موقع الشيخ الدكتور سفر الحوالي شرح العقيدة الطحاوية   الإيمان (الحلقة الثامنة)   كلام شيخ الإسلام ابن تيمية على السجود لغير الله وما يتعلق به
  • كلام شيخ الإسلام ابن تيمية على السجود لغير الله وما يتعلق به
  • الشيخ الدكتور سفر بن عبدالرحمن الحوالي
  • من درس: الإيمان (الحلقة الثامنة)

 نبه شيخ الإسلام رحمه الله على مسألة مهمة وهي: الفرق بين السجود لشيء والسجود إلى شيء، أي: فموضوع الكعبة حقيقة لا مدخل له هنا، بغض النظر عن أرجح القولين، لكن لا يرد الاستدلال بمسألة السجود إلى الكعبة واستقبال الكعبة، كما أنه رحمه الله فصل في هذه المسألة المهمة، وهي السجود لغير الله وحكمه، وهذه من الشبه مثل أن يقال: سجدت الملائكة لآدم، وسجد يعقوب ليوسف، إذاً السجود لغير الله لا يكون شركاً، ويطلق القول هكذا، فلابد من تجلية الموضوع، وقد جلاه رحمه الله، ونحن نعرض له عرضاً؛ لأنه مجرد استطراد لا يمس أصل الموضوع، يقول (ج:4 ص:358): "وكذلك قصة سجود الملائكة كلهم أجمعين لآدم، ولعن الممتنع من السجود له، وهذا تشريف وتكريم له.

وقد قال بعض الأغبياء: إن السجود إنما كان لله، وجعل آدم قبلة لهم يسجدون إليه كما يسجد إلى الكعبة، وليس في هذا تفضيل له عليهم، كما أن السجود إلى الكعبة ليس فيه تفضيل للكعبة على المؤمن عند الله؛ بل حرمة المؤمن عند الله أفضل من حرمتها، وقالوا: السجود لغير الله محرم بل كفر".


الفرق بين السجود للشيء والسجود إليه
قال: "والجواب: أن السجود كان لآدم بأمر الله وفرضه بإجماع من يسمع قوله، ويدل على ذلك وجوه" فكل من يعتد بقوله يعلم أن سجود الملائكة لآدم كان بأمر الله، وهذا شبيه بما قاله المصنف هنا: "لو أن الله أمر عباده أن يسجدوا لحجر لوجب عليهم الامتثال والمبادرة" فكلنا خلق الله وعباد الله، ومطيعون لأمر الله، فلو أمرنا أن نسجد لأي شيء لسجدنا له، لا لأن هذا معبود يستحق العبادة، ولكن لأن المعبود تعالى أمرنا بذلك، فلما أمرنا أن نُقبل الحجر الأسود قبلناه، ولو أمرنا -فرضاً- أن نسجد له لسجدنا، فنحن عبيد لله تعالى.

قال: "أحدها: قوله لآدم ولم يقل: إلى آدم، وكل حرف له معنى، ومن التمييز في اللسان أن يقال: سجدت له، وسجدت إليه. كما قال تعالى: لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [فصلت:37] وقال: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الرعد:15] وأجمع المسلمون على أن السجود لغير الله محرم" ومحرم كلمة مجملة تشمل الشرك وغيره، والمقصود أنه محرم وغير وارد في هذه الشريعة والحمد لله، قال: "وأما الكعبة فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى بيت المقدس ، ثم صلّى إلى الكعبة، وكان يصلي إلى عنزة ولا يقال: لعنزة، وإلى عمود وشجرة ولا يقال: لعمود، ولا لشجرة، والساجد للشيء يخضع له بقلبه، ويخشع له بفؤاده"، ومن شروط العبودية أو أركانها: الخضوع، والذل، والخوف، وهذا لابد من تحقيقه، ولهذا لو أن أحداً سجد لأحد مكرهاً، لما قلنا: إنه عبده، إنما العابد هو من يقدم القربة باختياره، مع خضوعه وتذلُله ومحبته ورجائه للمعبود.

يقول: "وأما الساجد إليه" -إذا كان متعدياً بإلى- "فإنما يولي وجهه وبدنه إليه ظاهراً، كما يولي وجهه إلى بعض النواحي إذا أمّه، كما قال تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة:144]" أي: استقبلوه واجعلوه أمامكم، ولم يقل أحد: إننا نسجد للكعبة أو للمسجد الحرام.

يقول: "والثاني: أن آدم لو كان قبلة.." لأن أولئك يريدون أن يفروا من الشرك، لكن ليس كل من طلب الحق أصابه، قالوا: لا يمكن أن الله يأمر الملائكة أن تسجد لمخلوق السجود لا يكون إلا لله، وإنما جعل آدم قبلة يسجدون إليها، فيقول شيخ الإسلام : "إن آدم لو كان قبلة لم يمتنع إبليس من السجود" أي: هو مجرد قبلة واستقبال أي شيء لا يقتضي تفضيله ولا تكريمه.

قال: "أو يزعم أنه خير منه، فإن القبلة قد تكون أحجاراً" ولا ريب أن ابن آدم المصلي أفضل من الأحجار.

إذاً: المسألة ليست مجرد قبلة.

يقول: "وليس في ذلك تفضيل لها على المصلين إليها، وقد يصلي الرجل إلى عنزة وبعير، وإلى رجل، ولا يتوهم أنه مفضل بذلك فمن أي شيء فر الشيطان؟! هذا هو العجب العجيب!!" هل فر الشيطان من القبلة؟! أم فر من كونه يسجد لهذا المخلوق الذي يرى أن الله قد كرمه وفضله عليه؟!

قال: "والثالث: أنه لو جعل آدم قبلة في سجدة واحدة، لكانت القبلة وبيت المقدس أفضل منه بآلاف كثيرة" لأن السجود والصلاة إليهما كثير جداً، وآدم إنما سُجد له مرة واحدة، فتكون هذه الأبنية أفضل من آدم بآلاف كثيرة.

السجود لغير الله جائز إذا أمر به الله ولا يكون حينئذ شركاً
 إلى أن قال: "وأما قولهم: لا يجوز السجود لغير الله فيقال لهم: إن قيلت هذه الكلمة على الجملة، فهي كلمة عامة تنفي بعمومها جواز السجود لآدم، وقد دل دليل خاص على أنهم سجدوا له، والعام لا يعارض ما قابله من الخاص" نعم. السجود لا يكون إلا لله، وأمر الله الملائكة أن تسجد لآدم، دليل خاص استثنى هذا السجود من العموم، ويبقى العموم على إطلاقه، ولا معارضة بين العموم وبين الدليل الخاص، فالخاص فيما دل عليه، والعام يبقى على إطلاقه في غير ذلك.

"وثانيها: أن السجود لغير الله حرام علينا وعلى الملائكة، أما الأول فلا دليل، وأما الثاني: فما الحجة فيه؟" فهل الله حرم السجود لغيره مطلقاً، أم علينا، أم على الملائكة؟! إن قالوا: حرمه علينا فلا دليل فيه للمفاضلة بين الملائكة وبين بني آدم، وإن قالوا: الثاني. فما الحجة وقد أمر الله به؟

ولهذا قال: "وثالثها: أنه حرام أمر الله به، أو حرام لم يأمر به، الثاني حق ولا شك فيه، وأما الأول: فكيف يمكن أن يحرم بعد أن أمر الله تعالى به؟" ما أمر الله به لم يعد حراماً بل جائز.

"ورابعها: أبو يوسف وإخوته خروا له سجداً، ويقال: كانت تحيتهم فكيف يقال: إن السجود حرام مطلقاً؟ -إلى أن قال :- وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: {
ولو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، لعظم حقه عليها   } ومعلوم أنه لم يقل: لو كنت آمراً أحداً أن يعبد أحداً" أي: فلا يمكن أن يأذن الرسول لأحد بأن يعبد غير الله؛ لأن الرسل دعوتهم واحدة وهي: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59].. أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ [هود:2]... وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25] أي: وحّدوني، ولهذا قالت بعض الأمم: لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا [الأعراف:70].

الفرق في العمل بين حركة البدن وعمل القلب
 "وسابعها: وفيه التفسير" أي: يجمل ما تقدم، ومعناه: نفرق بين حركة البدن وبين أعمال القلب، وهذه قاعدة عظيمة؛ لأن عمل القلب هو الأصل في كل شيء، ومدار الأمور على عمل القلب، حتى الطاعات فيما بينها تتفاوت بتفاوت أعمال القلوب، فيصلي المصلي بجوار المصلي وبينهما مثلما بين السماء والأرض؛ لأن هذا صلّى بقلب خاشع، والآخر أقل خشوعاً منه أو أنه صلى بلا خشوع -مع أن الحركات واحدة- وكل منهما يقرأ القرآن، ولكن يوجد فرق بين هذا وذاك في التدبر والخضوع والخشوع، وإن كانوا في القراءة سواء.

يقول: "أما الخضوع والقنوت بالقلوب والاعتراف بالربوبية والعبودية فهذا لا يكون على الإطلاق إلا لله سبحانه وتعالى وحده، وهو في غيره ممتنع باطل، وأما السجود فشريعة من الشرائع" أي: مجرد السجود لا بنية التعبد والقنوت والخضوع فشريعة من الشرائع أي: حكم عملي، وتُطلق الشريعة مقابل العقيدة، بمعنى: الفروع العملية مقابل الأمور الاعتقادية، فالقنوت والخضوع والعبودية تكون لله وحده في جميع الأمم، وعلى لسان جميع الرسل، وفي جميع العصور، أما السجود -الفعل- من غير خضوع وقنوت، فهذه شريعة من الشرائع فهو حكم أو أمر عملي، قد يكون في ذلك الوقت والزمان.

يقول: "إذا أمرنا الله تعالى أن نسجد له" يعني اختصاصاً "ولو أمرنا أن نسجد لأحد -من خلقه- غيره لسجدنا لذلك الغير طاعة الله عز وجل" ولكنه لا يأذن لنا أن نعبد غيره أو نقنت لغيره.

يقول: "إذ أحب أن نعظم من سجدنا له" أي: لو أحب الله أن نعظم من سجدنا، وأمرنا به لسجدنا وامتثلنا.

"ولو لم يفرض علينا السجود لم يجب ألبتة فعله فسجود الملائكة لآدم عبادة لله وطاعة له، وقربة يتقربون بها إليه وهو لآدم تشريف وتكريم وتعظيم" وليس عبودية ولا تألهاً ولا تقرباً إليه.

"وسجود إخوة يوسف له تحية وسلام، ألا ترى أن يوسف لو سجد لأبويه -تحية- لم يكره له؟!

ولم يأتِ أن آدم سجد للملائكة، بل لم يؤمر آدم وبنوه بالسجود إلا لله رب العالمين" فيعقوب عليه السلام سجد ليوسف على أنه يجوز ليوسف رد التحية بالسجود لأبويه وهذا جائز في شرعهم، وأما الملائكة، فما شرع الله ولا أمر بني آدم أن يسجدوا للملائكة، وإنما أمر الملائكة بأن تسجد لآدم تشريفاً وتكريماً له، فكل موضع بحسبه، والآمر هو الله، وحيث ما أمر امتثلنا.

قال: "بل لم يؤمر آدم وبنوه بالسجود إلا لله رب العالمين، ولعل ذلك -والله أعلم بحقائق الأمور- لأنهم أشرف الأنواع، وهم صالحو بني آدم، فليس فوقهم أحد يحسن السجود له إلا لله رب العالمين" كأن هذا إشارة من
شيخ الإسلام إلى تفضيل آدم وصالحي ذريته على الملائكة، وإن كان هو يقول: هذا بحسب النهاية والمآل لا بحسب الحال، فالجنس الإنساني أفضل الأجناس باعتبار المآل، والصالحون من بني آدم ليس فوقهم من يحسن أن يسجدوا له، أو يحق لهم أن يسجدوا له، بل لا يسجدون إلا لله رب العالمين.

قال: "وهم أكفاء بعضهم لبعض، فليس لبعضهم مزية بقدر ما يصلح له السجود، ومن سواهم فقد سجد لهم من الملائكة للأب الأقوم، ومن البهائم للابن الأكرم" فالأب الأقوم آدم، والابن الأكرم إشارة إلى ما جاء في السير، من أن بعض الدواب سجدت للنبي صلى الله عليه وسلم.

قال: "وأما قولهم: لم يسبق لآدم ما يوجب الإكرام له بالسجود، فلغو من القول، هذى به بعض من اعتزل الجماعة" يعني بذلك من خالف أهل السنة والجماعة "فإن نعم الله تعالى وأياديه وآلائه على عباده ليست بسبب منهم، ولو كانت بسبب منهم فهو المنعم بذلك السبب" إلى أن قال: "وهو أيضاً باطل على قاعدتهم لا حاجة لنا إلى بيانه هاهنا...".

 

ومما له علاقة بهذا الموضوع (كلام شيخ الإسلام ابن تيمية على السجود لغير الله وما يتعلق به ) الموادّ التالـيـة:

  • بإمكانك إضافة مذكرة على هذه المادّة خاصة بك ولا يطلع عليها سواك.
  • ستجد سجلاً كاملاً بجميع مذكراتك في الموقع في صفحتك الخاصة.
  • بالطبع يجب أن تكون عضواَ حتى تستطيع الاستفادة من هذه الخدمة
  • عنوان المذكرة
    نص المذكرة
    ملاحظة : مشاركتك سوف تخضع لمراجعة إدارة الموقع قبل الموافقة على نشرها.