطة هؤلاء الملوك إلى طبقة الأعيان وإلى سلطة الكنيسة الموطدة وكانت غالبية الناس وبخاصة الأجراء والفلاحين تسام الظلم وتستغل، وكان نصيبهم من الحقوق ضئيلاً فلم يتمتعوا بالحرية السياسية أو حرية العبادة أو حرية الكلام أو الصحافة أو حرية العمل'' .
      ولم يكن للمواطنين أي ضمان ضد التعسف بهم أو القبض عليهم وحبسهم وتفتيش مساكنهم، وكانت الثورة الإنجليزية والثورتان الفرنسية والأمريكية موجهة ضد هذا النوع من الدكتاتورية لإحلال الديمقراطية الحرة محلها.
      وإن الفكرة الرئيسية التي تنطوي عليها الفلسفة الديمقراطية الحرة التي كانت تتمثل في أن الناس يستطيعون أن يحكموا أنفسهم بصورة أفضل مما لو حكمهم الملوك وطبقة الأشراف ورجال الدين، وكان الكتاب يستعملون هاتين الكلمتين (laissez faire) تعبيراً عن هذه الفكرة أي دع الناس أحراراً في أعمالهم، وكانوا يظنون أن واجب الحكومة ينحصر في حماية الأرواح والممتلكات والمحافظة على النظام وحماية البلاد ضد الاعتداء الخارجي.
      وكانت الفكرة العامة تنادي بأنه إذا سعى كل فرد وراء منافعه الذاتية فإن ضرباً من التوفيق بين مصالح الشعب المختلفة سرعان ما يزداد ظهوره أو يقل بصورة آلية، وكان يعبر عن هذه الفكرة بإيجاز في العبارة الآتية: إن المنافع الخاصة تؤدي بدورها إلى تحقيق المنفعة العامة.
      وهذه النظرية البسيطة هي نظرية تعمل لمصلحة القوي ضد الضعيف، وفي مجتمعات القرن الثامن عشر التي لم تكُ حياتها قد تعقدت بعد، كانت هذه النظرية تعمل لمصلحة أولئك الأفراد القلائل الذين أتاح لهم الحظ أن يقتنوا ثروة.
      ولكن بظهور الآلات ذات القوى المحركة أصبح واضحاً المنافسة الصناعية الحرة لم تؤد إلى النتيجة التي كان يتوقعها الاقتصاديون والفلاسفة السياسيون؛ فقد كانت الأرباح تعود على أصحاب الصناعة والآلات وحدهم ونهضت الآلات بأكبر عبء من العمل فامتلأت البلاد بالعمال العاطلين، ووجد أصحاب المصانع الأحرار أن ذلك فرصة لتخفيض الأجور وإطالة ساعات العمل، ووجد العمال أن حريتهم في اختيار مهنهم كانت محدودة بمقياس الحاجة إلى ساعات طويلة في أي عمل، يعرض لهم لقاء أجور تافهة لا تكاد تقيم أودهم، وكانت جموع النساء والأطفال الذين أنهكهم الجوع والضعف يشتغلون في العمل بمعدل 12 ساعة في اليوم داخل حوانيت قذرة وخطرة وغير صحية لقاء أُجَر لا تكاد تقيم أودهم .
      هكذا جاءت الديمقراطية، وهكذا تبددت الأحلام والأوهام التي نيطت بها، وأسفرت الثورة الصناعية التي واكبت الثورة الديمقراطية عن وجه كالح لا يقل شناعة وفظاعة عن صورة الإقطاع وانقلبت الحرية النسبية التي وصل إليها العمال والفلاحون قيوداً ثقيلة ترهق كواهلهم.
      وتعالت الصيحات والصرخات من جديد تعلن رفضها للنظام الطبيعي، الفردي وتطالب بأنظمة جماعية ديمقراطية وظهر بقوة صوت الاشتراكيين الأوائل، ومال إليهم طوائف كثيرة من المثقفين والعمال والفلاحين، وشكلوا جبهة مضادة للرأسماليين العتاة.
      وفى معمعة الصراع بين أنصار الديمقراطية الرأسمالية الفردية، ودعاة الديمقراطية الإشتراكية الجماعية ولدت نظرية التطور التي غيرت مجرى الفكر الغربي بأجمعه.
      فهذه النظرية بإجهازها على المسيحية الرسمية أفسحت الطريق لإبعاد الدين عامة بصفة نهائية من التأثير في أي منحى من مناحي الحياة، بل مهدت لرفضه رفضاً باتاً حتى في صورته الوجدانية المجردة.
      وبواسطة قانون الانتخاب الطبيعي وتنازع البقاء المفضي إلى بقاء الأنسب بعثت الداروينية النزعة المكيافيللية كما أسلفنا، فلقد كان صراع الدول القومية في العصر الحديث الذي يشبه في مظهره صراع أنواع الكائنات الحية مدعاة لتبرير المكيافيللية بل لتبنيها وتطبيقها، ويؤكد ذلك كريستيان غاوس في مقدمته لكتاب الأمير إذ يقول عن الكتاب:
      اختاره موسوليني في أيام تلمذته موضوعاً لأطروحته التي قدمها للدكتوراة، وكان هتلر يضع هذا الكتاب على مقربة من سريره، فيقرأ منه في كل ليلة قبل أن ينام، ولا يدهشنا قول ماكس ليرز في مقدمته لكتاب أحاديث أن لينين واستالين أيضاً تتلمذوا على مكيافيللي.
      وتتجلى الروح المكيافيللية بوضوح في قول إنجلز: ''إن الأخلاق التي نؤمن بها هي كل عمل يؤدي إلى انتصار مبادئنا، مهما كان هذا العمل منافياً للأخلاق المعمول بهاً''.
      وقول لينين: ''يجب على المناضل الشيوعي الحق أن يتمرس بشتى ضروب الخداع والغش والتضليل. فالكفاح من أجل الشيوعية يبارك كل وسيلة تحقق الشيوعية''.
      أما الرأسمالية فلا تخفي أبداً حقيقتها المكيافيللية، بل إن مايلز كوبلاند صاحب لعبة الأمم ليقرر أنها منهج السياسة الأميركية .
      وإضافة إلى ذلك قدمت فلسفة التطور لكل من المعسكرين المتصارعين سنداً لكفاحه ضد المعسكر الآخر ومبرراً لجدارته وحده بالبقاء دون غريمه.
      فـالرأسمالية ترى أنها الحقيقة بالخلود المؤهلة وحدها بمؤهلات الاستمرار والتقدم، ذلك لأنها العنصر القوي في الحياة الحديثة فلها - حسب قانون الانتقاء الطبيعي وتنازع البقاء - الحق في القضاء على العناصر الضعيفة بتصفيتها جسدياً أو إنهاكها اقتصادياً، وهكذا كانت الدول الرأسمالية دولاً استعمارية بالدرجة الأولى ، مع ملاحظة أن صورة الاستعمار في العقود الأخيرة تغيرت عنها في القرن الماضي.
      وغير خاف أثر فلسفة التطور في الماركسية، فقد استغلت النظرية الداروينية وطبقتها؛ بحيث تتفق مع صراع الطبقات، واتجه نظر الماركسية إلى زاوية أخرى، فهي لا توافق على البقاء للأقوى، لكنها ترى معتمدة على فلسفتها الديالكتية (الجدلية) أن البقاء للأحدث، وذلك ما تقول بها أيضاً فلسفة التطور .
      وعليه فإن الرأسمالية - في نظرها - أشبه بسلالة منقرضة لا مبرر لبقائها بعد ظهور عنصر أحدث منها وأرقى تطوراً وهو: الماركسية.
      ونستطيع أن نستنتج من ذلك أن هناك جامعاً مشتركاً لأنظمة الحكم اللادينية المعاصرة، بالإضافة إلى اتفاقها على طرح الدين ونبذ الأخلاق من دائرة العمل السياسي بالكلية، وهذا الجامع يحتوي على ثلاثة أسس:
      1- مكيافيللية منهجاً عملياً.
      2- فلسفة التطور مبرراً للبقاء والاستمرار.
      3- الديمقراطية بصفتها نظاماً إنسانياً وضعياً يتقنع به كلا المعسكرين.
    5. نظرة إلى الواقع المعاصر

      إن الواقع السياسي المعاصر الذي تنعكس عليه الصورة الحقيقية للجاهلية الأوروبية ليزخر بالدلائل القاطعة والبراهين القوية ويعج بالمتناقضات الصارخة والظواهر الغربية التي تنذر - مجتمعة بالمصير المشئوم والنهاية المروعة لعالم لا يؤمن بالله ولا يحتكم إلى شريعته.
      ونحن المسلمين لا نرى فيما يضطرم به مسرح الأحداث العالمية من مفاسد جمة ومظالم شائنة وإرهاب فظيع وعنف مدمر وكوارث جسيمة إلا نتيجة طبيعية لعبادة غير الله المتمثلة في الحكم بغير ما أنزل الله.
      فالنتيجة معروفة لنا سلفاً، وحكمنا عليها أساسي أعمق من مناقشة تفصيلاتها ومعالجة ظواهرها.
      غير أنه قد يكون من الضرورى ونحن نعرض الجاهلية المعاصرة -كما هي فكراً وواقعاً- أن نعرض معها الوجه الآخر لها كما يراه بعض مفكريها لكى تكتمل صورة العرض.
      هنالك قضية آمن بها المفكرون السياسيون قديماً وحديثاً هي كما جاءت على لسان كريستيان غاوس: ''أن الدولة ليست خارج نطاق عالمنا الإنساني، فالشكل المعين لهذه الدولة التي يعيش البشر في ظلها ليس من صنع الله ولا من صنع الشيطان أو فرضهما، وهى إلى حد ما من الأشياء التي خلقها الإنسان، ولذا من الواجب أن تكون خاضعة كغيرها من الأمور التي خلقها لإعادة نظره ودراسته'' . وتلك هي علة العلل في الجاهلية المعاصرة.
      يلهث الإنسان منقباً عن ذاته وقيمه وأنظمته وموازينه في حدوده الأرضية دون أن يرفع نظره مرة واحدة إلى السماء، ومن هنا كان حتماً عليه أن يضل ويشقى ويصرخ ويستغيث.
      ولقد تعالت صيحات الخطر من الغرب تنتقد وتستنكر وتنذر وتحذر، وسنعرض هنا بعض ما كشفه الكتاب الغربيون من مساوئ الأنظمة السياسية الأوروبية بشقيها الرأسمالي والشيوعى.
      أولاً: الديمقراطية الليبرالية.
      الناس في الغرب يقبلون الحوار والنقاش حول أي موضوع ما عدا موضوع الديمقراطية، فـالديمقراطية بمبادئها - كالحرية والمساواة - وحقوقها وضماناتها - كما أسلفنا - منطقة مقدسة لا ينبغي أن تكون موضع جدال، وما لها لا تكون كذلك وهم لا يعلمون لها بديلاً إلا الديكتاتورية ذلك الشبح الرهيب؟!
      ومع ذلك فقد كثرت اعتراضات المفكرين على هذا المبدأ وانتقد من جوانب عديدة، ويتلخص نقد الكتاب الديمقراطيين للديمقراطية في أمور:
      1- ميوعة الاصطلاح، وصعوبة تحديده بدقة علمية يمكن بواسطتها التمييز بين الحقيقة وبين الادعاء المزيف.
      يقول صاحب كتاب نظم الحكم الحديثة: ''كل محاولة تستهدف تحديد الاستعمال الصحيح لاصطلاح الديمقراطية، من شأنها أن تواجه مزيداً من التعقيدات، وليست البلاد التي تسمى بـالديمقراطية تقليداً... هي التي تظهر المتناقضات والعيوب فحسب؛ بل إن البلاد الشيوعية في العالم والتي تعتنق مفهوماً سياسيا مخالفاً تماماً تدعي بذات التأكيد أنها ديمقراطيات شعبية، وأن انتساب البلاد الأخرى إلى الديمقراطية إنما هو من قبيل الخداع'' .
      ويقول آرنولد توينبى: ''أصبح استخدام اصطلاح الديمقراطية مجرد شعار من الدخان، لإخفاء الصراع الحقيقى بين مبدأي الحرية والمساواة'' .
      ويقول رسل عنها: ''كانت تعنى حكم الأغلبية مع نصيب قليل غير محدود المعالم من الحرية الشخصية، ثم أصبحت تعني أهداف الحزب السياسي الذي يمثل مصالح الفقراء على أساس أن الفقراء في كل مكان هم الأغلبية، وفي المرحلة التالية أصبحت تمثل أهداف زعماء هذا الحزب، وها هي الآن في أوروبا الشرقية وجزء كبير من آسيا يصبح معناها الحكم المستبد لمن كانوا يوماً ما نصراء للفقراء، والذين أصبحوا يقصرون نصرتهم هذه للفقراء على إيقاع الخراب بالأغنياء، إلا إن كان هؤلاء الأغنياء من الديمقراطيين بالمعنى الجديد'' .
      صحيح أن لفظ الديمقراطية يعني عند إطلاقه حكم الشعب، لكن الآراء تتضارب كثيراً حول كيفية الحكم ونوعية الاقتراع والتمثيل وشروط المقترعين وتحديد الفئات السياسية.
      ترى الشيوعية أن الدول الرأسمالية ليست ديمقراطية بالمعنى الصحيح؛ لأن الحكم فيها حقيقة بيد الطبقة الثرية، وأن المصطلح الحقيقى لها هو: دكتاتورية رأس المال.
      وفى الوقت نفسه تقول الرأسمالية: إن الدول الشيوعية ليست ديمقراطية لأنه بكل سلطانه ينحصر في قبضة قليلة واحدة من الشعب هي الحزب الشيوعي؛ ولذلك لا تحسب الدول الشيوعية في عداد العالم الحر.
      هذا بالإضافة إلى الانقسامات داخل الدول الديمقراطية الليبرالية.
      2- الأحزاب المتشاحنة التي لا تعبر عن إرادة الأمة: إن الواقع المحسوس لينطق بصراحة بأن النظام الديمقراطي يقضي على وحدة الأمة، ويفتتها إلى تكتلات متناحرة وأحزاب متطاحنة لأسباب لم تكن لتستدعي التكتل والتحزب لولا أن النظام نفسه يشجع على ذلك ويهيئه، ومع خطورة هذا التمزق على الأمة فإنه ينبني عليه أثر خطر بالنسبة لتحقيق مصالح الشعب.
      وذلك أن الدول الديمقراطية الغربية يوجد بها نوعان من الأنظمة:
      - نظام الحزبين، ونظام الأحزاب المتنافسة، وندع الكلام حول عيوب النظامين كليهما لـ هارولد لاسكي المشار إليه: ''في إنجلترا مثلاً إذا اقتصر الأمر على حزبي المحافظين والعمال، فسوف يضطر كثير من الموظفين لأن يختاروا بين بديلين، ليس بينهم وبين أحدهما تجاوب كامل خلاق، ولهذا السبب ينهض الادعاء بأن نظام الأحزاب المتعددة الذي يسمى عادة بنظام المجموعة يتلاءم مع انقسام الرأي بصورة أكثر فاعلية.
      ولكن بناء على خبرتنا بنظام المجموعة - كما في فرنسا وحكومة ويمار في ألمانيا - يبدو أنه مصحوب دائما بعيبين خطيرين، ويكمن أكثر هذين العيبين أهمية في أن هذا النظام عندما يعمل تكون الطريق الوحيدة التي يتحكم بها في السلطة التشريعية هي تنظيم نوع من الائتلاف بين المجموعات... ويكون من نتسيجة ذلك أن يستعاض عن تحمل المسئولية بالمناورات وأن تصبح السياسة مجردة من التماسك وسعة الأفق...
      والعيب الثاني الذي يظهر بدرجة ملحوظة في فرنسا هو أن نظام المجموعة يميل إلى تجميع السلطة حول الأشخاص أكثر من تجميعها حول المبادئ''.
      3- إيجاد طبقة ثرية مسيطرة دكتاتورية : هذا العيب الخطر ملازم للأنظمة الديمقراطية الغربية، وهو أجلى عيوبها وأبرزها، وبه تتذرع الشيوعية في هجومها على العالم الليبرالي، كما تستغله الأحزاب اليسارية داخل هذه الدول نفسها.
      من الحقائق المقررة عالميا أن المصالح المادية هي الدافع الوحيد والمحرك الرئيسي للعمل السياسي، وكل دول العالم الديمقراطي لا تخفي حقيقة أنها تعمل جاهدة لحماية امتيازاتها، وضمان تفوقها الاقتصادي، وتوفير المجال الحيوي لشعبها، وهذا هو القناع الظاهري الذي تتستر به إمبراطوريات المال في هذه الدول، والتي تتحكم في السياسة الخارجية والداخلية مباشرة أو بطريق الضغط على السلطة الحاكمة.
      وفيما يحسب الشعب أنه سيد نفسه ومقرر مصيره، تقوم الطبقة الرأسمالية المحتكرة بسن القوانين لحماية مصالحها، والزج بسياسة الدولة فيما يخدم أغراضها النفعية الخاصة.
      يقول لاسكى:
      إن الدولة الديمقراطية تبذل الكثير في سبيل تحقيق المساواة بين الموطنين فيما تمنحهم من ضمانات، كما تتجه أوامرها القانونية إلى حماية الملكية القائمة للامتيازات أكثر مما تعمل على توسيع نطاقها، فانقسام المجتمع إلى فقراء وأغنياء يجعل أوامر الدولة القانونية تعمل لصالح الأغنياء... إذ أن نفوذهم يرغم نواب الدولة وذوي السلطة فيها على أن يكون لرغباتهم الاعتبار الأول.
      وتعبر الدولة عن رغبات أولئك الذين يسيطرون على النظام الاقتصادي، فالنظام القانوني بمثابة قناع تختفي وراءه مصلحة اقتصادية مسيطرة لتضمن الاستفادة من النفوذ السياسي، فالدولة أثناء ممارستها لسلطتها لا تعمد إلى تحقيق العدالة العامة أو المنفعة العامة، وإنما تعمل على تحقيق المصلحة للطبقة المسيطرة في المجتمع بأوسع معاني هذه المصلحة.
      إن الحرية والمساواة اللتين حصلنا عليهما كانتا أولاً وقبل كل شيء حرية ومساواة لمالك الثروة .
      والأمثلة الواقعية على ذلك واضحة للعيان، ولعل في الحروب التي خاضتها وتخوضها الولايات المتحدة أصرح دليل على خضوع السياسة الديمقراطية لضغط الطبقة المحتكرة.
      فالحرب العالمية الأولى، وكذلك الحرب الثانية، ثم حرب فيتنام كلها دخلتها أمريكا دون أن يكون لها مصلحة مباشرة أو يتعرض أمنها القومي للخطر، وبغض النظر عن دوافعها ونتائجها كان الشعب الأميركي يرفض تدخل حكومته في هذه الحرب، وكانت المظاهرات الصاخبة تنظم باستمرار احتجاجاً على ضياع الأرواح والأموال فيما لا جدوى منه.
      لكن الطبقة الرأسمالية التي تملك مصانع السلاح وشركاتها الكبرى التي تتولى تسويقه تكمن مصلحتها في إشعال الحروب واستمرارها، والذي حصل ويحصل دوماً هو تنفيذ رغبة هذه الفئة القليلة مقابل تعطيل رغبات الشعب بكامله.
      ولما حاول الرئيس كنيدي تقديم المصلحة القومية وعقد اتفاقية وفاق دولي تخلصت منه هذه الطبقة، فأزهقت روحه بعملية اغتيال غريبة لا تزال أسرارها في طي الكتمان إلى الآن.
      وليس هذا فحسب، بل إن إمبراطوريات المال لتملك المنظمات الإرهابية والعصابات المسلحة، إلى جانب عصابات الرقيق الأبيض والرشاوي، بالإضافة إلى سيطرتها على وسائل الإعلام، واستخدامها في الفضائح السياسية والمالية والأخلاقية، وكلها شباك تنصبها للاقتناص بالقوة تارة وبالإغراء تارة أخرى .
      والحقيقة التي يجب ألا تغرب عن بالنا في هذا الصدد هي أن الطبقة الرأسمالية المسيطرة ليست سوى مجموع المنظمات الربوية الاحتكارية اليهودية التي تخطط للسيطرة على العالم أجمع وفق أوامر التلمود والبروتوكولات.
      4- تزييف وتطويع الرأي العام:
      هذا العيب متلازم والعيب الذي قبله؛ فوجود طبقة ثرية مسيطرة يجعل وقوع وسائل الأعلام - المكون الرئيسي للرأي العام - في قبضتها أمراً طبيعياً، كما أن خضوع وسائل الإعلام لفئة معينة تتيح لها القدرة على تقوية مركزها ودعم نفوذها السياسي والمالي عن طريق تكوين الرأي العام أو تضليله، مما يضمن فوز المرشحين الموالين لها ونجاح مخططاتها، يقول ميشيل ستيورات في معرض حديثه عن مشكلات الديمقراطية وعيوبها: ''هناك نفوذ الثروة على تكوين الرأي العام، فـالديمقراطية تتطلب فرصاً متكافئة لجميع الذين يريدون الاقناع أو التعبير عن الرأي، ولقد حاولت الديمقراطية توفير ذلك بإزالة العقبات القانونية على حرية الكلام والكتابة.
      وثمة اتجاه معاصر يتمثل في ملكية فئة قليلة للصحافة، كما وأن النفقات الباهظة لإدارة صحيفة تجعل دخول ملاك جدد لميدان الصحافة أمراً عسيراً، ثم إن المصالح الصناعية والتجارية تؤثر على الإذاعة والتليفزيون، ومن الجائز مع تقدم الدراسات الخاصة بعلم النفس والدعاية والإعلام أن تزيد مقدرة القلة التي تستطيع أن تنفق بسخاء للتحكم في وسائل الإعلام على تكييف عقول الباقين مما ينال من حق الشخص وقدرته على التفكير، وهو الغرض الأساسى للديمقراطية، وهذه المشكلة هي أكثر المشاكل خطورة، لأنها ليست من مخلفات الماضي وإنما هي قوة (بلوتوقراطية سيطرة رأس المال) جديدة ظهرت حديثاً'' .
      ويركز لاسكى اهتمامه على الصحافة ودورها في تزييف الرأي العام، فيقول: إن جمع الأخبار ونشرها عمل لا يراعى فيه العرض الموضوعي للوقائع، فالأخبار سرعان ما تصبح دعاية عندما تتمكن مادتها من التأثير في السياسة، كما يميل مضمون الأخبار في المجتمع المتفاوت إلى فائدة من بيدهم مقاليد السلطة الاقتصادية.
      ومعظم الأفراد يعتمدون على الصحف في استقاء معلوماتهم، وهذه الصحف تعتمد في بقائها على الإعلانات التي تستطيع أن تحصل عليها، كما أن إصدار الصحف عموماً باهظ التكاليف، بحيث لا يستطيع أن يؤسسها إلا الأغنياء فقط.
      ونظراً لأنها تعتمد على المعلن فيتحتم عليها غالباً أن تنشر تلك الأخبار والتعليقات التي ترضي أولئك.
      وبذلك تكون النتيجة تحيزاً واضحاً في نقل الأخبار للحوادث الصحيحة التي قد تقلق الطبقة الغنية أو تحرجها.
      5- الفتور في تجاوب المواطنين مع العملية الانتخابية: تدعي الديمقراطية أنها حكم الشعب، وأن النواب وأعضاء الحكومة إنما يختارون وفقاً لإرادة الشعب وأنهم تبعاً لذلك يمثلون الشعب تمثيلاً صادقاً.
      ولكن هذه الدعوى تناهضها أمور عدة منها:
      الدول التي تقصر حق الانتخاب على فئة معينة لأسباب عنصرية أو جنسية أو طائفية لا يمكن أن تعد نسبتها إلى الديمقراطية صادقة، كما يرى ستيورات ويمثل لذلك بـسويسرا التي لم تعط للنساء حق الانتخاب، وبالدول التي لا يخطى الملونون أو الطوائف الدينية فيها بذلك كبعض الولايات المتحدة وإيرلندة.
      بالنسبة للدول التي لا تضع مثل هذه الحواجز، بل تحفز المواطنين بكل وسائل الإعلام على الإدلاء بأصواتهم، يلاحظ بوضوح عزوف نسبة ليست قليلة من الشعب عن الاشتراك في العملية الانتخابية، وتكون النتيجة أن الذي يفوز في الانتخابات، حزبا أو فرداً - يفوز لأنه حصل لا على أصوات أغلبية الشعب، بل على أصوات أغلبية المشتركين فعلاً في الاقتراع.
      فإذا أضفنا الرافضين للانتخابات إلى الذين دخلوها معارضين، فسنجد غالباً أن الأغلبية الفائزة في الانتخابات ليست سوى أقلية بالنسبة لمجموع الشعب.
      وبذلك لا يصح بحال القول بأن الحكومة تمثل الشعب تمثيلاً كاملاً أو صادقاً، وهذا العيب تعترف به الدول الديمقراطية نفسها، وليس من دولة تستطيع نفيه، وإنما تتباهى فيما بينها بانخفاض نسبة الرافضين وتحقيق أرقام قياسية في عدد المشتركين.
      وعلى سبيل المثال يذكر مؤلفو كتاب نظام الحكم والسياسة في الولايات المتحدة أنه لم تزد نسبة الناخبين عن (66%) من عدد الأشخاص الذين بلغوا سن الانتخاب، وفي بعض الأحيان أقل من (55%)، وفي سنة (1956) (60.5%) فقط.
      6- القضاء على الميزات الفردية: على الرغم من أن الديمقراطية - في جوهرها - نظام فردي، كان وجوده أصلاً بمثابة رد فعل لإهدار الحقوق الفردية في ظل النظام الإقطاعي، فإن الفرد الممتاز في الديمقراطية مهضوم الحق بالنسبة لمشاركته في صياغة القرارات التي تتخذها الحكومة.
      هذا العيب لفت نظر بعض النقاد إلى آفة تعانى منها الديمقراطية، ومنهم ألكسيس كاريل، فالدكتور كاريل يعجب كيف رضيت البشرية أن ترزح تحت نير نظام يقضي على المميزات الفردية، ولا يقيم للصفوة الممتازة أي وزن في التأثير على سير الأحداث، عدا ما يتمتع به سائر الناس، ويقول:
      هناك غلطة أخرى تعزى إلى اضطراب الآراء فيما يتعلق بالإنسان والفرد، وتلك هي المساواة الديمقراطية. إن هذا المذهب يتهاوى الآن تحت ضربات تجارب الشعوب، ومن ثم فإنه ليس من الضرورى التمسك بزيفه، إلا أن نجاح الديمقراطية قد جعل عمرها يطول إلى أن يدعو للدهشة، فكيف استطاعت الإنسانية أن تقبل مثل هذا المذهب لمثل هذه السنوات الطويلة؟!
      إن مذهب الديمقراطية لا يحفل بتكوين أجسامنا وشعورنا، إنه لا يصلح للتطبيق على المادة الصلبة وهى الفرد.
      صحيح أن الناس متساوون، ولكن الأفراد ليسوا متساوين، فتساوي حقوقهم وهم من الأوهام، ومن ثم لا يجب أن يتساوى ضعيف العقل مع الرجل العبقري أمام القانون... ومن خطل الرأي أن يعطوا (أي: الأغبياء) قوة الانتخاب نفسها التي تعطى للأفراد مكتملي النمو، كذلك فإن الجنسين لا يتساويان، فإهمال انعدام المساواة أمر خطير جداً، لقد ساهم مبدأ الديمقراطية في انهيار الحضارة بمعارضة نمو الشخص الممتاز... ولما كان من المستحيل الارتفاع بالطبقات الدنيا، فقد كانت الوسيلة الوحيدة لتحقيق المساواة الديمقراطية بين الناس هي الانخفاض بالجميع إلى المستوى الأدنى، وهكذا اختفت الشخصية .
      ويؤيد رأيه هذا ما يقع فعلاً في الدول الديمقراطية عند الاقتراع على قضية اقتصادية مثلاً، حيث يكون نصيب عالم الاقتصاد الضليع صوتاً واحداً فقط، وهو ما يحصل عليه الفرد المتوسط أو الجاهل، وغالباً ماتكون النتيجة في غير صالح الأفراد الممتازين بسبب انسياق عامة الشعب وراء عواطفهم وخضوهم للتضليل الدعائي.
      7- تعارض المصلحة الذاتية للفرد والجماعة: هذا العيب يلقي ضوءاً على المحك الذي يظهر حقيقة أي نظام أرضي بشري، فـالديمقراطية تدعى أنها النظام الأمثل لتحقيق المصلحة الفردية والجماعية بإتاحتها الفرصة للحصول عليها بطريقة قانونية.
      لكن المشكلة تكمن في تعارض مصلحة الفرد ذاته - وكذلك الجماعة - بين اتخاذ هذا القرار أو ضده، إذ هو لا يستطيع التوفيق بين مطالبه الخاصة، كما أنه لا يستطيع التيقن من كون نتيجة القرار ستحقق هذه المطالب أو تنفيها.
      ولنأخذ مسألة رفع الأجور مثلاً لذلك :
      تطالب نقابات العمال دائماً برفع الأجور - لكي تكسب أصواتهم - وهي إذ تطالب بذلك تعلم يقيناً أن رفعها يحقق للعمال مصلحة من جهة، لكنه يفوتها من جهة أخرى؛ لأنه يكون مصحوباً بارتفاع الأسعار.
      ومن ناحية أخرى يقول بيكر في سياق نقده لأسلوب التمثيل:
      إن الناس جميعاً لهم مصالح كثيرة متعددة، حيث لا يمكن لجانب منها أن ينمو ويطرد إلا بسن تشريع يحقق هذا الغرض، ولكن هذا التشريع يسن على حساب الآخرين، فالزراع والعمال مثلاً هم المنتجون والمستهلكون في وقت معاً، فهم كمنتجين يتطلعون إلى أسعار أعلى من تلك التي يبيعون بها منتجاتهم، ولكنهم كمستهلكين يتطلعون إلى أسعار أقل من تلك التي يشترون بها حاجياتهم .
      هذه بعض العيوب التي لاحظها بعض الكتاب الديمقراطيون على الديمقراطية في المبدأ والتطبيق، وقد حاول كاتبان فرنسيان صياغتها في عبارات موجزة فكان مما استنتجاه:
      1- الصراعات الدائمة بين الأحزاب المنقسمة على بعضها.
      2- الحكومات التي لم يتجاوز متوسط بقائها في الحكم طيلة نصف قرن ثمانية أشهر.
      3- المنافسات الحمقاء بين المواطنين.
      4- عدم وجود سياسة متجانسة لمدى طويل.
      5- البطء الشديد في تقدم مستوى حياة الجماهير، سياسة الإسكان، عدم كفاية التربية المدنية والاقتصادية والاجتماعية.
      وملاحظة هذه المساوئ هي التي دفعت بالكاتب الإنجليزى أ. د لندساس إلى القول: ''إن هناك دائماً هوةً رهيبة بين النظريات الرفيعة عن الديمقراطية التي نقرأ عنها في كتب النظريات السياسية، وبين وقائع السياسة الفعلية'' .
      ومع أن كل هذه الانتقادات لم تنفذ إلى لب المشكلة وأساسها المتمثل في الحكم بغير ما أنزل الله وعبادة الأهواء والشهوات من دونه؛ فإنها ترشد إلى فداحة الخطب وشناعة الغلطة التي وقع فيها المجتمع الغربي بتنكره للحق وتمرده على الله استكباراً وغروراً.
      ونحن -إن شاء الله- سنناقش الموضوع من أساسه العميق في الباب الخامس.
      ثانياً: النظام الشيوعي:
      إذا كانت الرأسمالية ومعها الأفكار الديمقراطية قد ولدت لتكون رد فعل لمساوئ الإقطاع، فإن أقرب تفسير للشيوعية هو أنها رد فعل لمساوئ الرأسمالية.
      ومع أن الشيوعية تعتقد أنها اكتشفت القانون العلمي لحركة التاريخ والحياة، وهو مبدأ الديالكتيك - الجدلية - وآمنت به إيماناً مطلقاً فإن تصورها للدولة لا يتفق مع هذا القانون، وأشبه شيء بدولة المستقبل كما حلم بها فلاسفة الشيوعية هي نظرية يوتوبيا الخيالية، فـالنظرية الشيوعية تؤمن بحتمية اضمحلال جهاز الدولة عندما تبلغ البشرية مرحلة أكثر تطبيقاً وتشبعاً بالأفكار الشيوعية، ومعنى ذلك أنه سيأتى اليوم الذي يتوقف فيه الصراع بين المتناقضات إلى الأبد، وهو ما لا يقره قانون الجدلية!
      أما الدولة الشيوعية المعاصرة فهي وإن كانت مؤقتة - مرحلة ضرورية، وتتمثل فيها النظرية الشيوعية الملائمة لطبيعتها المرحلية.
      وترى الدولة الشيوعية أنها دولة ديمقراطية شعبية، حسب التعريف الخاص الذي يقدمه الشيوعيون للديمقراطية وهو أنها شكل سياسي لمجتمع اشتراكي قائم على الملكية العامة لوسائل الإنتاج مخطط ومتحرر من الاستغلال .
      وتؤمن الشيوعية بمبدأ سيادة الطبقة العاملة -أو ما تسميه دكتاتورية البروليتاريا- مقابل دكتاتورية الرأسماليين في الديمقراطية الليبرالية.
      وتتميز الدولة الشيوعية بالتزامها المطلق بالنظرية كعقيدة شمولية تشمل التصور العام، وتقدم الحلول والتفسيرات لكل نشاطات الحياة، ومجالتها العامة؛ وذلك يربطها جميعاً بالعامل الوحيد المؤثر في الحياة، وهو العامل الاقتصادي، وبصفة خاصة ملكية وسائل الإنتاج.
      ومن هنا ينبغى النظر إلى الدولة الشيوعية على أنها وجه اقتصادي يشمل السلطة التشريعية والجهاز التنفيذي، وتقع سلطته المطلقة في يد الحزب الشيوعي والحزب الشيوعي، يعتبر نفسه تجسيداً لإرادة العمال والفلاحين، وهو بهذه الصفة أصدق طريق للتعبير عن إرادة الشعب، والجهاز الرسمي للدولة يشمل أجهزة معقدة لتنفيذ إرادة السيادة كما يعبر عنها الحزب الشيوعي.
      ويعتقد الحزب أنه هو الشعب على الحقيقة، ولهذا فله السلطة الكاملة الشاملة في وضع السياسات الداخلية والخارجية، وتقرير صحة النظريات، والتوجيه للاستراتيجية السياسية، وقيادة كل جهاز في الدولة والإشراف عليه .
      يقول أحد الكتاب الشيوعيين: ( إن وضع قيادة البلاد في يد مثل هذه القوة المنظمة الهادفة -وهى الحزب الشيوعي- يطبع المجتمع كله بطابع موحد، وهذا ينجح في مقاومة محاولات التدخل من الخارج ويحل مشكلات كبرى بروح المثل الشيوعي، تلك هي ملامح الديمقراطية الشعبية التي يهتف لها زعماء الشيوعية وكتابها، ويبالغون في إطرائها وتمجيدها...!
      فما رصيد هذه الديمقراطية الفريدة من الحق والعدل؟ وما هي إيجابيتها ومنجزاتها؟ وما مقدار سلامتها من عيوب نظيرتها ديمقراطية الرأسماليين
      إن الواقع المشاهد الذي لا يحتاج إلى دليل خارجي هو أن أنظمة الحكم الشيوعية الديمقراطية الشعبية! هي أبشع أنواع الأنظمة الاستبدادية "الدكتاتوريات" في التاريخ، وأن الدول الشيوعية المعاصرة هي في الواقع أشبه شيء بمعتقلات فسيحة زبانيتها أعضاء الحزب الشيوعي، ونزلاؤها الشعب بكامله، وما الستار الحديدي الذي ضربته هذه الدول لإخفاء تلك الحقيقة إلا واحداً من الأدلة الفاضحة عليها، وهذا ليس حكماً نصدره من عند أنفسنا، ولا هو برأي نقلناه عن كتاب مناهضين للشيوعية، ولكنه شيء من وصف زعماء سياسيين وصل بعضهم إلى مرتبة نائب رئيس دولة شيوعية، والآخرون كانوا في مرتبة عضو بـالحزب الشيوعي للمستويين القطري والدولي.
      كما أن الحقيقة أظهرها مفكرون بارزون في الغرب، دفعتهم مساوئ المجتمع الديمقراطي الرأسمالي إلى اعتناق الشيوعية، والدفاع المتحمس عنها، فلما انجلت لهم الحقيقة المرة ارتدوا عنها إلى غير بديل.
      فمثلاً: ميلوفان دجيلاس النائب السابق لرئيس يوغسلافيا يقسم المراحل التي مر بها الحكم الشيوعي إلى ثلاث:
      1- حكم ثوري فردي ديكتاتوري: لينين.
      2- حكم عقائدي فردي إرهابي: استالين.
      3- حكم سياسى (غير عقائدي) جماعي بيروقراطي: خروتشوف فصاعداً.
      ويقول عن الانتخابات الشيوعية: إنها سباق يعدو فيه حصان واحد، ويقول عن الأحزاب الشيوعية: ''لقد أكدت هذه الطقبة الجديدة أنها أكثر تسلطاً في الحكم من أية طبقة أخرى ظهرت على مسرح التاريخ، كما أثبتت في الوقت نفسه أنها تحمل أعظم الأوهام، وأنها تكرس أعتى أساليب الظلم في مجتمع طبقي جديد'' .
      ويقارن بين القوانين المعلنة وغير المعلنة قائلاً: ''إن كافة المواطنين يدركون أن الحكومة هي في أيدي اللجان الحزبية، وتحت رقابة البوليس السري، وبالرغم من أن دور الحزب الشيوعي في الشئون الإدارية غير معلن، فإن سلطته مكرسة في كافة المؤسسات والمنظمات والقطاعات. كما أنه في الوقت نفسه ليس هناك أي قانون يعطي البوليس السري الحق في رقابة المواطنين، ومع ذلك فإنه يتمتع بمطلق الصلاحيات، ومع أنه ليس هناك أي نص قانوني يقضى بضرورة إشراف البوليس السري واللجان الحزبية على السلك القضائي إلا أن هاتين القوتين الغاشمتين تقومان بالإشراف والهيمنة الفعلية على ذلك السلك'' .
      أما آرثر كوستلر - العضو السابق في الحزب الشيوعي والكاتب الروائي البارز - فيقول: ''إن الكومنترن يتاجر في العناوين والشعارات، كما يتاجر مروجو الخمور الممنوعة في أنواعها الزائفة المقلدة، وكلما كان العميل أقرب إلى السذاجة سهل عليه أن يصبح ضحية لأنواع الخمور الفكرية التي تباع تحت عناوين السلام والديمقراطية والتقدم وما شئت من هذه الأسماء'' .
      ويتحدث أندريه جيد بعد رجوعه عن الشيوعية قائلاً: ''إن الناس في روسيا الآن يطلب منهم الموافقة والمصادقة على كل ما تفعله الحكومة، أما أقل معارضة أو نقد فإنها تعرض صاحبها لأقسى العقوبات، بالإضافة إلى إخماد هذه المعارضة وطمسها، إن أحسن الناس سجلاً في هذا السلم الاجتماعى الجديد من أسفله إلى أعلاه هم أكثرهم ذلة وعبودية، أما أولئك الذين تبرز منهم أية ناحية استقلالية فإنهم يحصدون أو ينفون، ولن نلبث حتى نرى أن هذا الجنس الباسل الذي استحق عن جدارة كل حبنا وإعجابنا لم يبق منه إلا النفعيون والجلادون والضحايا، لقد أصبح العامل الصغير صاحب الرأي الحر كالحيوان المطارد يلقى الجوع والتحطيم ثم الهلاك، إننى أسائل نفسي: هل هناك دولة أخرى في العالم - بما في ذلك ألمانيا في عهد هتلر - قد كان العقل فيها والروح أقل حرية وأكثر ذلة واستعباداً أو جبناً أو خوفاً منها في الاتحاد السوفييتي؟'' .
      ويصف لويس فيشر - الذي عانى التجربة نفسها مع الشيوعية - المسخ الفكري هناك بقوله: ''ضاعت كل مقاييس الحكم الثابتة، ولم يعد يدرى ماذا يعتنق، وماذا يرفض، وقد لا يأتي المساء حتى يعلن على ملائكة هذا الصباح أنهم شياطين، إن التشويش العقلي الذي ينتج عن هذا أفضى إلى النفاق وإلى التقبل الآلي والتلقائي لكل وحي جديد قد يأتي من سماء الكرملين، فهنا على الأقل يجد الإنسان الحد الأدنى من السلامة والأمن لنفسه'' .
      وكان من المخدوعين بـالديمقراطية الشيوعية برتراند رسل الذي اكتشف الحقيقة، فكتب مناقضاً لهذه الدعوى: ''إن الطبقة العاملة في روسيا في سنة 1917 كانت أقلية ضئيلة بين السكان، وكانت الأغلبية الساحقة من الفلاحين، فتقرر عندئذٍ أن يكون الحزب البلشفي هو ذلك الجزء من الطبقة العاملة الذي يتمتع بالوعي الطبقي، وأن لجنة صغيرة من زعمائه هم الذين يعدون الجزء الواعي طبقياً بين الحزب البلشفي، وهكذا صارت دكتاتورية العمال دكتاتورية اللجنة الصغيرة، ثم انتهى الأمر بأن أصبحت دكتاتورية رجل واحد هو استالين، وإذ زعم أنه الوحيد ذو الوعي الطبقي بين طبقة العمال أخذ يحكم بإعدام الملايين من الفلاحين جوعاً، ويحكم على ملايين غيرهم بالسخرة في معسكرات الاعتقال''.
      ولعل خير ما نختم به موضوع الواقع المعاصر للأنظمة العالمية التي تحكم بغير ما أنزل الله هو العبارة اليائسة التي قالها لويس فيشر: ''بعض الناس يقض مضاجعهم ما يقترفه العالم الرأسمالي من جرائم وآثام، فيظلون عمياً لا يرون جرائم البلشفية وإفلاسها، وكثير منهم يستغلون نقائض العالم الغربي ليصرفوا الانتباه عن فظائع موسكو البشعة، أما أنا فأقول: لعن الله كليهما'' .
  14. الفصل الثاني: علمانية الاقتصاد

    الاقتصاد هو: الإله الأكبر للجاهلية الأوروبية المعاصرة دون منازع! والجاهلية الأوروبية مثلها مثل أي جاهلية في التاريخ لا تنتهج خطاً وسطاً متزناً، بل تتحكم فيها ردود الفعل، وتتسم تصرفاتها بالغلو والتطرف والاندفاع، فليس طريق الحياة الأوروبية إلا خطاً متذبذباً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ولا تستطيع الجاهلية الأوروبية أن تنظر إلى أي شيء إلا من خلال منظار له عدستان متقابلتان: إحداهما تكبر كل شيء عن حجمه الحقيقي، والأخرى تصغره عن حجمه الحقيقي، وبين هاتين تضيع الرؤية الحقيقية.
    وهذه الظاهرة تتجلى في كل ناحية من نواحي الحياة، وربما كانت في الاقتصاد أكثر تجلياً..كانت أوروبا تحتقر الحياة الدنيا، وتزدري ما أحل الله من الطيبات، وتقدس الفقر والتقشف وتبارك البؤس والشقاء؛ لأن ذلك وسيلة للخلاص من الخطيئة، وهو الغرض الوحيد من الوجود الإنساني.
    ثم انقلب الأمر رأساً على عقب وتحولت أوروبا إلى وحش ضار، وهجمت بكل قواها على المتاع الحسي، وتطلعت بكل حواسها إلى الشهوات الزائلة، تريد أن تلتهم كل متعة، وتنتهب كل لذة حتى غرقت في الدنيا ونسيت الآخرة بل نبذتها نبذاً كاملاً، ليس هذا فحسب، بل إن أوروبا عبدت -حقيقة لا مجازاً- الإنتاج المادي والطواغيت الذين يتحكمون فيه الطبقة الرأسمالية أو الحزب الشيوعي، فالصورة التي لم تتغير هي صورة العبودية المذلة، وإنما تغير الطاغوت المعبود، فأصبح الرأسمالي أو عضو الحزب بعد أن كان النبيل أو رجل الدين!
    هذه العبودية المطلقة، وذلك الاتجاه الكلي إلى المادية - فكراً وسلوكاً - هما اللذان يحددان موقف المجتمع الغربي المعاصر من الدين، وبهما تظهر الجاهلية المعاصرة مجردة عن كل زيف خالية من أي طلاء.
    وما علينا إلا أن نتأمل مجرى التاريخ الاقتصادي الأوروبي، ونمعن النظر في نظرياته الكبرى من العصر الإقطاعي حتى الآن، وحينئذٍ لن نفاجأ بهذه الحقائق الواضحة.
    1. أولاً: نظرية الكنيسة ونظام الإقطاع

      - على الرغم من أن الكنيسة لم تحاول تغيير بنية المجتمع المسيحي أو تنظيم بعض مجالات الحياة على الأقل، فقد كان لها أثر فعال في اقتصاد القرون الوسطى من الوجهة النظرية.
      أقرت الكنيسة النظام الإقطاعي السائد، بل أصبحت مؤسسة من مؤسساته الثابتة، وأقرت الاضطهاد الفظيع الذي كان يتعرض له أرقاء المجتمع رغم تنافيه مع تعاليم الإنجيل، ولكنها في مواقف أخرى كانت أكثر تشدداً، لا سيما في مسألة الربا، والواقع أن الربا جريمة تشترك في تحريمها كل الرسالات السماوية، وتحاربها الكتب المقدسة جميعها، وهي ظاهرة لها مغزاها العميق.
      ويتحدث ول ديورانت عن ذلك فيقول: ''كانت العقيدة المسيحية في الربا أكبر العقبات في نمو النظام المصرفي وتقدمه، وكان جيروم يرى أن الكسب كله حرام، كما أن أوغسطين يرى أن جميع الأعمال المالية إثم، لأنها تصرف الناس عن السعي للراحة الحقة أعني الله وكان البابا ليو الأول قد رفض هذه العقائد المتطرفة، ولكن الكنيسة ظلت لا تعطف على التجارة، وترتاب في جميع أنواع المضاربات والمكاسب، وتعارض جميع صنوف "الاحتكار" و"الجبأ" و"الربا" وكان هذا اللفظ الأخير يطلق في العصور الوسطى على فائدة المال أياً كان قدرها وفي ذلك يقول أمبروز الربا هو كل مال يضاف إلى رأس المال، وقد أدخل جرايتان هذا التعريف الجامد في القانون الكهنوتي الذي تسير عليه الكنيسة.
      ثم إن مجلس لا تران الثالث 1179 جدد هذا التحريم، وقرر أن الذين يجهرون بالربا لا يقبلون في العشاء الرباني، وإذا ماتوا وهم على إثمهم لا يدفنون دفن المسيحيين، وليس لقسيس أن يقبل صدقاتهم.
      أما البابا جريجوري التاسع فقد قال: إن الربا هو كل ما يناله الإنسان من كسب نظير قرض، وظل هذا الرأي قانون الكنيسة الرومانية حتى عام 1917م، وقد ظلت قروناً طوالاً تظن أن جميع المرابين يهود.
      وظل تشريع الحكومات زمناً طويلاً يؤيد موقف الكنيسة في هذه الناحية، وكانت المحاكم الدينية نفسها تحرم الربا، ولكن تبين أن حاجات التجارة أقوى أثراً من خشية السجن أو الجحيم.
      ثم ألغت معظم الدول الأوروبية بعد عام 1400 ما وضعته من قوانين لتحريم الربا، ولم يكن تحريم الكنيسة إلا كلاماً مهملاً يتفق الناس جميعاً على إغفاله.
      ويرى جورج سول أن الكنيسة كانت تحرم الربا لسبب نفعي؛ بالإضافة إلى الدافع الديني، فيقول سول: ''هذا التأكيد بفساد الربا وشروره ليس فكرة مجردة فحسب، ولكنه كما هو الشأن بالنسبة إلى معظم المذاهب الأخرى البارزة في ذلك الحين وفي عصرنا هذا- كان يحقق غرضاً هاماً حينذاك لأولئك الذين عملوا على ترويج الفكرة''.
      لقد شعرت الكنيسة وحلفاؤها الإقطاعيون في العصور الوسطى -وبحق- أن ثمة خطراً يهدد سلامتهم وسلطانهم نتيجة نمو الرأسمالية، وإن لم يطلق عليها أحد هذه التسمية، إن استنكار الربا كان من الأغراض الدالة على أن وسائل جديدة في الإنتاج والتبادل بدأت تعمل على تقويض دعائم النظام الإقطاعي.
      وعلى أية حال فإن اقتصاد القرون الوسطى لم يكن يستطيع التملص من اتباع التعاليم الكنسية التي كانت جزءاً من النظام الأخلاقي المسيحي، كما أنه كان -في الوقت نفسه - خاضعاً ومقيداً بالأعراف الإقطاعية السائدة، ولذلك كان حتماً أن ينهار بانهيار الكنيسة والإقطاع.
      ولا شك أن الكنيسة ارتكبت خطأ فادحاً بإقرارها للواقع السيئ، وعدم وضع سياسة اقتصادية عامة وعادلة تستمد أصولها من الدين، كما أن سلوكها الذاتي وطغيانها المالي الفظيع قد جعلاها قدوة للظالمين، ومحط أنظار المقت والحقد من المظلومين.
      وإذا حاولنا تحديد النظرية العامة للكنيسة إجمالاً - مع استثناء مسألة الربا وملحقاتها - فإن أقرب وصف يفي بالمراد هو أنها نظرية طبيعية إقطاعية، ومن اليسير إدراك أن هذه النظرية لم يكن لها منهج مستقل، بل كانت تستمد من الأسس الأخلاقية العامة.
      صورة مجملة لنظام الإقطاع:
      إن النظام الذي هيمن على الحياة الأوروبية طوال القرون الوسطى، وعاصر شباب المسيحية، وشكَّل بالاندماج معها ملامح القارة الأوروبية آنذاك هو نظام الإقطاع، ونظام الإقطاع الأوروبي يأتي في طليعة الأنظمة الجاهلية التي لا ينفك عنها الظلم، ولا ينفصم عنها الطغيان، والإنسان في ظله مسلوب الإرادة مهدر الكرامة ضائع الحقوق.
      والواقع أن الدول التي تتكون منها القارة الأوروبية لم تكن في الحقيقة إلا مجموعة من الإقطاعيات تخضع لملك أو إمبراطور مركزي، جل همه أن يحصل على الضرائب والجنود من السيد مالك الإقطاعية، أما داخل الإقطاعية فكانت تبرز الصورة البشعة للنظام الإقطاعي.
      ومع ملاحظة أن هذا النظام تختلف صوره باختلاف العصور والأقاليم، فإن ملامحه العامة وجوهره الموحد يمكن أن يحصرا في تقسيم المجتمع طبقتين: إحداهما في قمة الترف، والأخرى في حضيض العوز، وكل طبقة تتألف من طائفتين، فالطبقة العليا هي طائفتا السادة الملاك ورجال الكنيسة، والطبقة الدنيا: هي طائفتا العبيد ورقيق المجتمع، ومن هذه الأخيرة صغار القساوسة والزهاد من رجال الكنيسة.
      أما حقوق وواجبات كل فرد من هذه الطبقات فكما يلي:
      1-السيد المالك: هو المسيطر الفعلي وصاحب النفوذ القوي في هذا النظام، وقد كان يملك حقوقاً لا حصر لها في حين ليس عليه أي واجبات: ''كان من حقه أن يضرب رقيق أرضه أو يقتله في بعض الأماكن أو الأحوال دون أن يخشى عقاباً، وكانت له في أملاكه كل السلطات القضائية والعسكرية، وكان يستفيد فوق ما يجب من الغرامات التي تفرضها محاكم الضيعة... وكان في وسع السيد الإقطاعي أن يمتلك أكثر من ضيعة واحدة... وقد يكون له قصر حصين في كل واحدة منها، وكان قصره يهدف إلى حماية سكانه أكثر مما يهدف إلى راحتهم... يحيط به خندق عميق عريض وسور متصل عال وأبواب حديدية؛ وفي وسطه برج حجري دائري يسكن فيه السيد وأسرته، وكانت جدرانه الحجرية المنيعة عماد قوة الملاك ضد مستأجريهم وضد الملك.
      وكان الرجل الذي يمنعه كبرياؤه من أن يكون رقيق أرض، ولكنه أضعف من أن يعد لنفسه وسائل الدفاع العسكرية، يؤدي مراسم الولاء لشريف إقطاعي، يركع أمامه وهو أعزل عاري الرأس، ويضع يديه في يدي الشريف، ويعلن أنه رجل ذلك الشريف، ثم يقسم على بعض المخلفات المقدسة... أن يظل وفياً للسيد إلى آخر أيام حياته، ثم يرفعه السيد ويقبله'' .
      وكون الإنسان مالكاً نبيلاً لا يعتمد على جهوده الذاتية، ولا هو مما يمكن اكتسابه، فالنبيل يولد نبيلاً ويظل كذلك إلى الموت، والعبد يولد عبداً ويعيش حياته كلها في أغلال العبودية، أي أن المجتمع الإقطاعي يقوم بتوزيع أعضائه على العامل الوراثي وحده، إلا إذا طرأ تبدل فجائي كامل على الحياة فينقطع، لكنه يعود إلى التحكم فور استقرار الأوضاع.
      2- رجل الدين: كان رجل الدين بسلطته الروحية سيداً إقطاعياً إلى حد ما، وكان يملك الإقطاعيات، ويتحلى بالألقاب الإقطاعية، ويورث مرتبته لذريته، وقد سبق الحديث عن ذلك.
      3- العبد: أباحت الكنيسة استرقاق المسلمين والأوروبيين الذين لم يعتنقوا الدين المسيحي، وكان آلاف من الأسرى الصقالبة أو المسلمين يوزعون عبيداً على الأديرة... وكان القانون الكنسي يقدر ثروة أراضي الكنيسة في بعض الأحيان بعدد من فيها من العبيد لا بقدر ما تساوي من المال، فقد كان العبد يعد سلعة من السلع كما يعده القانون الزمني سواء بسواء، وحرم على عبيد الكنائس أن يوصوا لأحد بأملاكهم... وحرم البابا جريجوري الأول على العبيد أن يكونوا قساوسة، أو أن يتزوجوا من المسيحيات الحرائر... وكان القديس توماس أكويناس يفسر الاسترقاق بأنه نتيجة لخطيئة آدم، وإذا كان هذا هو نظر الكنيسة التي تنادي بالمحبة والرحمة فما بالك بمعاملة السيد رجل الدنيا لعبيد إقطاعيته...؟
      4- رقيق الأرض: لم يكن رقيق الأرض عبداً بمعنى الكلمة، لكن حاله لا يختلف عن العبد في شيء، والفارق بينهما أن العبد - في الأصل - إما أسير مغلوب وإما مخالف للسيد في الدين أو الجنس أو المذهب، بعكس الرقيق الذي هو أصيل في الإقطاعية، وينتمي إلى الدين والجنس اللذين ينتمي إليهما سيده.
      والأصل في رقيق الأرض أنه رجل يفلح مساحة من الأرض يمتلكها سيد أو بارون، وكان في وسع المالك أن يطرده متى شاء، وكان من حقه في فرنسا أن يبيع الرقيق مستقلاً عن الأرض... أما في إنجلترا فقد حرم من مغادرة الأرض، وكان الذين يفرون من أرقاء الأرض يعاد القبض عليهم بنفس الصرامة التي يعاد بها القبض على العبيد، وهذا الصنف هو الصنف الغالب في الإقطاعيات، بل هو في الحقيقة يمثل مجموع سكان أوروبا تقريباً باستثناء النبلاء ورجال الدين, والمدهش -حقاً- هو تلك القائمة الطويلة من الواجبات التي يؤديها الرقيق للمالك، عدا خضوعه المطلق لسلطته وارتباطه المحكم بإقطاعيته:
      1- ثلاث ضرائب نقدية في العام.
      2- جزء من محصوله وماشيته.
      3- العمل سخرة كثيراً من أيام السنة.
      4- أجر على استعمال أدوات المالك في طعامه وشرابه.
      5- أجر للسماح بصيد السمك أو الحيوان البري.
      6- رسم إذا رفع قضية أمام محاكم المالك.
      7- ينضم إلى فيلق المالك إذا نشبت حرب.
      8- يفتدي سيده إذا أسر.
      9- يقدم الهدايا لابن المالك إذا رقي لمرتبة الفرسان.
      10- ضريبة على كل سلعة يبيعها في السوق.
      11- لا يبيع سلعة إلا بعد بيع سلعة المالك نفسها بأسبوعين.
      12- يشتري بعض بضائع سيده وجوباً.
      13- غرامة إذا أرسل ابنه ليتعلم أو وهبه للكنيسة.
      14- ضريبة مع أذن المالك إذا تزوج هو أو أحد أبنائه من خارج الضيعة.
      15- حق الليلة الأولى! وهي أن يقضي السيد مع عروس رقيقه الليلة الأولى، وكان يسمح له أحياناً أن يفتديها بأجر، وقد بقي بصورته هذه في بافاريا إلى القرن الثامن عشر.
      16- وراثة تركته بعد موته.
      17- ضريبة سنوية للكنيسة، وضريبة تركات للقائد الذي يدافع عن المقاطعة.
      هذا هو نظام الإقطاع الذي قامت على أنقاضه الحياة اللادينية المعاصرة، ومهما عدد الباحثون من سيئاته ومظالمه فإن أعظمها أثراً في الحياة والفكر أمران:
      1- ارتباط النظام الإقطاعي بالدين:
      من الوجهة التاريخية كان النظام الإقطاعي في عنفوان شبابه، في الفترة نفسها التي كانت المسيحية فيها في أوج عظمتها، ثم كان انهيار النظام موازياً لانهيار الكنيسة، واستنتجت الجاهلية الحديثة من ذلك معادلة خاطئة هي:
      إن المجتمع الإقطاعي طبقي ظالم، لأنه متدين، وإذن فزوال الظلم من المجتمع يستلزم نبذ الدين كلية، أو على الأقل عزله عن التأثير في مجريات الأحداث؛ وتلك كانت نظرية الكتاب الطبيعيين الذين وضعوا نواة الفكر الرأسمالي الحديث.
      وتطرفت الشيوعية فنسبت للدين دوراً إيجابياً في إرساء قواعد الظلم الإقطاعي؛ بل حملت الدين كامل مسئولية تأخر الوعي الطبقي وعرقلة جهود الطبقة الكادحة، فلم تكتف بالقول بأن الدين يقر الظلم ويوادعه؛ بل جعلت الدين أفيون الشعوب الذي يشل حركتها النضالية، ويعوقها عن المطالبة بحقوقها!
      2- طابع الثبات المطلق:
      كان النظام الإقطاعي نظاماً ثابتاً إلى درجة الجمود: ثابت التوزيع الاجتماعي، ثابت الحقوق والواجبات، ثابت الأخلاق والتقاليد، ثابت الأفكار والمعارف، ثابت الأحوال المعيشية، وكان ذلك مدعاة لأن يصطدم هذا النظام بسنة الله في الكون وفي سير التاريخ، فقد تزعزع هذا الثبات بالنهضة العلمية وحركة الإصلاح الديني، ثم نسف من أساسه بانفجار قنبلة التطور سنة 1859 كما سبق، وقد شبه كتاب تاريخ البشرية انتقال أوروبا من الثبات إلى التطور بسفينة كانت راسية في ميناء وادع ثم ابحرت في خضم صاخب إلى غاية مجهولة بغير خريطة.
      وهذان الأثران سيظهران بجلاء من خلال عرضنا للنظريات الاقتصادية، وإن كانا في الواقع قد شملا جوانب الحياة الأخرى، ومنها ما سبق عنه الحديث، ومنها ما سيأتي بإذن الله.
    2. ثانياً: المذاهب الاقتصادية اللادينية

      -المذهب الطبيعي الفيزيوقراطي:
      كانت المسألة الاقتصادية من أبرز المشكلات التي تصدى لها فلاسفة ومفكرو عصر التنوير -كما يسمى- في القرن الثامن عشر، وهو العصر الذي بدأت فيه العلوم والآداب تستقل عن المؤثرات الدينية بدرجة ملحوظة.
      في ذلك العصر أخذت أوروبا الهاربة من نير الإقطاع وأغلال الكنيسة تبحث عن أنظمة ومناهج جديدة متحررة من التلازم التقليدي بين الشئون الحيوية وبين القواعد الأخلاقية الذي كان منهج القرون الوسطى.
      وكانت الجفوة العميقة بين العلم والدين- التي مر الحديث عنها سلفاً - أبرز العوامل في انفصال النظريات الاقتصادية وغيرها عن المثل والقيم الدينية، وولادة الإله الذي عبده عصر التنوير بسذاجة متناهية: (الطبيعة).
      كان لكل زاوية من زوايا الحياة مذهبها الطبيعي وكتابها الطبيعيون:
      ففي السياسة عرفنا كيف قامت الديمقراطية على أسس المذهب الطبيعي، وفي العلم والفلسفة حلت كلمة (الطبيعة) محل لفظ الجلالة، وهو إجراء ليس المقصود به التغيير اللفظي فحسب، وفي الشئون الاجتماعية ظهر كتَّاب يرون أن المجتمع الطبيعي هو المجتمع المثالي الذي يجب أن تعود إليه البشرية، وفي الأخلاق ظهرت فكرة الأخلاق الطبيعية؛ بل لقد كتب فلاسفة كبار عن موضوع الدين الطبيعي، ولعل أوضح تطبيقات المذهب الطبيعي يظهر في الموضوع الذي نحن بصدده وهو الاقتصاد.
      يستعرض مؤلف كتاب المذاهب الاقتصادية الكبرى تاريخ هذا المذهب عموماً فيقول:
      (اعتمد الناس خلال القرون التي خلت...على القدامى من أمثال أرسطو وآباء الكنيسة يلتمسون عندهم المعرفة بشأن العالم الخارج عن دائرة ما يعيشون فيه، وكفاهم أن يعودوا إلى أولئك الأئمة ليستخلصوا من كتاباتهم تفسيراً لأي ظاهرة، وحل المنطق الاستنباطي محل دقة الملاحظة وعمق النظرية والتجربة.
      غير أن نفراً من ذوي العقول أخذوا يكتسبون معرفة جديدة أكثر دقة، وذلك عن طريق دراسة الطبيعة ذاتها في تواضع وبالأسلوب الموضوعي، فالإدراك بأن الأرض ليست مركز العالم؛ بل تدور حول الشمس، والكشف الذي اهتدى إليه هارفي بشأن الدورة الدموية، والنظريات التي طلع بها نيوتن عن الجاذبية والحركة، كل هذه أعقبتها عشرات من الملاحظات لها مغزاها وأهميتها، وإن كانت أقل شأناً ودرجة.
      فإذا كانت المصادر القديمة قد أخطأت في نظراتها إلى العالم الطبيعي، أما كانت كذلك مخطئة في نظراتها إلى السلوك البشري؟!
      أصبح كل شيء موضع التساؤل والشك، وعلى ذلك سمي العلم فلسفة، ولم يعد هناك تمييز بين الميادين التي عني كل منهما بفحصه، وأخذ الكتَّاب والمتفلسفون يعيدون البحث في النظم البشرية تماماً كما كانوا يفعلون بالنسبة إلى الأشياء غير البشرية، وهم في تصرفهم هذا كانوا يسلمون بأن الإنسان جزء من الطبيعة، وليس كائناً منفصلاً عن بقية المخلوقات؛ أوجدته العناية الإلهية وتولت رعايته.
      وأصبح البحث ينصب على تفسير النتائج والأسباب بالنسبة إلى السلوك البشري -سواء أكان مرغوباً فيها أم غير مرغوب- عن طريق قوانين الطبيعة بدلاً من البحث عنها في إرادة الله، كما قالت الكتب المقدسة أو المذاهب الكنسية، ومعنى هذا - بتعبير آخر - أن علينا أن نسترشد في أعمالنا وتصرفاتنا بالعقل دون سلطة القدامى وآرائهم ''.
      إذن فقد كان عصر التنوير يرفض بصراحة الحكم بما أنزل الله، والرجوع إلى الله في تنظيم حياته العامة، أو على الأقل كان كما يقول بعض فلاسفته: يريد الرجوع تحت اسم مستعار هو الطبيعة، ومن طريق آخر غير طريق الوحي والكنيسة، وهو القانون الطبيعي.
      أما أثر هذا المذهب على الاقتصاد فيوضحه سول بقوله: ''سيطرت فكرة الآخرة على المذاهب السائدة خلال العصور الوسطى، وإن لم تسيطر على العادات والتقاليد، فالمجال الدنيوي بما فيه الحياة الإنسانية نفسها ليس سوى مكان يستعد فيه الناس للحياة بعد الموت بما تشتمل عليه من ثواب وعقاب، فكان على المرء أن يتحمل الألم، وهو عالم أنه ليس إلا مقدمة لما يتوقع في حياة مستقبله، أما الدافع الفكري على تقويم العادات الاجتماعية أو زيادة الرفاهية الدنيوية فكان ضئيلاً اللهم إلا من حيث الفائدة الروحية التي يمكن اجتناؤها.
      والآن تحول الاهتمام فأصبح محصوراً في تحسين الحياة على المجتمع، وكشفت العلوم والمخترعات عن إمكانيات المجتمع لذاتها، لقد كانت المكاسب المادية ظاهرة في كل شيء، وكان لا حد لها من حيث وجود أساليب أفضل وأيسر لإنتاج الأشياء، وسرت روح المغامرة.
      وهنا برز السؤال التالي: أليس في وسع الفلسفة أن تعالج النظم البشرية بنفس الطريقة التي تدرس بها الأشياء المادية؟.
      وكان الجواب: بالإمكان، ذلك أن المطلوب إنما هو تطبيق العقل على الأساليب التي يستخدمها الناس كيما يعيشون (كذا) معاً، وراح الكثيرون يصوغون الخطط والمشروعات التي تكفل قيام الحياة المثالية أو اليوتوبيا.
      وصار لزاماً على الذين نبذوا الإيمان بالله كلية أن يبحثوا عن بديل لذلك، ووجدوه في الطبيعة، أما الذين ظلوا على استمساكهم بالدين ولو باللسان - وإن لم يكن في الواقع كما هو أغلبهم - فقد اعتقدوا أن الله يعبر عن إرادته عن طريق الطبيعة وقوانينها، وليس بوسيلة مباشرة، وبذلك لم تعد الطبيعة مجرد شيء له وجود فحسب، وإنما هو شيء ينبغي أن يطاع، وصارت مخالفتها دليلاً على نقص في التقوى والأخلاق.
      وتعددت وجهات نظر الفلاسفة الطبيعيين بشأن تنظيم المجتمع، لا سيما من ناحية توزيع الثروة بطريقة عادلة، إلا أن الجامع المشترك بينهم في ذلك هو الفكرة التي سلفت في الفصل السابق، وهي حرية العمل التي يعبر عنها شعارهم المعروف: دعه يعمل، دعه يمر، أو دع الأمور وحدها تسير، فالطبيعة كفيلة بالتوازن.
      وكانت بقايا النظام الإقطاعي في الواقع، مع شبحه الماثل في نفوسهم سبب مناداتهم بهذه الشعارات، واعتقادهم أنها أنجع الحلول لمشكلة الظلم الاجتماعي الناجمة عن سوء توزيع الثروة.
      أما الأساس العلمي الذي توهموا أنهم أقاموا عليه صرح مذهبهم فهو نظرية نيوتن عن الأجرام السماوية وقوانين الحركة الطبيعية، فكما أن للنجوم والكواكب قانونها الطبيعي الذي يحدد لكل منها مساره الخاص دون أن يحدث بينهما أي اصطدام على الإطلاق، فكذلك - في نظرهم - لو ترك الناس إلى طبيعتهم، ولم يفرض عليهم قوانين خارجية، لانتظمت أحوالهم، وسارت وفق القانون الطبيعي الذي يكفل تطبيقه الحياة المثالية للمجتمع والأفراد دون تعارض واضطراب، وقد عرفنا في الفصل السابق كيف استغلت الطبقة المتوسطة المكونة من رجال المصارف وأصحاب المصانع المذهب الطبيعي، لكي تظفر باليد العاملة التي كانت حكراً على ملاك الإقطاعيات، ولتضمن حماية الدولة لممتلكاتها، لأن ذلك هو قانون الطبيعة.
      وقد عبر راندال عن ذلك بقوله: ''هكذا كان هذا العلم -أي: علم الاقتصاد السياسي- يبدو في الظاهر محاولة مجردة عن المصلحة، للوصول إلى فيزياء اجتماعية للثروة، لكنه كان في الحقيقية تبريراً منظماً للمطالب التي تهدف إلى زيادة حرية جمع المال، وتستعين بالعلوم الجديدة البشرية والطبيعية
      2- المذهب الرأسمالي الكلاسيكي:
      ليس هذا المذهب في الحقيقة إلا تطويراً للمذهب الطبيعي اقتضته الظروف الطارئة، والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية.
      وكان الغرض المنطقي أن يكون هذا المذهب أكثر سماحة واعتدالاً في معاملة الطبقة الفقيرة، وأن يشتمل على خطط ومناهج إصلاحية تكفل إلى جانب امتيازات الأثرياء حقوقاً منصفة للفقراء.
      لكن الذي حصل فعلاً هو عكس ذلك تماماً، فقد دعا زعماء هذا المذهب بكل صراحة إلى الجشع والاستغلال، وبرروا الوسائل غير الإنسانية التي كانت الطبقة الغنية تمارسها على المعدمين، ولم يكن إلحاحهم الشديد على حرية الفرد وحقه في العمل لمصلحته الذاتية إلا تأكيداً لحرية المحتكرين من أرباب المصانع والتجار والصيارفة.
      كان المذهب الطبيعي ينسب للأرض القيمة الاقتصادية الكبرى، فأعطى المذهب الكلاسيكي هذه القيمة للعمل، وليس مرد ذلك إلى الانتقال من العصر الزراعي إلى العصر الصناعي فحسب، بل إنه ليعبر عن رغبات الطبقة الجديدة التي تريد أن تفرض نفوذها المالي على المجتمع، وتستأثر بالعمال الذين كانت غالبيتهم تعمل في الزراعة.
      وتحت ستار التظاهر بالبحث عن أفضل السبل لتحقيق رفاهية المجتمع وتقدمه، وبناء قواعده على أسس علمية، كان دعاة المذهب يحملون نزعة لا أخلاقية لم يكن في وسعهم التكتم عليها، فقد ظهرت في مؤلفاتهم الشهيرة التي يعدها العالم الرأسمالي اليوم أعز تراثه عليه، وإن كان حور وطور كثيراً من نظرياتها واستبعد الباقي.
      وأشهر الرأسماليين الكلاسيكيين آدم سميث ومالتس وريكاردو إذ على أكتافهم نهض المذهب الفردي الرأسمالي وترعرع.
      وهذه خلاصة لمذهب كل منهم وآثاره العملية:
      أ- آدم سميث (1790) :
      أما آدم سميث فهو فيلسوف الاستعمار، وكاهن الرأسمالية الأكبر، وكتابه ثروة الأمم أهم المؤلفات الاقتصادية وأبعدها أثراً، يقول روبرت داونز في مؤلفه كتب غيرت وجه العالم : ''النظرية الأساسية في كتاب ثروة الأمم نظرية ذات نزعة مكيافيللية، وهي أن العامل الأول في نشاط الإنسان هو المصلحة الشخصية، وأن العمل على جمع الثروة ما هو إلا مظهر من مظاهرها، وبذلك قرر أن الأنانية والمصلحة الشخصية تكمن وراء كل نشاط للجنس البشري، وصارح الناس باعتقاده أنها ليست صفات ممقوتة يجب الابتعاد عنها، وإنما هي على العكس عوامل تحمل الخير إلى المجتمع برمته، وفي رأيه أنه إذا أريد توفير الرفاهية للأمة، فلا بد من ترك كل فرد يستغل أقصى إمكانياته لتحسين مركزه بشكل ثابت منظم دون تقييد بأي قيد، فللحصول على غذائنا لا نعتمد على كرم الخمار أو الخباز أو الجزار، وإنما هم يقدمونه لنا بدافع من مصلحتهم الشخصية، وإنا عندما نخاطبهم لا نتجه إلى ما فيهم من دوافع إنسانية، وإنما نتجه إلى مصلحتهم المادية، ولا نكلمهم عن احتياجاتنا، بل عما يعود عليهم من نفع وفائدة'' .
      آثار مذهبه:
      على الرغم من هذه الروح غير الأخلاقية، حظي سميث وكتابه بشهرة واسعة لا يضاهيها أي من المعاصرين له، ومنحه المفكرون والكتاب لقب (أبو الاقتصاد العصري) وليس ذلك إلا للخدمة التي أسداها سميث لرجال الأعمال الرأسماليين، والوسائل التي نبههم لاستعمالها في الوقت الذي أسقط فيه حساب الجموع الغفيرة من الزراعيين والعمال الذين يكابدون البؤس والشقاء. ولم يقتصر سميث على إنجلترا ولا على أوروبا وحدها، بل كان كتابه المذكور إنجيلاً للمستعمرين الذين تدفقوا على قارات العالم الأخرى، ينهبون خيراتها ويستعيدون شعوبها، حتى لقد عد الفصل الذي يتحدث عن المستعمرات أشهر فصول الكتاب.
      يقول ماركس لرز : ''كان أغلب الذين عنوا بقراءة ذلك الكتاب هم أولئك الذين أفادوا فائدة شخصية من الآراء التي وردت فيه، وهؤلاء هم التجار المحدثون وحلفاؤهم من الأعضاء في برلمانات العالم ولجانهم الثقافية التنفيذية في الجامعات، وعن طريق هؤلاء أثر الكتاب تأثيراً عظيماً في جميع من يليهم من شعوب العالم رغم أنها لا تعلم شيئاً عن الكتاب ذاته، كما أنه عن طريقهم أيضاً أحدث آثاره الهائلة في التفكير الاقتصادي والسياسة العالمية'' .
      على أن سميث لم يسلم من المعارضين من ذوي الميول الدينية مثل رسكن الذي قال عنه: ''إنه الاسكتلندي الغبي الهجين الذي يدعو الناس عامداً إلى ارتكاب التجديف في الدين بقوله: عليك أن تكره الرب إلهك، وتعصي وصاياه، وتشتهي مال قريبك... كما لم يسلم ممن عارضه لأسباب إنسانية، مثل كثير من أحرار المفكرين الذين لم يغفروا لـ سميث قط أنه أداة في ذلك الاستغلال الدنيء الذي انتهجه رجال الأعمال وأصحاب المصانع، إذ اتخذوا من مبدأ حرية التجارة وآرائه فيه منهجاً لهم في أعمالهم، فقد انتهز هؤلاء تلك الفرصة فشوهوا كل مبدأ دعا إليه لحماية العامل والزارع والمستهلك والمجتمع عامة، وفسروها على أنها إباحة مطلقة لمصلحتهم الشخصية، لا تتقيد بأي قيود أو تدخل من جانب الحكومة'' .
      (ب) مالتس (1834) :
      لئن كان سميث أب الرأسمالية فإن مالتس هو محاميها العظيم، وإذا كان سميث قد اتخذ موقفاً سلبياً أو شبه سلبي من المعوزين والمهضومين، فإن مالتس اتخذ حيالهم دوراً إيجابياً، لكنه - للأسف - ضدهم إلى أبعد الحدود.
      ظهر في القرن الثامن عشر عدد من الكتاب المغرقين في التفاؤل من أمثال كوندورسيه وجدوين وتوماس بين وشكلوا مدرسة اجتماعية طبيعية، تؤمن بأنه إذا تمتع كل فرد بما أسموه حقوق الإنسان، وأزيلت الحواجز الاصطناعية التي تعوق ذلك، فإن عصراً مزدهراً أو يوتوبيا حقيقية تنتظر البشرية، فالطبيعة حسب تعبيرهم وفرت لوازم السعادة وهيأتها لبني البشر، وما عليهم إلا أن يحسنوا اقتسامها وتوزيعها.
      لم ترق هذه النظرية لـمالتس ذي النزعة التشاؤمية، وكانت معاصرته لهؤلاء الكتاب من أسباب تحمسه للرد عليهم، فنشر سنة 1798 كتيباً بعنوان: مقال في قواعد ازدياد السكان أوضح فيه رأيه الصريح إزاء الموضوع.
      يقول سول: ''إن مذهب مالتس بسيط في جوهره، فالتكاثر إن لم يحده قيد فإنه يدعو إلى تزايد السكان وفقاً لمتوالية هندسية، في حين أن الزيادة في موارد الغذاء ليست بهذه السرعة أو أنها -بعبارة أخرى -تسير حسب متوالية عددية'' .
      ولم يخف مالتس اعتراضه على حقوق الإنسان التي أعلنها توماس بين فقد رد عليه قائلاً: ''إن رجلاً يولد في دنيا قد استولى عليها الناس من قبله، وتملكوا خيراتها، ولم يجد العون الطبيعي من والديه، وما دام المجتمع في غنى عن خدماته، فهذا الرجل لا يستطيع أن يدعي لنفسه حقاً في كسرة خبز، ولا حق له في الوجود في هذا العالم'' كما أنه انتقد البرنامج الذي وضعته الحكومة الإنجليزية لإعانة الفقراء بقوله: ''إن قوانين الفقراء في إنجلترا تؤدي إلى تفاقم حالة الفقراء عامة في ناحيتين:
      الأولى: هي أنها تعمل على زيادة عدد السكان دون زيادة غلة الأرض لإعالتهم.
      والثانية: أن كميات الحاجيات التي تستهلك في ملاجئ الفقراء -وهم طبقة غير منتجة- تقلل من الأنصبة التي كان يجب أن تعطي كاملة للطبقة العاملة'' .
      وهكذا حرم مالتس الإحسان تحريماً قاطعاً سواء أكان من الدولة أو من الأفراد، وذهب إلى أن كل مشروع لتحسين حالة المجتمع سينتهي إلى كارثة، وقال: إن على المجتمع أن يرفض تقديم الإحسان أو الإعانات إلى الأسر التي تعجز عن تدبير وسائل معيشتها.
      والمصيبة أن الذي يطرح هذه الأفكار، ويطالب المجتمع بتطبيقها ليس رجلاً علمانياً، ولكنه رجل دين بمرتبة قسيس! رجل دين يبرر سلوك طواغيت الرأسمالية، ويحرم البر والإحسان إلى المنكوبين، ويقول: إن ذلك هو قانون الطبيعة الذي يعبر عن إرادة الله، إن في وسعنا أن نتصور الأثر البالغ والانعكاس الذي تتركه المفارقة العجيبة في ذهن الفرد العادي عن الدين ورجال الدين.
      آثار مذهبه:
      يقول داونز: ''قوبلت آراء مالتس بترحاب وتحمس، إذ تلقفتها الطبقة المثرية وذوو السلطة في زمنه، فرددوا وراءه القول: بأن الفاقة الاجتماعية وغيرها من المساوئ الاجتماعية يصح إرجاعها الآن إلى أسباب الزواج المبكر وكثرة النسل، وليس لسوء توزيع الثروة في البلاد شأن في ذلك، وبالتالي لا يقع عليهم أي لوم'' .
      ويقول