البداية »  شرح ابن ابي العز...

تفضل باختيار احد فقرات شرح ابن ابي العز وسوف نقوم بنقلك الى موضع بداية شرح الشيخ سفر الحوالي لما اخترته

المجموع: 18 1-10 < 1 2 > اعرض لي: 10 نتائج في الصفحة


1.   قال الطحاوي رحمه الله: [ والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية كما نطق به كتاب ربنا ((وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)) [القيامة:22 ،23] وتفسيره على ما أراد الله تعالى وعلمه، وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كما قال، ومعناه على ما أراد لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه] قال المصنف رحمه الله: [ المخالف في الرؤية الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين , وأهل الحديث وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبون إلى السنة والجماعة، وهذه المسألة من أشرف مسائل أصول الدين وأجلها وهي الغاية التي شمَّر إليها المشمرون وتنافس فيها المتنافسون وحرمها الذين هم عن ربهم محجوبون وعن بابه مطرودون].


2.   قال المصنف رحمه الله: [ وقد ذكر الشيخ رحمه الله من الأدلة قوله تعالى: ((وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ* إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ))[القيامة:22، 23] وهي من أظهر الأدلة وأما من أبى إلا تحريفها بما يسميه تأويلاً: فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والحساب أسهل من تأويلها على أرباب التأويل، ولا يشاء مبطل أن يتأول النصوص ويحرِّفها عن مواضعها إلا وجد إلى ذلك من السبيل ما وجده متأول هذه النصوص. وهذا الذي أفسد الدنيا والدين، وهكذا فعلت اليهود والنصارى في نصوص التوراة والإنجيل ، وحذرنا الله أن نفعل مثلهم، وأبى المبطلون إلا سلوك سبيلهم، وكم جنى التأويل الفاسد على الدين وأهله من جناية، فهل قتل عثمان رضي الله عنه إلا بالتأويل الفاسد ؟‍! وكذا ما جرى في يوم الجمل وصِفِّين، ومقتل الحسين رضي الله عنه، والحرة، وهل خرجت الخوارج واعتزلت المعتزلة، ورفضت الروافض، وافترقت الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، إلا بالتأويل الفاسد ؟! وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية، وتعديته بأداة (إلى) الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدل على خلاف حقيقته وموضوعه صريح في أن الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب جل جلاله، فإن النظر له عدة استعمالات، بحسب صلاته وتعديه بنفسه. فإن عدي بنفسه فمعناه: التوقف والانتظار، كقوله: ((انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ)) [الحديد:13 ] وإن عدي بـ (في) فمعناه: التفكر والاعتبار، كقوله: ((أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)) [الأعراف:185] وإن عدي بـ (إلى) فمعناه: المعاينة بالأبصار، كقوله تعالى: ((انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَر))[الأنعام:99] فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر؟! وروى ابن مردويه بسنده إلى ابن عمر قال: ((وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ)) [القيامة:22] قال: (من البهاء والحسن) ((إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)) قال: (في وجه الله عز وجل) عن الحسن قال: (نظرت إلى ربها فنضرت بنوره). وقال أبو صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما ((إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)) قال: (تنظر إلى وجه ربها عز وجل) وقال عكرمة: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) قال: من النعيم (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)، قال: تنظر إلى ربها نظراً، ثم حكى عن ابن عباس رضي الله عنهما مثله، وهذا قول كل مفسر من أهل السنة والحديث ].


3.   [ وقال تعالى: ((لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ))[ق:35] قال: الطبري: قال علي بن أبي طالب، وأنس بن مالك هو النظر إلى وجه الله عز وجل، وقال تعالى: ((لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)) [يونس:26 ] فالحسنى: الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجهه الكريم، فسرها بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده، كما روى مسلم في صحيحه عن صهيب قال: (قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ))[يونس:26 ] قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو ؟ ألم يثقل موازيننا، ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه؛ وهي الزيادة ) ورواه غيره بأسانيد متعددة وألفاظ أخر، معناها: أن الزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل، وكذلك فسرها الصحابة رضي الله عنهم، روى ابن جرير عن جماعة منهم أبو بكر الصديق، وحذيفة، وأبو موسى الأشعري، وابن عباس رضي الله عنهم، وقال تعالى: ((كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ)) [المطففين:15] احتج الشافعي رحمه الله وغيره من الأئمة بهذه الآية على الرؤية لأهل الجنة، ذكر ذلك الطبري وغيره عن المزني عن الشافعي، وقال الحاكم: حدثنا الأصم حدثنا الربيع بن سليمان قال: حضرت محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله، وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قوله تعالى: ((كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ)) [المطففين:15] ؟ فقال الشافعي: لما أن حجب هؤلاء في السخط كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا]


4.   [ وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى: ((قَالَ لَنْ تَرَانِي)) [الأعراف:143] وبقوله تعالى: ((لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَار)) [الأنعام:103] فالآيتان دليل عليهم: أما الآية الأولى: فالاستدلال منها على ثبوت رؤيته من وجوه: أحدها: أنه لا يظن بكليم الله ورسوله الكريم وأعلم الناس بربه في وقته أن يسأل ما لا يجوز عليه بل هو عندهم من أعظم المحال. الثاني: أن الله لم ينكر عليه سؤاله، ولما سأل نوح عليه السلام ربه نجاة ابنه أنكر عليه سؤاله، وقال: ((إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ))[هود:46] الثالث: أنه تعالى قال: ((لَنْ تَرَانِي)) ولم يقل: إني لا أُرى، أو لا تجوز رؤيتي أو لستُ بمرئي. والفرق بين الجوابين ظاهر، ألا ترى أن من كان في كمه حجر فظنه رجل طعاماً، فقال: أطعمنيه، فالجواب الصحيح: إنه لا يؤكل؛ أما إذا كان طعاماً صح أن يقال: إنك لن تأكله، وهذا يدل على أنه سبحانه مرئي، ولكن موسى عليه السلام لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار، لضعف قوى البشر فيها عن رؤيته تعالى، يوضحه: الوجه الرابع:وهو قوله: ((وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي)) [الأعراف:143] فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت للتجلي في هذه الدار فكيف بالبشر الذي خُلق من ضعف؟! الخامس: أن الله سبحانه قادر على أن يجعل الجبل مستقراً وذلك ممكن وقد علق به الرؤية، ولو كانت محالاً لكان نظير أن يقول: إن استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام، والكل عندهم سواء. السادس: قوله تعالى: ((فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّا)) [الأعراف:143] فإذا جاز أن يتجلى للجبل، الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب، فكيف يمتنع أن يتجلى لرسله وأوليائه في دار كرامته؟! ولكن الله تعالى أعلم موسى أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار، فالبشر أضعف. السابع: أن الله كلم موسى وناداه وناجاه، ومن جاز عليه التكلم والتكليم، وأن يسمع مخاطبه كلامه بغير واسطة - فرؤيته أولى بالجواز، ولهذا لا يتم إنكار رؤيته إلا بإنكار كلامه، وقد جمعوا بينهما. وأما دعواهم تأبيد النفي بـ(لن ) وأن ذلك يدل على نفي الرؤية في الآخرة: ففاسد، فإنها لو قيدت بالتأبيد لا يدل على دوام النفي في الآخرة، فكيف إذا أطلقت ؟ قال تعالى: ((وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً)) [البقرة:95] مع قوله: ((وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ)) [الزخرف:77 ] ولأنها لو كانت للتأبيد المطلق لما جاز تحديد الفعل بعدها، وقد جاء ذلك، قال تعالى: ((فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي)) [يوسف:80] فثبت أن (لن) لا تقتضي النفي المؤبد، قال: الشيخ جمال الدين ابن مالك، رحمه الله: ومن رأى النفي بلن مؤبدا فقوله اردد وسواه فاعضدا ]


5.   [ وأما الآية الثانية فالاستدلال بها على الرؤية من وجه حسن لطيف، وهو: أن الله تعالى إنما ذكرها في سياق التمدح، ومعلوم أن المدح إنما يكون بالصفات الثبوتية، وأما العدم المحض فليس بكمال فلا يمدح به، وإنما يمدح الرب تعالى بالنفي إذا تضمن أمراً وجودياً، كمدحه بنفي السِّنة والنوم المتضمن كمال القيومية، ونفي الموت المتضمن كمال الحياة، ونفي اللغوب والإعياء المتضمن كمال القدرة، ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير المتضمن كمال ربوبيتة وألوهيتة وقهره، ونفي الأكل والشرب المتضمن كمال صمديته وغناه، ونفي الشفاعة عنده إلا بإذنه المتضمن كمال توحده وغناه عن خلقه، ونفي الظلم المتضمن كمال عدله وعلمه وغناه، ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه المتضمن كمال علمه وإحاطته، ونفي المثل المتضمن لكمال ذاته وصفاته. ولهذا لم يتمدح بعدم محض لا يتضمن أمراً ثبوتياً، فإن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم، ولا يوصف الكامل بأمر يشترك هو والمعدوم فيه، فإذاً المعنى: أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به، فقوله: ((لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ)) [الأنعام:103]، يدل على كمال عظمته، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لكمال عظمته لا يدرك بحيث يحاط به، فإن "الإدراك " هو الإحاطة بالشي ـ وهو قدر زائد على الرؤية ـ كما قال تعالى: ((فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ* قَالَ كَلَّا )) [الشعراء:62،61]، فلم ينف موسى عليه السلام الرؤية، وإنما نفى الإدراك، فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالرب تعالى يرى ولا يدرك، كما يعلم ولا يحاط به علماً، وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من الآية كما ذكرت أقوالهم في تفسير الآية، بل هذه الشمس المخلوقة لا يتمكن رائيها من إدراكها على ما هي عليه].


6.   [ و أما الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، الدالة على الرؤية فمتواترة، رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن، فمنها: حديث أبي هريرة: ( أن ناساً قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب ؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترونه كذلك ) الحديث أخرجاه في الصحيحين بطوله. وحديث أبي سعيد الخدري أيضاًً في الصحيحين نظيره، وحديث جرير بن عبد الله البجلي قال: ( كنا جلوساً مع النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال: إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته ) الحديث أخرجاه في الصحيحين. وحديث صهيب رضي الله عنه المتقدم، رواه مسلم وغيره. وحديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن يروا ربهم تبارك وتعالى إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) أخرجاه في الصحيحين. ومن حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه: (وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه، وليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له، فليقولن: ألم أبعث إليك رسولاً، فيبلغك ؟ فيقول: بلى يا رب! فيقول: ألم أعطك مالاً وأفضل عليك ؟! فيقول: بلى يا رب! ) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه. وقد روى أحاديث الرؤية نحو ثلاثين صحابياً، ومن أحاط بها معرفة يقطع بأن الرسول قالها، ولولا أني التزمت الاختصار لسقت ما في الباب من الأحاديث، ومن أراد الوقوف عليها فليواظب سماع الأحاديث النبوية، فإن فيها مع إثبات الرؤية أنه يكلم من شاء، وإذا شاء، وأنه يأتي الخلق لفصل القضاء يوم القيامة، وأنه فوق العالم، وأنه يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، وأنه يتجلى لعباده، وأنه يضحك إلى غير ذلك من الصفات التي سماعها على الجهمية بمنزلة الصواعق ] .


7.   [ وكيف تعلم أصول دين الإسلام من غير كتاب وسنة رسوله ؟ وكيف يفسر كتاب الله بغير ما فسره به رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحاب رسوله الذين نزل القرآن بلغتهم؟ وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار) وفي رواية: (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار) وسئل أبو بكر رضي الله عنه عن قوله تعالى: ((وَفَاكِهَةً وَأَبّاً)) [عبس:31]. ما الأب؟ فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟ وليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر تشبيهاً لله، بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي، ولكن فيه دليل على علو الله على خلقه. وإلا فهل تعقل رؤية بلا مقابلة ؟ ومن قال: يرى لا في جهة فليراجع عقله!! فإما أن يكون مكابراً لعقله أو في عقله شيء، وإلا فإذا قال: يرى لا أمام الرائي، ولا خلفه، ولا عن يمينه، ولا عن يساره، ولا فوقه، ولا تحته، رد عليه كل من سمعه بفطرته السليمة]


8.   [ ولهذا ألزم المعتزلة من نفى العلو بالذات بنفي الرؤية، وقالوا : كيف تعقل رؤية بغير جهة. وإنما لم نره في الدنيا لعجز أبصارنا، لا لامتناع الرؤية، فهذه الشمس إذا حدق الرائي البصر في شعاعها ضعف عن رؤيتها، لا لامتناع في ذات المرئي، بل لعجز الرائي، فإذا كان في الدار الآخرة أكمل الله قوى الآدميين حتى أطاقوا رؤيته ولهذا لما تجلى الله للجبل (( وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ(( [الأعراف 134] بأنه لا يراك حي إلا مات ولا يابس إلا تدهده، ولهذا كان البشر يعجزون عن رؤية الملك في صورته إلا من أيده الله كما أيد نبينا قال تعالى: ((وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ)) [الأنعام: 8] . قال غير واحد من السلف: لا يطيقون أن يروا الملك في صورته، فلو أنزلنا إليه ملكاً لجعلناه في صورة بشر، وحينئذ يشتبه عليهم : هل هو بشر أو ملك ؟ ومن تمام نعمة الله علينا أن بعث فينا رسولاً منا . وما ألزمهم المعتزلة هذا الإلزام إلا لما وافقوهم على أنه لا داخل العالم ولا خارجه لكن قول من أثبت موجوداً يرى لا في جهة، أقرب إلى العقل من قول من أثبت موجوداً قائماً بنفسه لا يرى ولا في وجهة. ويقال لمن قال بنفي الرؤية لانتفاء لازمها وهو الجهة: أتريد بالجهة أمراً وجودياً أو أمراً عدمياً؟ فإن أراد بها أمراً وجودياً كان التقدير: كل ما ليس في شيء موجود لا يرى، وهذه المقدمة ممنوعة ولا دليل على إثباتها بل هي باطلة، فإن سطح العالم يمكن أن يرى، وليس العالم في عالم آخر، وإن أردت بالجهة أمراً عدمياً كانت المقدمة الثانية ممنوعة، فلا نسلم أنه ليس في جهة بهذا الاعتبار. وكيف يتكلم في أصول الدين من لا يتلقاه من الكتاب والسنة وإنما يتلقاه من قول فلان ؟ وإذا زعم أنه يأخذه من كتاب الله لا يتلقى تفسير كتاب الله من أحاديث الرسول، ولا ينظر فيها ولا فيما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان، المنقول إلينا عن الثقات النقلة الذين تخيرهم النقاد فإنهم لم ينقلوا نظم القرآن وحده، بل نقلوا نظمه ومعناه، ولا كانوا يتعلمون القرآن كما يتعلم الصبيان، بل يتعلمونه بمعانيه، ومن لا يسلك سبيلهم فإنما يتكلم برأيه ومن يتكلم برأيه وما يظنه دين الله ولم يتلق ذلك من الكتاب والسنة فهو مأثوم وإن أصاب، ومن أخذ من الكتاب والسنة فهو مأجور وإن أخطأ، لكن إن أصاب يضاعف أجره].


9.   [ وقوله: "والرؤية حق لأهل الجنة"، تخصيص أهل الجنة بالذكر، يفهم منه نفي الرؤية عن غيرهم، ولا شك في رؤية أهل الجنة لربهم في الجنة، وكذلك يرونه في المحشر قبل دخولهم الجنة، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدل عليه قوله تعالى: ((تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ)) [الأحزاب:44] واختلف في رؤية أهل المحشر على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يراه إلا المؤمنون . الثاني: يراه أهل الموقف مؤمنهم وكافرهم، ثم يحتجب عن الكفار ولا يرونه بعد ذلك . الثالث : يراه مع المؤمنين المنافقون دون بقية الكفار، وكذلك الخلاف في تكليمه لأهل الموقف ].


10.   [ واتفقت الأمة على أنه لا يراه أحد في الدنيا بعينيه، ولم يتنازعوا في ذلك إلا في نبينا صلى الله عليه وسلم، خاصة منهم من نفى رؤيته بالعين، ومنهم من أثبتها له صلى الله عليه وسلم، وحكى القاضي عياض في كتابه الشفا اختلاف الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم في رؤيته صلى الله عليه وسلم، وإنكار عائشة رضي الله عنها أن يكون صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعين رأسه، وأنها قالت لمسروق حين سألها : هل رأى محمد ربه ؟ فقالت : لقد قف شعري مما قلت، ثم قالت: من حدثك أن محمداً رأى ربه فقد كذب ثم قال : وقال جماعة بقول عائشة رضي الله عنها، وهو المشهور عن ابن مسعود وأبي هريرة، واختلف عنه، وقال بإنكار هذا -وامتناع رؤيته في الدنيا- جماعة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينه، وروى عطاء عنه : رآه بقلبه ثم ذكر أقوالاً وفوائد، ثم قال : وأما وجوبه لنبينا صلى الله عليه وسلم والقول بأنه رآه بعينه فليس فيه قاطع ولا نص، والمعول فيه على آية النجم والتنازع فيها مأثور، والاحتمال لهما ممكن، وهذا القول الذي قاله القاضي عياض رحمه الله هو الحق فإن الرؤية في الدنيا ممكنة إذ لو لم تكن ممكنة، لما سألها موسى عليه السلام لكن لم يرد نص بأنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعين رأسه، بل ورد ما يدل على نفي الرؤية، وهو ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك ؟ فقال ( نور أنَّى أراه ) وفي رواية: ( رأيت نورا ) وقد روى مسلم أيضاً عن أبى موسى الأشعري رضي الله عنه أنه قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، فقال: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور ) وفي رواية: (النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) فيكون والله أعلم معنى قوله لأبى ذر: (رأيت نوراً) أنه رأى الحجاب، ومعنى قوله: (نورٌ أنى أراه) النور الذي هو الحجاب يمنع من رؤيته، فأنى أراه ؟ أي كيف أراه، والنور حجاب بيني وبينه يمنعني من رؤيته؟ فهذا صريح في نفي الرؤية والله أعلم، وحكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على ذلك، ونحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى، وإن كانت رؤية الرب تعالى أعظم وأعلى فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها ألبتة. وقوله : "بغير إحاطة ولا كيفية" هذا لكمال عظمته وبهائه سبحانه وتعالى: لا تدركه الأبصار ولا تحيط به، كما يُعلم، ولا يحاط به علماً، قال تعالى: ((لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ)) [الأنعام: 103] وقال تعالى: (( وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً)) [طه: 110 ].