موقع الشيخ الدكتور سفر الحوالي
- عموم رسالته إلى الجن والإنس
- الشيخ الدكتور سفر بن عبدالرحمن الحوالي
- من درس: النبوة (الحلقة السابعة)
قال الإمام الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ: [وهو المبعوث إِلَى عامَّة الجِنِّ، وكافَّةِ الوَرَى، بالحقِّ والهُدَى، وبالنُّورِ والضِّياءِ]قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ:[أما كونُه مبعوثاً إِلَى عامة الجن، فقد قال تَعَالَى حكايةً عن قَوْلِ الجن:
وهذا قولٌ بعيد، فقد قال تعالى:
كذا قال مجاهد وغيرُه من السلف والخلف. وقال ابنُ عباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما: الرسل من بني آدم، ومن الجن نُذُرٌ،
وظاهرُ قوله تَعَالَى حكايةً عن الجن
واحْتَجَّ بهذه الآية الكريمة وفي الاستدلال بها عَلَى ذلك نظر لأنها محتملة وليست بصريحة، وهي - والله أعلم - كقوله:
انتقل المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- إِلَى قضية أخرى وهي عموم رسالة نبينا صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الجن والإنس، فَيَقُولُ: [وهو المبعوث إِلَى عامة الجن، وكافة الورى بالحق، والهدى، وبالنور والضياء]، ابتدأ الإمام ابن أبي العز الشرح بالكلام عن إرسال الرسل إِلَى الجن.
وهذه حقيقة ثابتة كما جَاءَ في هذه الآية التي استدل بها قال الله تَعَالَى عن الجن:
، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم علمهم في هذه الليلة ما أراد الله تَعَالَى أن يعلمهم من الأحكام، ومرة قبل ذلك، وهي التي رواها الإمام أَحْمَد عن عبد الله بن عباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وهي المرة الأولى، كما يترجح ذلك بمجموع الروايات كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم بعد فراغه من الطائف لا يعلم عن الجن شيئاً بل كَانَ يقرأ القُرْآن والجن يستمعون إليه. وأما الرواية التي رواها عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ فهي أكثر من ليلة، ويذهب النبي صلى الله عليه وسلم إليهم أو يأتيه داعيهم، وفي ليلة أخرى يصطحب النبي معه عبد الله بن مسعود ولا يستجيب من الصحابة إلا هو، فيضع له خطاً ثُمَّ يتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فيقول عبد الله بن مسعود وهو يصف لنا -حسب اختلاف الروايات- وصفاً عجيباً أنه رأى الجن تتهافت مثل النسور، ثُمَّ لما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم مما أراد الله أن يبلغهم إياه تفرقوا مثل السحب إذا تطايرت، وعاد كل منهم إِلَى بلاده، ثُمَّ أتى النبي صلى الله عليه وسلم وعاد إِلَى أصحابه، هذه الروايات بعضها رواها البُخَارِيّ وبعضها رواها مسلم .
ومما أخبر به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في رواية عند البُخَارِيّ {أنهم سألوه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طعاماً، فأعطاهم العظم، قَالَ: إن لكم بكل عظم أن يكون كما لو كَانَ قبل أن يؤكل}
، أي: أن أي عظم يجده الجن فإن لهم كحاله قبل أن يؤكل، {ولهم بكل روث أو بعرة كحالها قبل أن تؤكل}
ولهذا نهينا أن نستنجي بالعظام وبالروث؛ لأنه طعام إخواننا من الجن الذي أعطاهم إياه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذه الليلة، ومن خصائصهم ما في قول الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى:
القضية الثانية: ذكر المُصنِّف هنا قول مُقاتِل وهو: أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لم يبعث رسولاً إِلَى الإنس والجن قبله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والمراد من هذا ليس معناه أن الله لم يبعث إِلَى الإنس والجن رسولاً؛ ولكن المقصود عامة الجن والإنس قبله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهذا الكلام حق، فالله لم يبعث أحداً إِلَى الإنس عامة والجن عامة إلا محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومقصود مقاتل - رَحِمَهُ اللَّهُ - الذي انتقد عليه: أن الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى لم يبعث رسولاً من الإنس إِلَى الإنس والجن معاً، وإن كَانَ قد بعث إِلَى قومه من الإنس، فيدعو قومه من الإنس، ويدعو معهم طائفة من الجن أو قوماً من الجن، وهذا مردود بقصة الجن الذين ذكرهم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في سورة الأحقاف:
ثُمَّ يأتي سؤال وهو هل رسل الجن من الجن أم من الإنس، اختلف العلماء في ذلك وقد نقل الإمام ابن أبي العز هنا كلام الحافظ ابن كثير في تفسير سورة الأحقاف وكذلك هو منقول من تفسير الإمام مُحَمَّد بن جرير الطبري في آية الأنعام، وهي قول الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى:
2) القول الراجح في هذه المسألة: الذي يظهر أن الأمر ليس قوياً وقاطعاً بأن الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - لم يبعث من الجن رسلاً، وإنما هي وجهة نظر أقوى؛ لأن الذين قالوا بها من السلف أكثر ونحن يسعنا ما وسعهم. فلا يعني ذلك أنه ينفى عن الجن هذا الشيء، بل يحتاج نفيه أو إثباته إِلَى دليل خارج فهذا الذي يبدو، والله تَعَالَى أعلم. لكن نظل نَحْنُ مع ما قاله ابن عباس ومجاهد وابن جريج كما هو ظاهر سورة الأحقاف أن الله يبعث الرسل من الإنس، وأن من الجن من يستمع ذلك الوحي فينذرون أقوامهم بذلك، وأما بقية الأحكام فليس هناك فرق ولا خلاف عَلَى الصحيح بين الإنس والجن، فهم يحاسبون يَوْمَ القِيَامَةِ، ويوقفون بين يدي الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى، كما في هذه الآية وغيرها.
إن الصالح من الإنس والجن يدخل الجنة، والطالح من الإنس والجن يدخل النار، هذا هو القول الراجح والصحيح، ومن قال بخلافه فإنه يعوزه الدليل عَلَى ذلك،
وأما الآية الكريمة التي استدل بها ابن كثير وتبعه الإمام ابن أبي العز رحمه الله تعالى في رد استدلال الضحاك لمَّا استدل بقوله تعالى: والعرب تستعمل في كلامها ما يدل عَلَى أنها إذا أرادت أن تخاطب المفرد تأتي بالكلام عَلَى صورة جمع وهي تريد الفرد، حتى يقول الإمام ابن جرير الطبري رَحِمَهُ اللَّهُ: إن الإِنسَان إذا قَالَ: أكلت تمراً ولبناً، فإن ذلك صحيح في لغة العرب، لكن لو أفرده لا يصح أن يقول: أكلتُ لبناً، وإنما يقول: شربتُ لبناً، فهذا دليل عَلَى أن الأمر في حالة الاجتماع غيره في حالة الانفراد، وعليه فيكون المبعوثون من الإنس والجن، بينما يكون في الحقيقة والواقع لم يأت الرسل إلا من الإنس وحدهم، نقول: قد يترجح هذا القول، إلا أن هذه الآية
| |

